أحزان وأحلام الطبقة الوسطي
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: في أولي تجاربها الروائية الطويلة فيلم أحلي الأوقات اعتنت المخرجة هالة خليل بتفاصيل الحياة الإنسانية لثلاث صديقات فرقت بينهن الأيام بعد انتهاء فترة الزمالك بالمرحلة الثانوية وانشغال كل واحدة منهن بحياتها الشخصية، ونسجت من هذه التيمة أحداثا ومواقف شكلت في مجموعها صورا درامية شديدة الرقة والعذوبة، وقد نالت عن هذا الفيلم العديد من الجوائز وحظيت بتأييد النقاد والجمهور علي حد سواء في قدرة فائقة علي تحقيق المعادلة الصعبة للجمع بين روح السينما الجادة وذوق الجمهور، وإزاء ذلك التشجيع تمادت هالة في مسيرتها علي نفس الدرب طارحة وراء ظهرها إغراء السينما التجارية وظلت مشغولة بالبحث عن حكاية إنسانية أخري تحقق لها ذات التوهج وتضمن لها الثبات علي قمة المنافسة مع من حذوا حذوها أو أرادوا، وفي الطريق وقبل مرور عامين علي أحلي الأوقات كان فيلمها الثاني قص ولزق الذي مثل مصر في مسابقة الأفلام العربية بمهرجان القاهرة السينمائي وحصل علي جائزة أفضل فيلم عربي مناصفة مع الفيلم الجزائري ـ الفرنسي بركات للمخرجة جميلة صحراوي، حيث تماثل الفيلمان في الرؤية الإنسانية للواقع المرير المشحون بالأسي والحزن علي الدروب السياسية والاجتماعية بشكل يخلو من الفجاجة والمباشرة ونبرة الصراخ الميلودرامية المعهودة في السينما الكلاسيكية التي تركز علي المأساة الفردية للبطلة أو البطل لإثارة تعاطف المشاهد واستقطابه من أول مشهد، هذه الآلية تغيرت تماما في السينما العربية الحديثة وباتت القضايا الجماعية هي البطل الحقيقي والحدث هو المحور الرئيسي للفيلم، ذات النظرية التي قدمت بها هالة خليل شحنتها المتدفقة في قص ولزق وسلطت الضوء علي مشكلة البطلة حنان ترك الفتاة المحبطة الراغبة في الهجرة إلي إحدي الدول الغربية هربا من قسوة الحياة وشبح العنوسة الذي يتربص بها ويسجنها داخل قمقم الحياة الرتيبة ويفرض عليها أحكام المجتمع العرفية وحراسة الأم سوسن بدر المحكومة بسياج اجتماعي محافظ والراغبة في نقل ثقافتها المنضبطة إلي ابنتها الوحيدة جميلة، إذ تجد فيها ثمرة جهدها المضني بعد ترملها المبكر وعكوفها علي تربيتها، تنقل لنا الأحداث حالة التضاد بين الثقافتين وتركز المخرجة هالة خليل علي اغتراب البطلة وتمردها ونزوعها الدائم إلي الرفض كوسيلة وحيدة للمقاومة في مواجهة مجتمع يحكم قبضته علي المرأة ويأسرها داخل إطار العادات والتقاليد، وتمد هالة الخط علي استقامته فتحيل العلاقة الناشئة بين حنان ترك أو جميلة وشريف منير إلي مباراة يختبر فيها ذكاء الفتاة في تعاملها مع الرجل أو بالأحري الشاب الرقيق الباحث عن فرصة عمل مناسبة والمضطر لقبول العمل الحر بديلا عن البطــــالة، في إلماح إلي مأساة الفراغ الذي يدفع الشباب للقبول بأي دور وتحت أي ظرف، فالبطل يدخل في علاقة انتهازية يستـــــهدف منها الهجرة إلي أوروبا، ذات الغاية التي استحوذت علي اهتمام وتفـكير البطـــلة، وفي بُعد ثانٍ لجمود الحياة داخل الوطن وثبات حالة الركود تشير المخرجة عبر شخصية الشقيق الأكبر لشريف منير والذي يعاني من مرارة واكتئاب نتيجة تأخره في الزواج لقصور ذات اليد وصعوبة إيجاد مسكن مستقل. تشير المخرجة إلي ضياع الأحلام وسرقة الأعمار والإرغام علي قبول الأمر الواقع كرد فعل للعجز وعدم القدرة علي التغيير، بيد أن كل ما تقدم من معطيات يخلق لدي جميلة صفات ذكورية تتسم بالخشونة والصرامة وتدفعها إلي الاحتيال أحيانا عملا بقوانين السوق، فهي تمتهن التجارة وتقوم بدور السمسار في التوفيق بين البائع والمشتري بما يخلع