نحو انضاج الدعوة لقيام الكتلة التاريخية في العراق والدور الرائد للشخصيات المستقلة في قيامها وفي الجبهة الموحدة

حجم الخط
0

باقر ابراهيم

أمام تفاقم مأساة العراق الفريدة من نوعها وفي أثرها، في كل تاريخه، والناجمة أساساً عن الاحتلال الاجنبي الغاشم، ومع تصاعد المقاومة الشعبية بكل أساليبها، لهذا الاحتلال وأعوانه، يشحذ الوطنيون من كل الاتجاهات والعقائد أذهانهم للبحث عن الحلول، وفي مقدمتها البحث عن مستلزمات توحيد النضال، من أجل التحرير الوطني والتغيير الاجتماعي.

يدور بيننا كشخصيات مستقلة في بلاد المهاجر الواسعة، النقاش والبحث عن أفضل الادوار التي يمكن أن نؤديها لتحقيق تلك المهمة.

ولا بد من التأكيد ابتداء، بأن هذا الدور الذي نبحث عنه، والذي نسعي لصياغته ضمن إطار موحّد، هو امتداد وتطوير للنضال المشترك، الذي مارسه الالوف من الوطنيين ذوي التاريخ الطويل في ميدان الفكر والممارسة، دفاعاً عن ثوابت نضالنا الوطني وأهدافها، كما هو اصرار وتطوير للجهد السابق، بما يلزمنا في الظروف المستجدة.

وطيلة أكثر من عقد ونصف، كان يجمعنا النضال الموحد، ولكن دون إسم معين أو لافته معينة، كمناضلين يمثلون جميع التيارات القومية واليسارية والاسلامية المقاومة.

إن أهمية الدور النضالي الذي لعبته تجمعات الوطنيين اللاحزبيين، تجسّدت، في ميدان الفكر والممارسة، بالنضال ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية في العراق، تم بالتصدي للحصار عليه، ثم ضد الحرب والاحتلال، ودعم النضال داخل الوطن وإلاسهام النشيط في الفعاليات العربية والاسلامية والعالمية المناصرة لقضية العراق.

ومن مآثر هذا الدور، التصدي للغزو الامبريالي، وابراز شعار الدفاع عن الوطن، قبل الغزو وأثناءه وبعده، وثم الاسهام في المقاومة الشعبية للاحتلال.

رافق تطور العراق السياسي الحديث، قيام الاحزاب والمنظمات السياسية كضرورة ملازمة للحياة الدستورية كما اقترن تطور الحركة الوطنية، بالنضال المفعم بالارادة الطيبة والتضحيات الغالية، للمناضلين الاوائل الذين يستحقون التمجيد والذكر الطيب.

ولا يمكن بالطبع، فصل منجزات العراق، في تحقيق الاستقلال الوطني، والتقدم الاجتماعي والاعمار عن أدوار تلك الاحزاب والقوي والشخصيات الوطنية. ومن الجانب الآخر لا بد أن نشير إلي أن الأخطاء التي ارتكبتها الاحزاب، وبدرجات متفاوته في مجري النضال الوطني، تستوجب أخذ العبرة منها، وخاصة ما يتعلق بتكريس العصبيات الحزبية والجمود العقائدي، وانعدام التوازن والحكمة فيها، عند الانجرار الي الصراعات والتناحرات من أجل السلطة، وما نجم عنها من تكريس ظواهر الاستبداد في الحكم والقمع حتي داخل المؤسسات الحزبية ذاتها.

ولا بد من التوقف عن الحالة الضارة التي تسعي لتغليف التسلط، وما يجره من قسر تجاه الاخرين، باسم ادعاء وحدانية تمثيل الارادة الشعبية، أو الدور الطليعي أو القائد أو الرائد، لحزب معين.

فتلك الاشتراطات بالدور الخاص والمتميز، لحزب معين يستقوي علي الآخرين بالسلطة بالدرجة الرئيسية، او حتي بدعم الشارع، أو بادعاء الاولوية في مقاومة الاحتلال، أو عن طريق صندوق الانتخاب، تنتهي كلها للاسف الي الانتقاص من دور الاخرين، ثم اسقاط هذا الدور عن طريق القمع أو الاحتواء.

فالاخطاء الفادحة والصراعات المنفلتة بين الاحزاب السياسية، ونخص منها الاحزاب التي تصدرت مهمات التحرير والتغيير، وما جرّته من انتكاسات أصابت الشعب والوطن، وتركت تأثيرها السلبي علي الانسان العادي، انعكس بضعف الجاذبية الشعبية للانتساب للاحزاب، والتصديق ببرامجها الزاهية التي تعلنها اليوم، لتخالفها غداً.

علماً أن فترة الاحتلال الامريكي البغيضة، أسفرت في واقع الحال، عن نمط مفرط من تزييف وابتذال الحريات الحزبية وتأسيس المنظمات الاجتماعية، كما هو الامر ازاء حريات الصحافة ووسائل الاعلام الاخري.. إن المراجعه الشاملة والصحيحة، لتجربة الحركة، الوطنية العراقية وأحزابها، ضرورية لحاضرنا، كما هي ضرورية لمستقبلنا، حين تظل تهددها الموروثات القديمة التي تسعي للانتعاش والتجدد في حاضرنا.

فهذه الموروثات تتسلل إلي حياتنا السياسية الراهنة، حتي دون الارادة المسبقة لقادة ومنتسبي الاحزاب الوطنية، إن لم تقابل بدرجة عالية من الوعي والحذر.

وفقاً لما تقدم، فإن الاطار الذي نري انه يجب أن يوحد الطاقات الوطنية الآن، ينبغي أن لا يقفز فوق واقعنا وامكاناتنا كأن يتحول إلي حزب سياسي أو ما يشبه الحزب، إيماناً منا بأن الاحزاب السياسية لا يمكن أن تتأسس وتنمو إلا وسط تربتها الشعبية داخل الوطن.

ان الاتحادات والجبهات الوطنية، في الماضي، اقتصرت علي الاحزاب والمنظمات، بوجه عام، مع ترك دور هامشي جداً، إن لم يكن معدوماً، للشخصيات المستقلة.

ونظراً لسعة دور هذه الشريحة الواسعة من الشعب، وتأثيرها الايجابي المتزايد، وخاصة في رفض الافتراق وتحفيز السعي لتحقيق الجبهة الموحدة، فإن الاطار الذي ننشده يجب أن يتخذ المواقف، ايجاباً وسلباً، في الدعم والتأييد من جهة، وفي النصح والاعتراض من الجهة الاخري، علي مواقف جميع الاحزاب الوطنية، علي حد سواء.

وهذا يعني، أن علي هذا التجمع، أن يحافظ علي موقف وطني مستقل، موقف وسط في المسافة بين جميع الاحزاب والقوي الوطنية، ويرفض التبعية والانحياز لطرف والعداء لطرف آخر. وكل ذلك ضروري كي يؤدي دوره الايجابي في اقناع الاحزاب والاطراف الوطنية، وحتي حملها علي قبول فكرة الجبهة الموحدة.

من الاركان المهمة لمقومات التجمع المنشود، أن يتسم بقبول الاختلاف في الرأي بين عناصره، تجاه أية قضية سياسية يجري تناولها، وأن تحل الخلافات بأسلوب ديمقراطي ايجابي، يجمع ولا يفرق، وأن تترك الامور التي لا يتم الاتفاق عليها، لمزيد من الحوار.

إن تضييق فرص المرونة في الرأي والممارسة، والاثقال علي التشكيلة المنشودة، بضوابط الارتباط والتنظيم، يؤديان الي نتائج عكسية، وينتهيان بالخلاف في الرأي الي الصراعات الداخلية والتمزقات.

يمكن القول إن التجمع الوطني، الذي نحتاجه اليوم، هو جزء من النضال الوطني والاجتماعي لشعبنا في الداخل. فإلي جانب مهمته الرئيسية في تحرير الوطن من الاحتلال، فهو يهدف الي اعادة بناء الوطن وتطويره لصالح جميع الطبقات المكونة للشعب، وفي مقدمتها، الكتلة الاجتماعية الواسعة من الشعب العامل الذي كان الاكثر معاناةً من استبداد الانظمة ومن الحصار والحروب والاحتلال.

إن التجربة الجديدة التي ينبغي أن نقدمها، كطرف فعّال ومؤثر فــــي نضال شعـبنا، وفي وحدة قواه، هي تقديم بدائل جديدة في ميادين الفكر والممارسة السياسية ترسي العلاقات الداخلية، ومع الاطراف الحليفة، علي اسس من العدالة والمساواة والعقلانية والنزوع الديمقراطي عند حل المشكلات والخلافات.

كثيراً ما يردد الوطنيون، أن تياراً واحدا أو حزباً واحداً منهم، لا يستطيع النهوض بمهمات النضال الوطني والاجتماعي، دع عنكم حين يكون ذلك التيار أو الحزب، في حالة الافتراق أو الخصام مع التيارات الاخري.

لكن هذه الفكرة السليمة، تحتاج الي النفس الطويل والجهد المواظب، لتحويلها الي واقع بعد أن جرّبت كل تيارات التغيير، وكل أحزابها في العراق وفي بلدان أخري، حظوظها في الهيمنة المنفردة علي السلطة، أو الشارع أو البرلمان أو الجبهة الوطنية.

وأمام المأساة بعد الاحتلال الاجنبي، كما أشرنا، وفي ظروف سقوط عدد من الاحزاب التي كانت بالامس في صف النضال الوطني، وتحالفها مع المحتل، وأمام الرفض الشعبي للعنف المنفلت، والرغبة الواسعة في الخلاص منه، وكرد علي الانغماس في الخصام العقائدي والحزبي بين القوي التي تمثل تيارات التغيير الاربعة: القومية واليسارية والاسلامية والليبرالية، تنشأ الظروف الموضوعية، وتبرز الحاجة الملحة لقيام جبهة شعبية موحدة ذات اطارشعبي شامل، لتكون الوجه السياسي لمقاومة الشعب للاحتلال، ولوضع الحلول التي توقف ثم تنهي مأساة الشعب وتقوده الي شاطيء الامان.

كما تنضج الظروف الموضوعية، والحاجة لقيام (الكتلة التاريخية) التي يراد بها جمع التيارات الاربعة المذكورة، ربما كجبهة في البداية، ثم كمنظمة سياسية مستقبلاً، مؤهلة للقيادة الشعبية ولتحقيق مهمات التحرير والتغيير.

ان التلاقي الايجابي، الاولي، بين هذه التيارات، أملته بالامس، وتمليه الآن ظروف موضوعية وحاجات مشتركة ملحة، ولا يمكن تفسيره بانه دخول تيار معين في دائرة تيار آخر. فهذا التفسير يعيدنا الي ماضي الطموح في هضم أو استيعاب تيار لآخر، كبديل للصراعات العدائية وكلاهما ضار.

والآن، فإن من مستلزمات نجاح وديمومة هذا الهدف المنشود وفي قيام (الكتلة التاريخية)، توفر النواة أو النخبة أو الخميرة التي ستكون الاساس المضمون لاستمرارها، ونموها. كما ينبغي ان يتوفر في هذه النواة الحد المناسب، والضروري من التماسك الفكري والسياسي بين عناصرها المؤسسة. وبخلاف ذلك، فإن العجلة في خطوات غير مضمونة النجاح، يمكن أن تنتهي بمردودات سلبية ومخيبة.

وأري، اننا كمناضلين في المهجر نستطيع، بل من واجبنا أن نعطي المثل المحفز لرواج هذه الفكرة وتحويلها الي الواقع. فنحن مارسناها عملياً، بشكل أولي، ودون تسميات، في ممارساتنا النضالية التي امتدت منذ اكثر من عقد ونصف من الزمن، لمناصرة قضية شعبنا والالتحام بالجبهة العربية والعالمية المناهضة للعدوان والحروب والامبريالية والصهيونية.

وإذ نطمح الآن، لتطوير تجربتنا الي مؤسسة دائمة، تحمل إسماً ولها أهداف وقواعد عمل مقبولة، في ظروفنا، فقد يكون من السابق لأوانه ان تشمل هذه الفكرة الخارج والداخل معاً.

ومع ذلك، سيظل إنجاز هذا الشمول هدفاً لا بد منه في النهاية.

ہ كاتب من العراق8ّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية