هل يستطيع السيسي تحقيق الأمن الغذائي لمصر؟

حجم الخط
2

طرح الرئيس السيسي مشروعا وطنيا لاستصلاح مليون فدان كمرحلة أولى بهدف جذب السكان لإستيطان واستصلاح الأراضي الصحراوية واستغلال الموارد الطبيعية المتاحة في الصحراء في مجالات الإنتاج الزراعي والحيواني والتوسع العمراني وما يتبع ذلك من مشروعات وخدمات تشكل في مجموعها مجتمعات ريفية جديدة من 10 مناطق هي توشكى وآبار توشكى والفرافرة وامتداد الداخلة وعين دلة (غرب الفرافرة) وشرق العوينات وجنوب منخفض القطارة وشرق منخفض القطارة وغرب المنيا والمغرة (جنوب العلمين) وشرق سيوة. والهدف من هذا المشروع القومي استصلاح الأراضي الصحراوية وزراعتها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والشعير والذرة والمحاصيل الرئيسية والمحاصيل السكرية وبالتالي سد الفجوة الغذائية.
والسؤال الذي يطرح الآن: ما هي الأهداف الاقتصادية للمشروع الوطني لاستصلاح مليون فدان؟ وهل هناك جدوى اقتصادية لهذا المشروع؟ وكم تبلغ تكاليف الاستصلاح وما هي سياسات تسعير الأراضي، وما هي سياسة توطين السكان في الأراضي المستصلحة؟ وما هي سياسة توزيع الأراضي؟ وما هو الإطار التشريعي والتنظيمي المقترح لتنمية وتعمير الأراضي المستصلحة؟

الأهداف الاقتصادية

لمشروع إستصلاح مليون فدان

مع انخفاض نسبة الإكتفاء الذاتي من السلع الغذائية القمح (63٪) والذرة الشامية (62٪) والسكر (76٪) والزيوت (13٪) وقد أدى ذلك إلى زيادة اعتماد مصر على الواردات الغذائية ويهدف المشروع إلى تخفيض العجز في الميزان التجاري الزراعي من خلال زيادة الصادرات الزراعية التي تمثل 10٪ من الصادرات السلعية وتخفيض حجم الواردات الغذائية حيث يصل حجم العجز في الميزان التجاري الزراعي إلى حوالي 13 مليار جنيه يمثل 41٪ من إجمالي عجز الميزان التجاري المصري.
ويهدف هذا المشروع إلى استصلاح مليون فدان واستزراعها بمحاصيل متنوعة بديلة للواردات من المحاصيل الزيتية والسكرية والقمح والشعير والذرة الأمر الذي يساعد على تحسين نسبة الإكتفاء الذاتي من هذه المحاصيل بالإضافة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان من خلال إنشاء مشروعات إنتاج حيواني وإنشاء مجتمعات صناعية زراعية في الأراضي المستصلحة.
من أهم أهداف المشروع استصلاح الأراضي الصحراوية واستزراعها واستيطانها بغرض تخفيض الكثافة السكانية في الأراضي القديمة بالوادي والدلتا مع إنشاء مجتمعات للتصنيع الزراعي في الأراضي المستصلحة للاستفادة من الخامات الزراعية وخامات الإنتاج الحيواني وتوفير السكن المناسب لاستيطان الأراضي المستصلحة وتوفير الخدمات الاجتماعية اللازمة لاستيطان تلك الأراضي.
وقد حددت الحكومة المصرية مناطق الاستصلاح الجديدة بالإعتماد على المياه الجوفية ونظم الري المحوري والري بالتنقيط لاستصلاح 108 ألف فدان في توشكى و100 ألف فدان على ضفاف بحرية ناصر و200 ألف فدان في الفرافرة و50 ألف فدان في عين دلة (غرب الفرافرة) و50 ألف فدان في شرق العوينات و100 ألف فدان في جنوب منخفض القطارة و150 ألف فدان في شرق منخفض القطارة و150 ألف فدان غرب المنيا و100 ألف فدان في المغرة جنوب العلمين و30 ألف فدان في شرق سيوة. وتنمية الأراضي المستصلحة تعتمد على نماذج زراعية مقترحة يستخدم نظم الري المتطورة وإنشاء صوبات للخضر والفاكهة وتربية الأغنام والماعز والأبقار والجاموس ومزارع للدواجن ومزارع سمكية لإنتاج 40 طن لكل فدان باستغلال المياه الجوفية بالإضافة إلى تصنيع الأعلاف والزيوت والسكر ومنتجات اللحوم والألبان.

تكلفة الإستصلاح

وسياسات تسعير الأراضي

السؤال المطروح: ما هي تكلفة استصلاح مليون فدان وما هي تكلفة البنية الأساسية القومية من شبكات الري والصرف والكهرباء والطرق وتكلفة توطين السكان وإنشاء المدن الجديدة والقرى النموذجية في كل منطقة من المناطق العشر؟ وتصل تكلفة البنية الأساسية القومية إلى حوالي 12 ألف جنيه لكل فدان وبذلك تصل التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 12 مليار جنيه تتحملها الخزانة العامة للدولة أو من خلال «صندوق تحيا مصر» الذي أسسه الرئيس السيسي.
في حين تقدر تكلفة البنية الأساسية الداخلية لكل مزرعة إلى حوالي 10 آلاف جنيه لكل فدان تستخدم في شبكة الطرق الفرعية وشبكة الكهرباء وشبكة المياه والصرف وتكلفة استزراع الأراضي لذلك ينبغي تحديد سياسة تسعير الأراضي على أساس التكلفة الفعلية التي تتحملها شركات الإستصلاح وهي عشرة آلاف جنيه للفدان يتم سدادها بالتقسيط لصغار المنتفعين وشباب الخريجين وتخصيص 50٪ على الأقل لهذه الفئة وتخصيص 50٪ على الأكثر لشركات الاستثمار الزراعي.

سياسة توطين السكان

في الأراضي المستصلحة

يلعب موقع الأراضي المستهدف استصلاحها ومدى قربه أو بعده من مناطق العمران دوراً كبيراً في نجاح عملية التوطين الزراعي ويعتبر موقع تلك الأراضي أهم عناصر جذب أو طرد السكان لاستيطان تلك الأراضي وزراعتها وتنميتها. لذلك ينبغي أن تكون النظرة الاستراتيجية لهذا المشروع هي الخروج من الوادي والدلتا لاستصلاح الأراضي الصحراوية وتنويع الأنشطة الإنتاجية بهذه الأراضي من نشاط زراعي وإنتاج حيواني ومزارع سمكية وتصنيع زراعي بهدف خلق مجتمعات ريفية جديدة وتوفير الخدمات الاجتماعية لسكان هذه المجتمعات.
ويعتبر إعداد قاعدة اقتصادية للمناطق المستهدف استصلاحها هو الضمان الوحيد لنجاح عملية توطين السكان فلابد من توفير الأراضي الصالحة للزراعة وتوفير المياه الجوفية وحفر الآبار العميقة، ولا يمكن تحقيق التنمية في الأراضي المستصلحة بدون توفير قاعدة بشرية مستقرة ومنح السكان حوافز لاستيطان تلك الأراضي ويتطلب ذلك إنشاء مراكز إدارية جديدة في كل منطقة على أن يتكون المركز من مدينة عاصمة للمركز وقرى نموذجيه تابعة للمركز بحيث يتوفر للسكان الذين استوطنوا تلك الأراضي سكن ملائم وهو أهم عوامل جذب السكان لاستيطان تلك الأراضي.

سياسة توزيع الأراضي

في ظل التجارب التاريخية لاستصلاح الأراضي كانت لدينا تجربتان، الأولى تجربة «مديرية التحرير» في عهد عبد الناصر حيث تم توزيع الأراضي على صغار المنتفعين وشباب الخريجين خمسة فدادين لكل مستفيد وسكن ملائم في قرى نموذجية وسداد تكلفة الأراضي بالتقسيط خلال عشر سنوات. أما الثانية فهي تجربة توشكى حيث تم توزيع الأراضي على شركات استثمارية لإنشاء البنية الأساسية الداخلية وتخفيف الأعباء الاستثمارية على الدولة وقد فشلت تلك التجربة ولم تنجح الشركات في توطين السكان وقامت بزراعة 10٪ فقط من الأراضي المخصصة لها، رغم تحمل الدولة تكلفة البنية الأساسية القومية.
لذلك يجب تحديد سياسة توزيع الأراضي في مناطق الاستصلاح والعدول عن سياسة توزيع الأراضي على الشركات الأجنبية ونقترح انتهاج سياسة جديدة لتخصيص الأراضي بحيث يتم تخصيص نسبة 50٪ على الأكثر لشركات الاستثمار الزراعي الوطنية مثل (شركة جنوب الوادي) في توشكى وتخصيص نسبة 50٪ على الأقل لصغار المنتفعين وشباب الخريجين على أن يتم سداد قيمة الأراضي على 10 أقساط سنوية مع إنشاء شركة تنمية لكل منطقة من مناطق الاستصلاح تقوم بالتعاقد مع المنتفعين على إنتاج محاصيل محددة وتقديم خدمات الإرشاد الزراعي ومستلزمات الإنتاج الزراعي وإنشاء مجمعات تصنيع زراعي للاستفادة من الخامات الزراعية.

الإطار التشريعي والتنظيمي

لإدارة الأراضي المستصلحة

ان أهم المشاكل المرتبطة بتنمية الأراضي المستصلحة تتعلق بالإطار التشريعي الذي ينظم عملية استصلاح الأراضي الصحراوية وإنشاء البنية الأساسية القومية وتحــديد دور كـــل من وزارة الري في توفير شبكة المياه والصرف ودور وزارة الكهرباء في توفير الكهرباء ودور وزارة الزراعة في حصر وتصنيف الأراضي وتحديد التركيب المحصولي الأمثل في كل منطقة لذلك ينبغي إصدار تشريع موحد لتنظيم عملية استصلاح الأراضي الصحراوية واستزراعها واستيطانها وتنميتها. وأهم المشاكل المرتبطة بتنمية الأراضي المستصلحة تتعلق بالإطار التنظيمي لإدارة تلك الأراضي وتنميتها وتعميرها ويتطلب ذلك إنشاء كيان إداري مستقل يتولى إعداد المخطط العام لتنمية وتعمير الأراضي المستصلحة من خلال إنشاء البنية الأساسية لكل منطقة من مناطق الاستصلاح وإدارة جميع عمليات التنمية والتعمير للأراضي المستصلحة في جميع المجالات من أنشطة زراعية وإنتاج حيواني وتصنيع زراعي وإنشاء مجتمعات ريفية جديدة في كل منطقة تشمل مدينة رئيسية للتصنيع الزراعي وتوفير الخدمات الاجتماعية للسكان وإنشاء قرى نموذجية يتم توزيعها على النطاق الجغرافي لكل منطقة استصلاح.
ونقترح إصدار تشريع للمجتمعات الريفية الجديدة وإنشاء هيئة للمجتمعات الريفية الجديدة باعتبارها جهاز الدولة المسؤول عن تنمية الأراضي المستصلحة واستزراعها واستيطانها وتنميتها وتعميرها مع إنشاء جهاز تنمية وتعمير كل منطقة من مناطق الاستصلاح والاستفادة من تجربة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ونجاحها في إنشاء مدن جديد ة ومناطق صناعية.
٭ استاذ الاقتصاد – جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

د. مصطفى النشرتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية