عام اقل سوءا!

حجم الخط
0

أمجد ناصر

عام اقل سوءاعام اقل سواداعام اخف وطأةسنة اكثر رحمةالقادم اعظمربنا يستر!

هذه مقتطفات من بعض البطاقات والرسائل الالكترونية التي وصلتني لمناسبة قرب حلول العام الجديد. البطاقات والرسائل التي تتمني لي (لنا) عاما سعيدا قادما تكاد ان تكون معدومة. فبعد ان رأينا ما رأينا في هذا العام الموشك علي الرحيل، وما رأينا في الاعوام الماضية من اهوال لم نكن نتصورها في اسوأ كوابيسنا، لم نعد قادرين علي تمني الافضل. قصاري ما نأمله ان لا يكون القادم اكثر سوءا، اكثر سوادا وألما.

شعوب بعيدة وقريبة، غنية وفقيرة، في العالم الثالث والعالم الاول تستطيع ان تحتفظ بذكري جيدة من هذه السنة، ولديها في واقع امرها من البشائر ما تأمل ان تثمر في العام القادم الا شعوبنا العربية.

فعلي اي واقع او بشري يمكن للعراقي الذي تغرق بلاده امام عينيه في مستنقع من الدم تطفو عليه جثث مجهولة الهوية ان يستقبل العام الجديد، وماذا يمكن للفلسطيني ان يأمل من السنة القادمة وهو يري قواه السياسية تتصارع، مثل عصابات شيكاغو في ثلاثينات القرن الماضي، في شوارع غزة والضفة الغربية فيما الحصار الاسرائيلي يطبق علي الصدور، وبأي معجزة يمكن للبنان ان يتفادي تداعيات الانقسام السياسي العمودي بين احزابه وطوائفه، وما هو الحل السحري لعراء البشر في دارفور وحفظ الوحدة الترابية والوطنية لسودان منقسم الي شمال وجنوب وشرق وغرب؟

هذا من دون ان نذكر قضايا الفساد والحريات والبطالة والافقار المتواصل لبقية بلدان العالم العربي في ظل خريف البطاركة الطويل، فأمور كهذه صارت طبيعة اولي للحياة السياسية العربية.

من الصعب ان تحتفظ شعوب عربية بأكملها بورقة او ورقتين سعيدتين من الرزنامة الدموية او القاتمة لهذا العام الآفل. ففي العراق كان هذا عام الجثث المقتولة علي الاسم والهوية، الملقاة في مكبات النفايات او في الشوارع الخلفية رغم مصرع زعيم القاعدة في العراق ابو مصعب الزرقاوي، الذي كنا نظن ان غيابه عن المسرح سيخفض حدة ارهاب التكفيريين والميليشيات وفرق الموت. قتل الزرقاوي وعشرات من جماعته واعتقل، حسب بيانات الحكومة والاحتلال، المئات من المحسوبين عليه غير ان سيل الجثث مجهولة الهوية لم يتوقف وتواصلت ازمة البلاد السياسية والطائفية رغم مؤتمرات المصالحة ونداءات رجال الدين لصون حياة الناس.

لم يترك هذا العام بصيص امل للعراقيين كي يتفاءلوا به ويبنوا عليه. فالاحتلال باق بحديده الجرار، وتخندق القوي اللاعبة بالمصائر العراقية اليومية ما يزال علي حاله، وغياب الصوت الثقافي المتعالي عن الحدود والمواضعات التي رسمها الاحتلال والميليشيات وقوي التكفير والظلام مفزع، ربما، اكثر من اي شيء اخر، باعتبار ان الثقافة والمثقفين هما اللذان يبقيان الوطن وقواسمه المشتركة حيين في الوعي والكتابة حتي وان تدهورا مؤقتا علي ارض الواقع. وليس الحال افضل كثيرا في فلسطين. صحيح انه ليست هناك جثث مجهولة الهوية في شوارع غزة والضفة الغربية غير ان الفلسطينيين لم يتصوروا يوما ان توجه بنادق تنظيماتهم (الطاهرة) الي صدور بعضها البعض. كان هذا شبه مستحيل. لكن المستحيل السييء ممكن جدا في الحياة العربية. ولا شيء يدعو الي الاعتقاد ان (ازمة الحكم) بين فتح وحماس في طريقها الي حل يحفظ تعالي النضال الفلسطيني عن الفئوية والمصالح التنظيمية البائسة. ما يحصل في فلسطين قد يكون اسوأ مما يحصل في العراق، فالاحتلال الامريكي في العراق راحل لا محالة. انه ليس احتلالا استيطانيا مثلما هو الحال في فلسطين. هكذا يكتسب الصراع الفلسطيني الداخلي علي سلطة لا تملك من امر السلطة الفعلية شروي نقير، خطورة ليس فقط علي الواقع الفلسطيني المزري ولكن علي الجانب الاخلاقي والانساني الذي يميز القضية الفلسطينية عن غيرها. ومع ان لحماس الحق في التمسك بـ(الحكومة) باعتبارها القوة السياسية التي اختارتها اغلبية الشعب الفلسطيني في انتخابات حرة ونزيهة، ولكن الامر في فلسطين ليس امر حكم وسلطة بقدر ما هو امر قضية كبيرة ومعقدة لن تحل، كما يأمل الفلسطينيون والعرب، بمجرد وصول حماس، او غيرها من القوي الوطنية، الي الحكم. ولو كنت مكان قادة حماس الذين يحملون اليوم وزر الحصار وتردي حياة الفلسطينيين المعيشية لقلت للرئيس محمود عباس: تفضل شكل الحكومة وفك الحصار وآتنا بحل عادل للقضية الفلسطينية.