عليها صفات السمسار الحقيقي فلا تمانع في استخدام أدواته من فهلوة ومغالطة وكذب أحيانا علي أساس أن الشيء لزوم الشيء بقناعة تري معها أن ذلك عمل مشروع في ظل سيادة قوانين الفوضي والمحسوبية والارتزاق وعشــوائية التعــامل، وهنا ترصد هـــالة حالة التواطؤ علي الذات باستبعاد الكوابح الأخلاقية والمرجعيات الفطرية لدي الإنسان السوي بزعم أن قانون الحياة يفرض نفسه ويولد داخل الإنسان ازدواجا ما قد لا يصل إلي حد الفصام المرضي، لكنه يشكل طبيعة موازية لطبيعته الأصلية، ومن ثم يكون لدي الشخص المصاب بهذه الحالة خياران أساسيان، إما الاستمرار فيما هو عليه والتجانس مع ذاته الجديدة وإما الهروب من الواقع الذي فرض عليه هذا النمط السلوكي المختل إلي واقع آخر يجد فيه نفسه ويستعيد توازنه النفسي والإنساني، وتنسحب حالة جميلة البطلة المهزومة علي البطل شريف منير، إذ يجمع بينهما تشابه اجتماعي ما وإن لم يكن حرفيا فهو أيضا يقبل باختيار الهروب من الواقع المحبط ويوافقها علي صفقة الزواج الشكلي أو الصوري بغية تحقيق شرط الهجرة التي تمثل الخلاص بالنسبة لهما. وبينما تأخذنا المخرجة نحو فكرتها وتقترب بنا من هموم البسطاء البطلين والشخصيات الأخري المساعدة، صديق البطل فتحي عبدالوهاب الباحث عن مرفأ أمان والممزق بين نزواته واحتياجاته الاجتماعية وصديقة البطلة، تلك الفتاة العاملة في أحد المطاعم والمطموح فيها كفريسة متاحة لصياديها، حيث الشخصيتان تتلاقيان بعد أن تقطع كل منها شوطا منفردا في عراكها مع الدنيا ويجمعهما علي خلفية الإحساس الثنائي بالفشل علاقة رومانسية تمثل غطاء واقيا للطرفين يحجب عنهما بعضا من رذائل الحياة، ويقبل كل طرف تلك الصيغة الوقائية مقنعا نفسه بأن هذا هو الحب!
وبإطلالة علي شخصية الأم سوسن بدر نلمح تلك الوحشة التي تعانيها في ظل الترمل والوحدة بين أربعة جدران لا يؤنس وحدتها غير الساعات التي تقضيها في محل الكوافير التي تعمل به، فضلا عن عذاباتها المستمرة من جموح ابنتها الوحيدة وجنونها بالهجرة والسفر، ذلك أنها تعتبر نجاح ابنتها في تحقيق مآربها خسارة فادحة لها وضياعا لمشروعها الذي كرست حياتها من أجله ودأبت علي تنميته سنوات طويلة نداءات لها فيها أحلام وردية تعاظمت بخروج الإبنة من طور الطفولة وبلوغها مرحلة الشباب، وكأي أم مصرية باتت تنتظر لحظة ارتباط ابنتها بشاب يليق بها ويأخذها إلي عش الزوجية، حيث الاستقرار والهدوء كما هو معهود وراسخ في ذهنية الطبقة المتوسطـة الشريحة التي تنتمي إليها البطلة وتعتني المخرجة بالتفتيش في واقعها والدخول في ثناياها. وتبقي من بين الشخصيات الممرورة التي خصتها الرؤية الدرامية بالتصوير والتدقيق شخصية أخري هامشية لسيدة تركها زوجها وسافر لإحدي دول النفط فانقلبت حياتها رأساً علي عقب وتحولت بفعل القهر والإحساس بالإهمال إلي ضحية علي نحو ما لم تفصح عنه هالة خليل إلا بإشارة بعيدة حيث نري السيدة المحرومة من حنان زوجها الغائب وقد تأبطت ذراع رجل آخر أمام إحدي دور العرض، ولعل هالة اكتفت بهذا الملمح الصغير الذي يحمل في معناه دلالات كثيرة أبلغ من الشرح والإطالة.
بغض النظر عن النهاية الرومانتيكية التي اختارتها المخرجة لفيلمها بعدول البطلين عن فكرة الهجرة والبقاء في مصر تحت سقف واحد فإن الحالة الفنية التي طُرحت بكل مفرداتها المؤلمــة تستأهل أن تكون فيلما بهذا المستوي الراقي من التناول والتعبير، غير أن تشريح المجتمع والشخصيات للكشف عن مواطن الأورام الخبيثة هو في حد ذاته اتجاه نحو المصارحة والتعرية كي لا نمضي حياتنا كلها في وهم الرضا بالقليل والقناعة الكاذبة والضحك فقط علي أوجاعنا ومساخرنا.