تحدثت في المقال السابق عن الرواية التاريخية، وكيف صارت ملاذا يبتعد بالكاتب والقارئ عما حوله من خراب. واليوم أتحدث عن الرواية العجائبية أو الغرائبية، أو رواية الواقعية السحرية، أو ما تشاء من اصطلاحات انفجرت بعد أن وصلت إلينا روايات كاتب مثل غابرييل غارثيا ماركيز في الثمانينيات.
لقد اكتشفنا كهفا مسحورا عند كثير من كتاب أمريكا اللاتينية. وأذكر في ذلك الوقت أنني كنت انتهيت من كتابة رواية لي عنوانها «المسافات»، كانت رواية حافلة بالأساطير والغرائب التي جاءت من أثر مكان الرواية قبل أي شيء آخر. ما إن نشرتها عام 1982 حتى توقعت أن يقال إن بها تأثرا بالرواية السحرية اللاتينية، ولم أكن قرأت ماركيز أو غيره ممن لاذوا بهذا الشكل من المعاصرين، ولم تكن الترجمة من الإسبانية أو البرتغالية كما هي الآن. كنت باختصار قد خرجت من العمل السياسي، حيث كنت مثل كثيرين غيري منتمين ذلك الوقت لأحد الأحزاب الماركسية السرية في السبعينيات في مصر. كنت أشعر بأن السياسة عبء كبير على الكتابة فهي تجعلني متفائلا ولا شيء يدعو للتفاؤل وتجعلني استسلم للشعارات والكلمات المباشرة المعنى، حتى أنني مزقت كثيرا من القصص القصيرة التي كتبتها ولم أنشرها. ويوم خروجي من العمل السري هذا جلست في غرفتي وتركت نفسي للخيال. كان ذلك عام 1977. أحسست بسعادة وفرح، كيف كنت مستسلما للأفكار الأيديولوجية حقا. انطلقت أكتب سعيدا لثلاث سنوات قطعتها سنة من العمل في المملكة العربية السعودية. وجدت في هذا العالم الساحر ملاذا، والأهم أنني وجدت فيه طاقة كبيرة على التجديد في شكل ولغة الكتابة. وهذا أحد أسرار الرواية السحرية. كتبت مرة أن الكتّاب الذين لجأوا إلى ذلك في أمريكا اللاتينية أو غيرها فعلوا ذلك لكسر الجمود الذي تفرضه عليهم الأنظمة الطاغية. عادوا إلى كهف الأساطير يبدعونها هم ومن ثم فتحت الرواية السحرية بابا كبيرا للتغيير في الشكل الأدبي للرواية. إذن فهذا النوع من الكتابة هو ممارسة للحرية المفتقدة في الحياة. أصبحت الغرائبية نهرا ينهل منه كثير جدا من الكتاب.
إقبال القارئ على الغرائب قديم منذ الأساطير اليونانية وقصص الخلق وملاحم مثل جلجامش وقصص الأنبياء في التوراة. ماركيز نفسه وغيره من كتاب أمريكا اللاتينية قالوا بأثر ألف ليلة وليلة عليهم.
وأصبح إقبال القارئ عليها كبيرا جدا أيضا. إقبال القارئ على الغرائب قديم منذ الأساطير اليونانية وقصص الخلق وملاحم مثل جلجامش وقصص الأنبياء في التوراة. ماركيز نفسه وغيره من كتاب أمريكا اللاتينية قالوا بأثر ألف ليلة وليلة عليهم. ولا أقول هذا الكلام لأثبت أن لنا السبق. المهم أن لدينا ما يتصور البعض أننا نعرفه من الخارج. مسألة السبق هذه أكاديمية وأرى فيها الجانب التفاؤلي أننا يمكن أن نفعلها، أكثر مما أرى من فخر. إذن هي مسألة لا يقف عندها المبدع الذي وهو يكتب يمتلك العالم. يقف عندها الدارس. أعطتني هذه الروح وأعطت كل من غمرته ببهجتها قدرة على التشكيل والصورة السينمائية أيضا والابتداع فيهما. صارت ملمحا كبيرا وأساسيا في الكتابة وصارت ملاذا يتسع لكل الآلام والأفراح إذا وُجدت ـ أعني الأفراح – والأهم أعطت فن الرواية دفقة كبيرة في تطور أشكاله. صارت القضايا الإنسانية الكبرى مثل الموت والخلود والقضاء والقدر وغير ذلك مما يختفي وراء الأحداث العادية في يد الكاتب. لقد مرّ فن الرواية بمدارس عديدة. بعضها جعل للموضوع الحضور الأول وبعضها جعل للشكل وبعضها جعل للغة وبعضها جعل للمكان أو الزمان، لكن الواقعية السحرية شملت هذا كله وجعلت للحرية والخيال المكان الأول. والخيال وجد له مكانا كبيرا من قبل في روايات الخيال العلمي، وفي روايات الرعب، لكنه يقف فيها عند المتعة أو التنبؤ الذي ندركه في ما بعد كما هو في بعض روايات الخيال العلمي القديمة، التي تحدثت عن الفضاء وغزو الفضاء، لكن هل يقف الخيال عند نوع واحد من الكتابة؟ هل كانت الملاحم القديمة إلا خيالا؟ وهكذا حين فتحت له الرواية أبوابها الواسعة لم تبتعد عن بعض العلامات الفارقة في تاريخها، مثل دون كيخوتة مثلا لكنه صارالعلامة الأكبر والأكثر شيوعا بين الكتاب. عالمنا العربي المعاصر يعطي الكاتب الراحة في هذا، بل يقدم إليه للأسف ما يفوق خياله أحيانا.
أسوا أنواع الكتابة هي المرشدة للصواب والخطأ وأجملها هي المتجاوزة للمفردات اليومية، المخترقة لطموح الأرواح لما وراء العالم قبيحا أو سعيدا!
من منا كان يتصور ما يحدث حولنا من هدم أمم عريقة مثل سوريا والعراق واليمن! ورغم ذلك، أعني رغم أن ما حولنا فاق كل خيال يظل للخيال الأدبي جماله ومتعته فهو يضع أشواق الإنسان الكبرى بين يدي القارئ بدون سقوط في إدانات مباشرة أو انحيازات. فضلا عن أنه يفتح باب الجرأة في كسر التابوهات، جنسا أو دينا أو سياسة. والحمد لله مازال لدينا من ينشر هذا بعيدا عن سلطة السطان، وإن لم يتحقق ذلك في بلد فهو يتحقق في غيرها وصار العالم صغيرا جدا لا يمكن السيطرة عليه، ولا أريد أن أفسد المقال بإدانة من يمنعون الكتب أو مرورها بين البلاد فهي تمر عبر الهواء، الإنترنت. لم يذهب هذا التحول في الكتابة هدرا. وجد من يقرأه بكثافة وأحبه القراء وصار إقبالهم عليه علامة على البحث عن بلاد لا تتحقق وأبطال في أفق مفتوح للتمرد أو الجنون، أو حتى الموت. أنظر إلى هذه الحرية في الكتابة التي لايزال النقد غائبا عن أسبابها وإن كان حاضرا في تشريحها وأرى في الإقبال عليها أيضا ممارسة لحرية ضائعة ليس بفعل القمع فقط، ولا بفعل ادعاء النظم السياسية امتلاكها للحقيقة وحدها، ولكن بفعل حيرة الإنسان في هذا العالم الذي هبط إليه أو وجد فيها. وهكذا صارت الرواية منتجعا أو استراحة للفلسفة والعالم الفيزيقي يقترب من الميتافيزيقي، أو والعالم الواقعي يقترب من الميتاواقعي كما قال البعض. وهل يريد القارئ إلا استراحة مع الخيال.
أسوا أنواع الكتابة هي المرشدة للصواب والخطأ وأجملها هي المتجاوزة للمفردات اليومية، المخترقة لطموح الأرواح لما وراء العالم قبيحا أو سعيدا! رغم أني لا أجد تفسيرا لهذا الإقبال الكبير من القراء إلا حبهم للخيال الذي يأخذهم بعيدا عن قضايا سياسية مبعثرة في الطرقات. هذه الروح السحرية في تناول الأشياء والناس لن تنتهي مهما جرى على الرواية من تغير في الأشكال وضامنها هو رغبة الإنسان المولودة معه في تجاوز ما حوله. القفز منه إلى سفينة تبحر في بحر غامض حتى لو فقدت طريقها.
٭ روائي مصري