حين يُخذل المسرح المغربي يعوضه الفلسطيني في هانوفر

إدريس الجاي
حجم الخط
0

كانت أمسية غضب متلبس بخيبة كبيرة أصابت جمهور العرض المسرحي المغربي «صولو» لفرقة أكون للثقافة والفنون المغربية، مثلما أصابت المنظمين لهذا العرض. هذا العمل، الذي قُرر له، أن لا يدخل يوميات المركز بافيون للثقافة والتواصل في مدينة هانوفر. فعلى الرغم من المراسلات والمكالمات الهاتفية بين المسؤول عن النشاط المسرحي في مركز بافيون والسفارة الألمانية في الرباط ، لم يمنح طاقم العرض المسرحي تأشيرة الوقوف فوق الخشبة الألمانية: «إنها صفعة مجحفة في وجه السعي الدائب لإقامة جسور من التواصل والحوار الثقافي بين الشعوب»، يقول عبد الفتاح ديوري، المسؤول عن القسم المسرحي في مركز بافيون غاضبا من قرار عدم منح طاقم مسرحية «صولو» التأشيرة وحرمان جمهور المركز الثقافي من تجربة مغربية وعربية، اشتغل من خلالها المخرج محمد الحر وطاقمه المسرحي على تطويع النص الروائي «ليلة القدر» للكاتب المغربي الطاهر بنجلون، حتى يصبح مسرحية جريئة تواجه عقدة الذكورية وهيمنتها في المجتمع.

صولو

فوفقا لهذا المفهوم السائد، فوقية الذكورة، الضاربة بجذورها في غياهب الذاكرة الاجتماعية، فقد تأصلت من خلالها ثوابت صلبة وجودية تسدل ظلالها على كل ما هو حاضر ومستقبلي: «الأب ، الذي لا يلد الذكور ليس رجلا.» فاستنادا إلى هذا المعتقد الراسخ عبر أجيال، يطلق أب سلطوي على ابنته السابعة والأخيرة في سلسلة إنجابه، اسم (احمد)، ويقنع نفسه بأنها ذكر، فيلبسها لباس الذكور ويمنعها من اللعب بالدمى، وكل ما له علاقة بالأنثى. غير أنه في الساعات الأخيرة من احتضاره، يعترف بكذبته المُرة، التي عاشها طوال حياته اسمها الذكورية، ويعرف أنه لا يمكنه القفز عن واقع طبيعي إنساني. لقد نهج المخرج محمد الحر في هذا العمل، الذي حصل على الجائزة الكبرى للدورة العاشرة لمهرجان المسرح العربي لسنة 2017 في تونس (جائزة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي)، أسلوب الاختزال التعبيري والسينوغرافي، أعطت بشكل دقيق وفني النص الروائي مسحة سردية مسرحية جمالية، عملت على تقديم التحولات والطفرات الزمانية والمكانية على أنها أحداث سيرورة متوالدة، كما عمل على إعطاء الممثل مكانة الصدارة في المشهد المسرحي من أجل نقل الخطاب الأدبي بأدوات تعبيرية شبه عفوية. فالمرتكز المسرحي في العمل هو الإطار الروائي في تقديم شخوصها بدون رتوشات، تتحول فيه زهرة ـ أحمد، إلى شاهدة على رحلة حياتها بين السجن الذاتي والمجتمعي والتوق إلى الانعتاق من الكابوس والانتحال، إنها شهادة امرأة عاشت ذكرا اسمه أحمد، وبموت أبيها انسلخت من قميص أحمد إلى فستان زهرة، لكن هذا الانسلاخ لم يكن بدون ثمن، بدون معاناة تواجهه وسط منظومة السلطة الذكورية في المجتمع. فخلع ملابس الذكر لا يعني غير خلع ما هو عرفي خارجي، لكن تعامل هذا الذكر معها كانثى، والذي انسلخت عنه قبل، يختزل قيمتها الأنثوية في الجسد. وهنا يطرح سؤال ما هي المرأة، أهي جسد وروح، هل هذا الجسد عورة أم هو إنساني؟

المرتكز المسرحي في العمل هو الإطار الروائي في تقديم شخوصها بدون رتوشات، تتحول فيه زهرة ـ أحمد، إلى شاهدة على رحلة حياتها بين السجن الذاتي والمجتمعي والتوق إلى الانعتاق من الكابوس والانتحال.

الوطن سرا وعلانية

كان هذا العمل سيتم عرضه بتنسيق مشترك بين الهيئة العربية للمسرح وقسم العروض المسرحية في المركز الثقافي للحوار والتوصل «بافيون» في مدينة هانوفر الألمانية يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت. غير أن هذه الخيبة ــ عدم تقديم عرض صولو ــ كان لها تعويض في اليوم التالي، من خلال العمل المسرحي «سأموت في المنفى»، سفر مسرحي بين العواصم والأماكن الملغومة بالسؤال عن الهوية. حمل فيه الفنان الفلسطيني غنام غنام جمهوره الحاضر معه إلى السياحة في أسلوب فني يتداخل فيه ما هي حكائي بما هو مسرحي، وبشكل مباشر، بدون خطوط حمر، منطقي الدلالة وعميق التأثير في الوجدان ثم نسج أمام هذا الجمهور خريطة الوطن والمنفى. إن غنام يذكرنا بالأسواق والساحات العمومية حيث يصول فيها الرواة والحكواتيون ويجولون ناسجين من خيال مشاهديهم، الذين يتلقفون كلماتهم كوحي منزل، مشدوهين في صمت وكأن على رؤوسهم الطير. كان الكرسي «الصولو» هو أداته الوحيدة في رسم صور مفعمة بالحيوية وأخرى بالمرارة، صور للمطارات، المعابر، نقط التفتيش، جلسات الأحبة ، الحلم بالأرض بالعودة ، فهذا الكرسي هو الحقيبة هو الاستراحة هو الكتب الممنوعة هو القبر في النهاية. إنها أول مرة يقف فيها غنام غنام أمام جمهور خارج البلاد العربية، يحكي له رفقة الترجمة الفورية، عن سأموت في المنفى، عن أحداث سجلتها وثائق تاريخية منذ 1920 مرورا بأحداث 1948 ليصل بجمهوره إلى الزمن الحاضر. فكما يحمل على كتفيه كرسيه، يحمل في الوقت نفسه هم قضية شعب، كفاحه ونضاله المتواصل، أصبح اسمه منوطا بالمقاومة الدائمة. إنه سيموت في المنفى لكنه يحمل هذا الوطن معه داخل وخارج كل منفى، لأن الوطن لا يموت في المنفى.

إشعاع آخر

كان للحضور المسرحي الفلسطيني إشعاع آخر في مدينة هانوفر، هذه المرة فوق خشبة بلهوف (فناء الكرة) للشباب مع مسرح عناد من محافظة بيت لحم، حيث خاض المخرج خالد ماسو ومدير المسرح في إطار اهتمامات هذا المسرح الذي أسس سنة 1987 حيث من أبرز اهتماماته مسرح الطفل، وعرض إنتاجاته في كافة محافظات الوطن الفلسطيني، من أجل نشر الوعي المسرحي بين الجيل الجديد وترسيخ حقوق الأطفال والمفاهيم الإنسانية، خاض تجربة جد جريئة إخراج العمل المسرحي «فتاة عود الكبريت الصغيرة»، مع الأطفال ذوي الحاجات الخاصة. عن خرافة الكاتب والشاعر الدنماركي هانز كريستيان أندرسن، التي تتحدث عن حقوق الطفل الاجتماعية والسياسية، فقد أعطاها العرض بعدا سياسيا، مع إضافة عناصر شرقية للحكاية في إطار محافظته على الأجواء الخرافية. إن هذه التجربة المسرحية مع هؤلاء الممثلين ذوي الحاجات الخاصة، التي تم استدعاؤها إلى هانوفر من قبل مسرح بلهوف في إطار برنامجه (المسرح والإدماج في المجتمع)، وبدعم من عدة مؤسسات ثقافية واجتماعية ودينية لها علاقة بالعمل المسرحي، هي في حد ذاتها مغامرة فنية ذات قيمة إنسانية عالية في دائرة كل التوقعات، التي يمكن أن تنعطف بالعمل خلال العرض المسرحي.
إن الإقدام على هذه التجربة عمل يستحق الوقوف له بكل إجلال، لما يحمله من البعد الإنساني، الذي يعمل على عدم إقصاء شريحة إنسانية حاضرة في تزايد في كل المجتمعات البشرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية