لندن – «القدس العربي»: حلمت بالفستان الأبيض، شاهدت طرحته في الأفلام والصور وأعراس الأقارب. كان المشهد مدهشا، أشبه بدميةٍ جميلة لا تشبه ألعابها. هبة (إسم مستعار) ابنة الإثنى عشر ربيعا، رأت حلمها مجسداً في دمية «الباربي» على واجهة أحد المحال التجارية في صنعاء، لم تستطع شراء حلمها لتلعب معه، فصارت هي الحلم والدمية في ليلة وضحاها. ولكن هبة، التي زوجها والدها لقاء مبلغ متواضع، لاحظت إختلافاً كبيراً في ليلة الإحتفال عن الحلم. الفستان مختلف بعض الشيء، هو ليس بجمال ذوقها لو إختارت، ولكن اللون الأبيض حاضر فيه وبقوة، ملامح الوجه البريئة غطتها مساحيق التجميل، أخضر وأحمر وزهري ألوان أقلام تلوينها المفضلة. وهناك، على الجهة المقابلة منها ينتظر رجل أربعيني قيل لها أنه زوجها. تقترب هبة ومع إقترابها من شريكها يعلو صوت الطبل والزمر ويدغدغها الحلم أكثر. لكن هذا الشعور سرعان ما تحول إلى كابوس بعد وصول هبة إلى بيتها الجديد مع زوجها. اللعبة إنتهت بالنسبة لهبة، ولكن، مع الأسف، ليست هي من يقرر منذ اللحظة.
هبة ليست الطفلة الأولى ولا الأخيرة التي تغادر طفولتها لتكون إمرأة ثم أماً. فعلى الرغم من إطلاق حملات التوعية على يد الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، ما زال الزواج القسري وختان الإناث يمارس في العديد من دول العالم تارة بسبب التقاليد والموروث الثقافي وأخرى بإسم الدين. وإذا كان الجهل يقف بقوة خلف استمرار الظاهرتين فإنه يتداخل مع المعتقدات الدينية والعادات المتأصلة في نفوس المواطنين، وهي مسائل تصعب مواجهتها في مجتمع يتحكم الدين في ممارساته بشكل قوي جدا.
هناك 23 مليون فتاة تزوجن قبل بلوغ سن 15 عاما وفقاً لتقديرات اليونسيف، إضافة إلى مليون طفلة يمُتن سنوياً بسبب الإغتصاب والزواج المبكر، بحسب نتائج المؤتمر الدولي للإتجار بالبشر (فيينا / شباط/فبراير 2014). ويقول المركز الدولي للأبحاث الخاصة بالمرأة ان ثلث نساء العالم يتزوجن قبل بلوغ سن 18 عاما وتسود هذه العادة في جنوب آسيا. ويقول المركز ان الحمل هو السبب الأول للوفاة بين من تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاما. وتقول الأمم المتحدة إنّ واحدة من كل تسع فتيات يتم تزويجها وهي لم تبلغ الخامسة عشرة وأنه في غضون عام 2020 فان 142 مليون طفلة-أي واحدة من كل ثلاث فتيات في الدول النامية- سيتم تزويجها قبل سن الثامنة عشرة. ومثال ذلك أنّ 60 في المئة منهن في أفغانستان ويتم تزويجهن قبل أن يبلغن 16 سنة من العمر وفي النيجر فإنّ نحو ثلاثة أرباع الفتيات يتزوجن قبل الـ 18 عاما من العمر.
جدل فقهي وإستغلال جنسي
الإسلام لم يحدد سنا معينة للزواج لا في القرآن ولا في السنة، بل جاءت الأحاديث تؤكد جواز هذا الفعل. ولكن في تعريف الزواج المبكر في الإسلام تركيز على سلامة جسم المرأة وعقلها. الدين الإسلامي نبّه الى ضرورة مراعاة عوامل السلامة من العيوب الجسمية والعقلية للزوجين. وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، و»الباءة» هنا هي القدرة البدنية والمادية. أما المعنى الحقيقي لزواج القاصرات من الناحية الطبية والعلمية فهو الزواج قبل البلوغ. وبما أن الشرع الإسلامي لم يحدد سناً معينة للزواج، تم إستغلال الدين في تبرير زواج القاصرات. ويشهد زواج القاصرات جدلًا فقهيًا ما بين مؤيد ومعارض لتحديد سن أدنى للزواج. فهناك من يعتبر أنه لا بد أن تكون الفتاة بالغة راشدة عند الزواج، وهناك من يدعم هذه الظاهرة بحجة زواج الرسول من عائشة وهي في التاسعة من عمرها (وهو عمر غير متفق عليه). وقال الدكتور الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر أن الزواج من فتاة قاصر لا يبني أسرة كريمة، خاصة إذا كانت هذه القاصر جاهلة ولم تستكمل تعليمها، كما أنها لا تستطيع فهم أبعاد مثل هذا الزواج وفهم الهدف منه، وسوف تكون لعبة بيد من يتزوجها، وأضاف أن الفتاة القاصر في مثل هذا العمر غير مهيأة لا نفسيًا ولا جسميًا ولا فسيولوجيًا ولا عقليًا ولا ثقافيًا، وأنها تتحمل عبئًا لا قدرة لها عليه.
عرائس الموت في اليمن: من الفستان
الأبيض إلى العباءة السوداء
يشكل موضوع تزويج القاصرات الذي تطلق عليه الصحافة اليمنية إسم «عرائس الموت» ظاهرة اجتماعية متفاقمة في مجتمع قبلي. إذ تشير الإحصائيات إلى 8 حالات وفاة بينهن بسبب الحمل المبكر والولادة في ظروف تفتقر في الكثير من الأحيان إلى المعايير الصحية الأساسية. ونقلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بيانات للأمم المتحدة والحكومة جاء فيها ان نحو 14 في المئة من الفتيات اليمنيات يتزوجن في سن أقل من 15 عاما وان 52 في المئة يتزوجن وعمرهن 18 عاما. وأضافت المنظمة ان عددا كبيرا من الفتيات اليمنيات يحرمن من الذهاب الى المدارس فور بلوغهن. وغالبا ما تجبر الفتيات على الزواج فور البلوغ، ويكون ذلك في بعض الحالات مع رجال يكبرونهن سنا بفارق كبير مثل الطفلة سعدة التي زوجها والدها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها، فعادت الى بيت أهلها مصطحبة معها فقرها المدقع وطفلين إضافة الى أحلامها بالعودة الى المدرسة. ووالد سعدة الذي عجز عن إعالة عائلته، زوجها قبل خمس سنوات لتخليصها من فقر العائلة، ولتخليص العائلة من أعباء فرد إضافي. الا ان زوجها سرعان ما بدأ يجبرها على التسول في شوارع صنعاء مع طفليها، الى ان هربت منه وعادت الى أسرتها.
وفي العام الماضي أشارت تقارير الى وفاة فتاة تدعى روان في الثامنة من عمرها نتيجة لتعرضها لنزيف حاد بعد تزويجها من رجل في الأربعين من عمره، في أحدى المناطق النائية في شمال اليمن. ونفت السلطات بعد ذلك هذه الأنباء وقدمت الى الصحافة طفلة قالت انها روان وانها لم تتزوج قط. وفي العام نفسه استطاعت الطفلة اليمنية ندى الأهدل التي لم تتجاوز الـ11 ربيعاً كسر حاجز الخوف ونجحت في جذب أنظار العالم لقصتها التي روتها عبر فيديو نشرته على موقع التواصل الإجتماعي «يوتيوب» وناشدت فيه العالم لإنقاذها بعد محاولات أهلها إجبارها على الزواج من ثري يمني مقيم في السعودية يكبرها بـ 25 عاما، قبل أن تتمكن من الهرب إلى منزل عمها.
وفي نيسان/ابريل 2010، توفيت الهام العشي في عمر 13 سنة بسبب إغتصابها من قبل زوجها بعد خمسة أيام من تزويجها، كما توفيت فتاة في الثانية عشرة في ايلول/سبتمبر من السنة نفسها أثناء إنجابها طفلا توفي بدوره. وغالبا ما تخشى الفتيات مواجهة قرار العائلة أو الحديث عما يتعرضن له من تجاوزات في مجتمع يعتبر ان تحدي ارادة الأهل في موضوع الزواج يجلب العار.
وقبل توحيد اليمن في 1990، كان القانون ينص على منع زواج الفتيات دون الـ15 عاما في الشمال، ودون الـ16 عاما في الجنوب، الا انه بعد الوحدة لم يعد هناك نص بهذا الخصوص. وغالبا ما تعاني القاصرات المزوجات من العنف من قبل الزوج الذي «يضرب ويستغل زوجته ويحرمها من الأكل ويجبرها على ممارسة الجنس» وذلك بحسب احمد القرشي الذي يدير جمعية «سياج» اليمنية المتخصصة في حماية الطفولة.
سوريات يُعرضن
للبيع بعد أن يصبحن لاجئات
قالت منظمات دولية تعنى بحقوق الطفل ان زواج الأطفال قد تضاعف بين اللاجئات السوريات في الأردن مؤخرا عما كان عليه في بدايات الأزمة السورية بسبب الفقر ومخاوف من العنف الجنسي.
وكشفت منظمة «أنقذوا الأطفال» الحقوقية البريطانية في تقرير بعنوان «صغار جدا على الزواج» ان «الزواج المبكر والقسري بين الفتيات في مجتمعات اللاجئين السوريين في الأردن قد تضاعف منذ إندلاع الحرب». وأوضحت ان حالات الزواج المبكر قبل اندلاع الأزمة عام 2011 كانت تشكل 13٪ من مجموع الزيجات، لكنها «أصبحت حوالي الضعف بين صفوف الفتيات اللواتي لجأن إلى الأردن».
واضافت ان»حوالي نصف هؤلاء الفتيات (48٪) قد تم إجبارهن على الزواج من رجال يكبرونهن سنا بعشر سنوات على الأقل».
وأشارت المنظمة الى تقرير نشرته «اليونيسيف» لاحظ ان «ربع زيجات اللاجئين المسجلة في الأردن هي لفتيات دون الثامنة عشرة من عمرهن». أما في لبنان، فيقول رئيس محكمة جبل لبنان القاضي محمد هاني الجوزو إن «زواج لبنانيين من سوريات تضاعف عدة مرات منذ إندلاع الأزمة السورية مارس/ آذار 2011، وربعهن من القاصرات» مشيرا في الوقت نفسه إلى صعوبة إحصاء عدد حالات زواج اللبناييين من سوريات.
قمة بريطانية بحضور رؤساء دول …
ونظمت الخارجية البريطانية في 22 تموز/يوليو قمة لمناهضة الزواج المبكر وختان الإناث وشارك فيها 700 قيادي بينهم رؤوساء دول، وناجون، ونشطاء المجتمع المدني، وكذلك الأمم المتحدة، والقطاع الخاص.
وعرضت القمة أفضل التجارب في مواجهة وعلاج قضية ختان الإناث وزواج الأطفال، حيث كانت تهدف إلى ضمان الحصول على التزامات جديدة من القطاع الخاص، ورجال الدين، ومنظمات المجتمع المدني والحكومات. وخلال تصريحات إعلامية قالت فرح دخل الله المتحدثة باسم الخارجية البريطانية إن «الفتيات والنساء المتضررات من جراء الزواج المبكر وختان الإناث من بين أكثر الفئات ضعفا في العالم» .
وأضافت :»إنهاء الزواج المبكر وختان الإناث يحافظ على طفولة الفتاة، ويعزز تعليمها، ويقلل من تعرضها للعنف وسوء المعاملة، ويسمح لها بتحديد خياراتها المستقبلية، كيما تتمكن من إظهار إمكانياتها وقدراتها في الحياة، الكثير من عمل وزارة الخارجية في مجال حماية وتعزيز حقوق المرأة قائم على دعم الفتيات لكي يصبحن نساء متمكنات في مجتمعاتهن».
وأفادت بأن «الحكومة البريطانية تدعم برنامجا بقيمة 35 مليون جنيه استرليني يهدف للحد من ختان الإناث بنسبة 30 في المئة في 10 دول على مدى السنوات الخمس المقبلة».
قانون بريطاني : السجن 7 سنوات …
عقوبة الإجبار على الزواج المبكر
وفي السياق نفسه، قالت الخارجية البريطانية في تقرير إن قانونا جديدا دخل حيز التنفيذ في انكلترا الشهر الماضي، يعتبر الإجبار على الزواج جريمة جنائية، كما ينطبق على الرعايا البريطانيين في الخارج، وبموجب القانون فإن الآباء الذين يجبرون بناتهم على الزواج يواجهون عقوبة جنائية قد تصل الى السجن 7 سنوات.
وذكر التقرير الذي ينشره موقع وزارة الخارجية البريطانية بالعربية نهاية الاسبوع الجاري أن «وحدة الزواج القسري» التي شكلتها كل من وزارتي الخارجية والداخلية تواصل عملها داخل وخارج بريطانيا لدعم ومساعدة الفتيات اللواتي يواجهن الزواج القسري، وقدمت هذه الوحدة الإستشارات والدعم لـ 1302 حالة.
ويشير التقرير الى أن مجلس مسلمي بريطانيا أعلن أيضا أن ختان الإناث ممارسة غير إسلامية وهي ضد تعاليم الإسلام، كما انه يعرّض صحة الفتيات والنساء للخطر، وقد أصدر المجلس نشرة تؤكد موقفه هذا وتُقدّم معلومات للقراء حول الآثار القانونية التي تترتب على الذين يقومون بهذه الممارسة في بريطانيا.
وقال المجلس إنه سيوزع النشرة على نطاق واسع في المساجد، ومراكز الجاليات، كما وضعها على شبكة الإنترنت. وأضاف أن أكثر من 125 مليون فتاة وامرأة على قيد الحياة اليوم عانين من ختان الإناث في 29 بلدا من إفريقيا والشرق الأوسط، حيث يتركز الختان، وفق تقرير لليونيسيف في تموز/ يوليو 2013. وتعاني 66 ألف امرأة في بريطانيا وويلز من آثاره.
إضافة إلى ذلك، حصلت تطورات إيجابية بهذا الخصوص في البلدان النامية، وسوف تساعد قمة حماية الفتيات في لندن في دفعها قدما.
فعلى سبيل المثال، في عام 2012 قادت المجموعة الإفريقية مفاوضات حول قرار يدعو إلى حظر عالمي لختان الإناث وتم اعتماده من قبل الأمم المتحدة في كانون أول/ديسمبر 2012، وفي أواخر العام الماضي التزمت 20 دولة من شرق وجنوب إفريقيا بالقضاء على زواج الأطفال بحلول عام 2020، وفي أيار/مايو من هذا العام أعلن الاتحاد الإفريقي حملة لمدة عامين لإنهاء هذه الممارسات.
ريما شري ومحمد محسن