أصدرت جماعة الاخوان المسلمين في سورية آخر بياناتها السياسية تحت عنوان: لبنان والأمة.. بين المشروعَيْن الأمريكيّ الغربيّ والايرانيّ الفارسيّ تتحدث فيه بنبرة عالية وصوت صاخب عن التحديات التي تراها تواجه لبنان وسورية والأمة، والتي تتردد ـ في اعتقادها ـ بين المشروعين: الأمريكي (المعتاد)، والايراني الفارسي (الذي بات موضة التهديدات الأخيرة منذ المواجهة الأخيرة بين حزب الله اللبناني واسرائيل)! لا حاجة للقول ـ في هذا السياق ـ أن المشاريع الشرقية والغربية كانت ـ ولا تزال ـ تتقاطع في منطقة الشرق الأوسط، وأن الكتل الاقليمية والدولية ما انفكت تتدافع فيها وتتصارع فوق ثراها؛ واذا كان الحديث عن المشروع الأمريكي قضية مملة لكثرة ما تكرّر، فان المشروع الآخر الأجدّ (نسبياً) يستحق بعض المناقشة، ويستوجب تقليب وجهات النظر، مما أتركه لأهله والمهتمين به. غير أن ما يعنينا هنا، بخصوص الجماعة السورية وتصريحاتها، هو الربط بين ما جدّ من هذه التصريحات، وبين مستجدات الأمور من جهة، وبينها وبين تاريخ معاناة هذه الجماعة وسقطاتها السياسية والاعلامية من جهة أخري! ان التخوّف من التمدد الايراني، الفارسي، أو الشيعي، الصفوي، والاختلاف أو الاتفاق مع هذا التوجه، أمر ـ وان كان جديراً بالاعتبار ـ الا أن توقيت طرحه الذي أتبع ما جدّ بين لبنان واسرائيل هو الأجدر بالاعتبار والبحث، والنظر الي المستفيد الأكبر من تأجيج هذا الخلاف البيزنطي هو الذي تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ومن جانب آخر، وعودة الي تاريخ الجماعة التي اتكأت علي الخطاب الطائفي رداً علي ممارسات النظام السوري الطائفي في السبعينات والثمانينات، وانزلقت الي مطبّ خطر كان نظام الأسد الديكتاتوري موقده الأول من غير شك، لكن نمطية هذا الخطاب الضيق زادته اشتعالاً وانتشاراً، وهو أمر أدركته الجماعة بعد ثلاثة عقود من الزمن، وبذلت جهداً كبيراً مشكوراً في محاولة التحرّر منه والابتعاد عنه؛ هذا التاريخ، ببدايته المرّة، وما انتهي اليه، قاد الجماعة الي أن تحارب علي غير جبهة من أجل التخلص من تبعاته، لتخرج في السنوات الأخيرة تعلن أن العلويين اخوان لنا، وأن الطائفة الكريمة شريك في الوطن والمواطنية، مثلما أن الشيوعيين حلفاء سياسيين، والقوميين، والاشتراكيين، والبعثيين الشرفاء، والأكراد، وكل من تجمعنا به رابطة معارضة النظام، بمن فيهم رجله الثاني عبد الحليم خدام. ان انزلاق الجماعة السورية اليوم في مطب الصراع السني ـ الشيعي، أو العربي ـ الفارسي، ليس بالأمر الصعب أبداً، والتورط في هذه الفتـــــنة الجديدة ألفُ يَدٍ تدفع اليه، لكن المتورطين اذا قدّر لهم البقــاء بعد عقــــدين أو ثلاثة، ربما لن يجدوا نظاماً كالنظام الأسدي المـــــتوارث يتكئون عليه مرة أخري لجمع الصفوف؛ ولو سارت المنطقة نحو هاوية هذا الصراع البغـــيض، فلربما لن يكون متاحاً للجماعة السورية ومثيلاتها فرصة الترقيع السياسي من جديد!
د. أكثم حدادالمانيا6