من المستبعد ان تفعل حماس ذلك، ولكن حتي لو فعلت فإن شيئا مما ذكرنا لن يحصل. قد يرفع الحصار الدولي والعربي الذي لا يمكن فهمه اصلا، اما دفع الاسرائيليين الي التفاوض الجدي علي قاعدة المبادرة العربية التي يطالبون حماس الاعتراف بها فلن يحصل، لأن اسرائيل لا تعترف بها، بل هي قالت عند انطلاقها من قمة بيروت انها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به!

وماذا عن لبنان؟

كانت هناك حرب مع اسرائيل قوبلت بحماسة شعبية عربية غير مسبوقة. حرب لم تكن ككل الحروب السابقة.

طالت عمق اسرائيل وهزت اسطورة الجيش الذي لا يقهر، واكدت ان الارادة اقوي واهم من السلاح. لكن انعكاس هذه الحرب علي الوضع اللبناني كان كارثيا. فهي اولا لم تحظ باجماع شعبي وتم التشكيك فيها سياسيا علي الفور، وتركت دمارا هائلا، مقصودا تماما، علي البنية التحتية لأجزاء واسعة من البلد واثرت علي حياة نحو مليون لبناني.

ليس ما نراه، نحن العرب وعن بعد، هو ما يراه اللبنانيون ويعانونه. نحن فرحنا بضرب العمق الاسرائيلي وبالهزة المعنوية التي اصابت الجيش الاسرائيلي، واكدت لنا مقاومة حزب الله، بعد شعور عميق باليأس والمهانة، ان اسرائيل يمكن ان تصد وان تجرح وان تهتز. لكن قسما لا بأس به من اللبنانيين رأوها تدميرا للبلد وامعانا في استنزاف موارده واصرارا علي ابقائه ساحة وحيدة لتنفيس الاحتقانات الاقليمية.

والآن الناس في الشارع والازمة قائمة فيما يتقاسم طرفا المعادلة الصواب والخطأ، فحزب الله مصيب في مواجهة اسرائيل والتصور الامريكي الامبريالي للمنطقة، وفريق 14 اذار محق في ان لا يكون لبنان ساحة المواجهة العربية الوحيدة المفتوحة فيما بقية الانظمة العربية، وعلي رأسها سورية، ختمت حدودها بالشمع الاحمر.

ليس هذا موقفا وسطيا ولا هو مسك للعصا من المنتصف، فعلي المستوي السياسي اجد نفسي اقرب، بالتأكيد، الي فكرة المقاومة، مني الي قوي سياسية انتجت، بشكل دوري، ازمة لبنان منذ استقلاله الي اليوم، ولكن كما يقول المثل الاردني الشائع (اكل العصي مش مثل عدها). ادبيا وثقافيا كان هذا العام عام رحيل رواد ومؤسسين ورجال محترمين من امثال نجيب محفوظ ومحمد الماغوط وعبد السلام العجيلي ونبيل الهلالي ومحمد عودة وكمال سبتي وعصام محفوظ وصبري مدلل وحسن قبيسي واسماعيل صبري عبد الله ومليكة مستظرف واحمد السطاتي وجليل القيسي وغيرهم ممن سقطوا سهوا من ذاكرة مكتظة بالراحلين.

كانت هناك لفتات ومواقف واصدارات ونشاطات اهلية وفردية هذا العام اخترقت العتمة المعرشة علي بلاد تئن تحت ثقل انظمة قاهرة وغزو اجنبي وتفسخ اهلي، مثل نيل محمد الماغوط جائزة العويس قبل رحيله بشهر وعودة فيروز الي المخزون الرحباني واعادة اصدار الاعمال الكاملة لابن خلدون وتنبي الاقتراح العربي بيوم عالمي للفلسفة وصدور العدد مئة من كتاب في جريدة وتألق اعمال سينمائية فلسطينية ولبنانية وتونسية ومغربية في مهرجانات عربية ودولية وانطلاق قناة الجزيرة انترناشونال وترجمة حكايات الديكاميرون كاملة الي العربية وتكريم ثريا ملحس وتواصل فعاليات العواصم الثقافية العربية (رغم كل الملاحظات عليها) واستمرار الانتقال الي عالم الانترنت والمدونات كبديل للاعلام الرسمي.

ليس جديدا ان نقول ونعيد القول ان بقع الضوء شبه الوحيدة في الحياة العربية هي تلك التي يصنعها الافراد والمؤسسات الاهلية سواء في داخل الاوطان ام في المنافي، اما الانظمة فتواصل تخريب ما كان قائما وتبطش وتتجبر برعاية الغرب ابي حقوق الانسان والحريات!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية