عبدالله ساعف تشكل مهمة قراءة ملامح المجتمع المدني في واقع تطبعه السيولة في الأحداث والنزعات المتناقضة الخفية منها والظاهرة، مهمة صعبة. ولا يملك المرء الا أن يعبر عن اعجابه بمن يتحدث في هذا المجال بثقة كبيرة بالنفس، وبمفاهيم جاهزة، واشكاليات تدعي الوضوح، وعبر خطابات توحي بأن القضية تم التفكير فيها مسبقا وتم حسمها كذلك. وبما أن الواقع يخضع لحركية كثيفة معقدة وجديدة، شكلا ومضمونا، ففي كثير من الأحيان يجب اللجوء الي مفاهيم متداولة في الحقل الواسع للعلوم الاجتماعية، أجنبية كانت أم عربية، وقد يجب اعتماد أسلوب في الكتابة يبرز الطابع التساؤلي والاشكالي والافتراضي للعديد من الأفكار والملاحظات والاشارات التي يوحي بها موضوع المجتمع المدني.
في موضوع المجتمع المدني من غير المشروع اعادة انتاج الخطاب الذي ساد وما زال يسود، وذلك في مواقع ثقافية مختلفة حول الديمقراطية، والحريات ومجالات حقوق الانسان، ومن الضروري تجنب اعادة انتاج الخطاب الذي يحلل مفهوم النهضة والنزعات العامة التي حددت ووجهت تطور الحركة الدستورية… لقد تراكمت أدبيات هائلة حول هذه الموضوعات، ما زالت تستدعي المزيد من الاهتمام والتنقيب والدراسة. الا أنه لا يجوز أن يعرقل ذلك فهمنا وتفاعلنا مع موضوع المجتمع المدني في الوطن العربي وملامسة ما هو خاص ومتميز فيه.
حصلت تطورات أساسية في انبناء مفهوم المجتمع المدني منذ القرن السادس عشر والي حدود القرن الثامن عشر. ويتضح أن مسارا خاصا طبع المرحلة الأولي في تشكل المفهوم. تظهر المرحلة أساسية في ما يتعلق بالاستعمال الذي يسود حاليا علي المستوي الكوني. يمكن التمييز ما بين ثلاث لحظات:
ـ لحظة أولي طغي النموذج الذي نظر له هوبز حيث يظهر أن مضمون المجتمع المدني يتحدد كنقيض لحالة الطبيعة، وهو يتجلي في تشكيل الدولة وقوانينها، يفرض نموذجا أول يعارض الطبيعي (حالة الطبيعة، فوضاها، انعدام الأمن فيها). بالمتفق عليه والمصطنع (الدولة). ـ في لحظة ثانية متميزة برز فيها النموذج الثاني. وهو الذي تحدث عنه جون لوك في كتابه في الحكم المدني أو السياسي، وبالتدقيق في الفصل الخامس من الكتاب وعنوانه في المجتمع المدني أو السياسي: وهــــو النموذج الذي نجده فـــــي الموسوعة L’Encyclopedie. وكذلك عند بوقندروف ويعني المجتمع المدني في هذا النموذج نوعا من التنظيم لحالة الطبيعة وتكملة لها بخلق العامل السياسي الذي يخلق الذوات القانونية، ويحدد حقوق أعضاء المجتمع من خلال طرح نظام قانون عام.
ـ في لحظة ثالثة، يمكن تسجيل قلب القيم الذي وقع: فعندما أخذ المجتمع المدني يستمد مشروعيته من كونه تأسس علي شبكات مصالح وتضامنات متبادلة ذات صبغة طبيعية، في الوقت الذي تظهر فيه الدولة/الحكومية ككيان يشكل خطرا علي حرية المجتمع اذن وقع تحول أساسي في هذه المرحلة الثالثة حيث المجتمع المدني هو الحالة الطبيعية التي يجب المحافظة عليها من خطر تجاوزات الدولة.
ويمكن تسجيل مرجعية تتصاعد أهميتها في الفكر الغربي لهذه الفترة حيث يحدد مفكرو الغرب هوية مجتمعهم السياسي والتوازن الدقيق الذي يتحقق بين المجتمع المدني والدولة ـ تجاه ما بدأ يطلق عليه اسم الاستبداد الشرقي.
ألا يمكن التفكير في الدولة والمجتمع في الواقع العربي الا من خلال علاقاتهما باشكاليات دول ومجتمعات أخري؟ أكيد أن المناخ الفكري الذي كان سائدا في اليسار العربي قد تأثر بتشكل المعسكر الاشتراكي لكن هذا التأثير لم يحدث الا في حدود، ما أهمية غرامشي، كذلك، في توجيه اهتمامات المفكرين والممارسين العرب؟ لا يمكن انكار أهمية غرامشي في المساعدة علي صياغة جديدة لاشكالية علاقة المجتمع بالدولة. الا أنه يظهر لي أن حركة المراجعة واعادة النظر يمكن تلمسها في أدبيات قوي اجتماعية بعيدا عن تأثير غرامشي. أليس هناك تجارب خاصة وتاريخ خاص أدت من الاعجاب بالدولة الي اكتشاف المجتمع، وفعلت علي مستوي الفكر والممارسة علي توجيه الاهتمام بالدولة أو المجتمع.
عوائق كانت في الماضي تحول دون قيام مجتمع مدني في بلدنا: ضعف حضوره من خلال المسألة الدستورية وتطورها دال جدا، سواء في مستوي الفعل القانوني والمؤسساتي بالنسبة الي مجال الدولة وفاعلية أجهزها أو في مستوي مختلف تحركات الفاعلين الاجتماعيين… تكمن العوائق في طبيعة المؤسسات القائمة حيث يظهر أن البني الاقتصادية/الاجتماعية تقاوم نشوء مجتمع مدني أشد مقاومة، كذلك الثقافة السياسية المنتشرة وهي بطبيعتها نخبوية محصورة في فئات ضيقة؛ النزعات التي تطبع سلوكات الأشخاص الفاعلين… يعزز ذلك نزوع الدولة لتملك المجتمع حيث تفرض نفسها كجواب وحيد علي مختلف تطلعات المجتمع المدني والراعي الحقيقي لطموحاته، الخ… مع ذلك أظهرت بعض المؤشرات امكانيات قيام فعلي لمجتمع مدني، منها مثلا: تحقق استقلال فعلي لبعض المنظمات الجماهيرية، التنوع والعمق الحالي للعمل الجمعوي، تنامي الاهتمام بمسألة حقوق الانسان… يجب الوقوف عند ظاهرة الاستقلالية التنظيمية تجاه الحكومات وتجاه الأحزاب. ويقف البعض علي حالة المغرب وعلي المسار المستقل الذي تكونت فيه المنظمة المغربية لحقوق الانسان، صحيح أن المنظمة المغربية تحركت في جو من الاستقلال النسبي عن الأحزاب مقارنة بجمعيات أخري الا أنه يجب الامتناع عن اعطاء هذه الاستقلالية مضمونا مضخما. فالأحزاب الوطنية كانت صاحبة المبادرة في نشأة المنظمة، وكذلك في الاتصال بـ المستقلين، والأحزاب هي التي حددت من هو مستقل عمن هو غير مستقل. فمن خلال هذه التجربة يمكن أن يلاحظ أن الاستقلال كان يحتمي بالأحزاب في ظروف المواجهة من أجل الدفاع والارتفاع بحقوق الانسان.
هل يجب استنتاج مما سبق أن الحزبي المنظم لا زال هو الفاعل الرئيسي في هذا المجال الذي نطلق عليه اسم المجتمع المدني؟ السؤال له أهمية.
في كثير من الأحيان كذلك تطرح اشكالية المجتمع المدني من خلال بعض الاشارات: القدرة علي التنظيم الذاتي، كثافة التأطير الجمعوي، قدرة مكونات المجتمع علي المبادرة، مجتمع يقوم بمهام الدولة، نشأة مجالات مستقلة عن الدولة، تأكيد قدرات المجتمع ضد الدولة… وقد يظهر أن مخاطر عدة تحيط بهذا الطرح: منها اعتبار المجتمع المدني جوهرا منفصلا عن الدولة، والــــدولة جوهرا منفصلا عن المجتمع… قد يؤدي الي تجاهل واقع أن مجتمعا مدنيا ذا مضمون فعلي لا يمكن أن يستمد أرضيته وقوته الا من دول صلبة وقوية. ان خطورة مجتمع أقوي من دولته لا تقل خطورة عن دولة أقوي من مجتمعها.
ان تعزيز المشاركة لا يكمن فقط في اضافة ثلاثة ملايين أو أكثر من الناخبين الجدد. اذا كان المقياس العددي مهما، فهو لا يكفي، ان عددا كبيرا من الأنظمة السلطوية اعتمدت في سيرها علي أصوات عشرات الملايين من المنتخبين الشكليين. ان المشاركة الفعلية تعتمد علي الكم ولكن كذلك وأساسا علي النوع: من خلال تكريس نظام الحريات، وأساليب تمثيلية حقيقية، ومكانة ودور أهم الهيئات التمثيلية، واكثار مؤسسات المراقبة… وهناك شيء مؤكد هو أن عادة التعبئة من القمة ـ وهي عادة عريقة في واقعنا السياسي ـ نقيض للمشاركة بمضمونها الديمقراطي… في التاريخ الحديث يبين أن سلوك الدولة متناقض ومتعدد الوجوه، لا ينفك يقول بالتفتح والتحديث والتقدم ولا يلبث أن يرجع الي أسلوب الاستبداد الشرقي المتخلف وهو كذلك انتقائي يأخذ بكل الثقافات الديمقراطية وغير الديمقراطية، وهو ترقيعي، وتكتيكي، براغماتي الي أقصي حد، يمكن أن ينفتح أو ينكمش في نفس المرحلة لا تضبطه سوي ضغوطات الأحداث الجارية… ان الدولة استعملت القانون كما شاءت وخرقته كما شاءت حسب المتطلبات الظرفية، وان منطق القانون المعمول به رسميا (أو بالتحديد المعلن عنه شكليا) شيء ومنطق تطبيقه شيء آخر… هذه الأدوار الآداتية/الوظيفية تدل علي مدي المسافات التي تفصل الدولة عن المجتمع… من خلال التاريخ القريب للعلاقات السياسية في المغرب، يمكن ايجاز ما يميز خطاب قوي التغيير تجاه القانون عبر أربعة مسالك:1 ـ انتقاد خطاب الدولة ـ النظام ـ السلطة في معركة تأويل القانون القائم2 ـ اعتبار القانون أداة محايدة أو التركيز علي تحريف السلطة له3 ـ تسجيل ايجابية العديد من جوانب القانون العام وفي نفس الوقت تسجيل مناورات السلطة لافراغه من محتوياته سواء عبر القوانين التطبيقية أو الممارسة (وهي عمليا تعيد صياغة القانون بشكل آخر…).4 ـ تركيز هذه القوي علي المشاكل المؤسساتية الكبري (من قبيل العلاقة بين المؤسسات الأساسية، الفصل بين السلط، مراقبة سير المؤسسات علي أعلي مستوي، الخ..). وتهميـــــش التفاصيل القانونية التي تشكل صلب الحياة اليومية للمجتمع المدني… اذا كان من الصعب التعامل مع المفهوم علي المستوي القطري فما الذي يمكن قوله في موضوع المجتمع المدني علي المستوي العربي؟ نحن هنا أمام حالة فريدة اذ نجد أنفسنا أمام سلسلتين من العناصر المتناقضة، من جهة أولي، اضافة الي المشاكل النظرية التي يطرحها العمق التاريخي، والبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، نصطدم كذلك بمسألة هشاشة الدولة القطرية… واذا كان تحديد طبيعة هذه العناصر يشكل اشكالية كبري مطروحة علي المستوي الداخلي، فان الطابع الاشكالي يزداد عندما يتعلق الأمر بالمستوي العربي العام… فغياب العنصر الأساسي الذي يتأكد من خلاله وتجاهه وعبره المجتمع المدني، عنصر أساسي: الأمر يتعلق بالدولة العربية.
من جهة ثانية، نلاحط حيوية ونشاط هذا النوع من الفاعلين الذي يمثله عدد من الجمعيات المدنية مثل اتحاد المحامين العرب و المنظمة العربية لحقوق الانسان الخ، ودورها الأساسي في ما يتعلق بنشر ثقافة وقيم مساندة لوجوه المجتمع المدني.
الا أنه رغم العناصر النوعية التي يتضمنها وجود وفعل مثل هذه المنظمات فالسؤال مطروح لمعرفة الي أي حد تتميز هذه المنظمات عما يسمي المنظمات غير الحكومية، دولية كانت أم اقليمية؟ ما الذي يفسر مثلا أن فاعلية منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية وغيرها، يؤثر في الدول العربية وفي رأيها العام وحكوماتها أكثر مما تؤثر فيه المنظمات العربية، رغم أن ما تبذله المنظمات الحقوقية العربية يتجاوز بكثير ما تفعله المنظمات العالمية من الطبيعة نفسها.
يرتكز الحديث أحيانا علي ضرورة بناء المجتمع المدني ويكمن اللبس في كل ما ينطوي عليه تعبير بناء من دلالات وخلفيات: هل من المشروع تشكيل المجتمع المدني كما لو أننا نتعامل مع برنامج عمل؟ ما هو دور الارادة في سيرورة تشـــــغيل المجتمع المدني؟ هل يمكن التخطيط له؟ هل يمكن أن يتم التعامل معه كموضوع لسياسة عامة معينة؟ هل أن سياسة من أجل خلق مجتمع مدني لها معني؟ أري أن مجال المجتمع المدني مجال فعل وتأثير البني، وعلي الأمد البعيد.
مفكر من المغرب8