مجموعة «ألق المدافن» للقاص للمغربي رشيد شباري: لاجدوى الحياة ما بين العبث والتمرد

«سلام إلى روح رشيد شباري»*

«الشرفة المطلة على السموات تحرضك على القيام بتجربة الموت بالارتماء في أحضان التراب وهو مرقدك الأخير بالإكراه».
يقوم اختيار العنوان دائما على مبدأ القصدية، وفي مجموعة «ألق المدافن» ــ إصدارات سليكي إخوان، طنجة. الطبعة الأولى: 2009ــ لا يخرج عن هذا الإطار، رغم أنه يتعلق بنصوص بلغت أربع عشرة قصة قصيرة في علاقة جدلية تقوم على مبدأ انتساب النص إلى العنوان، أو انتساب العنوان إلى النص، ليس انتسابا لفظيا ضمن المتن القصصي، لكنه انتساب إيحائي تارة، وأخرى بشكل رمزي أو بالإشارة الواضحة. ولا يخفى على المتلقي أن مجرد ذكر الموت يحيل مباشرة على تصور المكان الذي يعبِّر عنه، وهو المدافن، لهذا كانت الثيمة المستطردة في النصوص هي الموت.

الموت واللاجدوى

لا يمكن أن نقرأ نصا ينتمي إلى الأدب العبثي من غير أن نعثر على فكرة الموت تسيطر عليه، باعتبار الموت ماهية مجهولة، أو مفهوما ميتافيزيقيا له أبعاده الخاصة، ويخلخل حسابات الإنسان وتقديراته، ويكسر حركة الحياة، ويحدث تحولا في مصائر الناس، ويكشف عبثية الحياة، التي تتسم – حسب رؤية هذه الفلسفة – باللامنطق واللانسجام، و»ألق المدافن» تندرج في هذا السياق، لما نلاحظ في نصوصها وشخصياتها من سيطرة هاجس الموت، الذي يتحول إلى شيء منتظر، على اعتباره مخلصا من الشقاء والألم الذي يتسبب فيه العالم المحسوس. يقول السارد وهو في حالة من الانتظار الرمزي: «درجات الانتشاء لم تكتمل مادامت الحبيبة المنتظرة لم تأت بعد، رغم أن الموعد المحدد سلفا أقبل على نهايته». ولعل هذا الانتظار بدوره يُعتبر أحدَ السبل التي تؤدي إلى الموت، انتظار تضيع فيه الغاية وتضيع فيه الجدوى من أفعال الفرد في الحياة حين تُواجَه باللاتناسب بين هدف الإنسان والواقع الذي سيواجهه. ونجد الكاتب يوظف بعض كلمات أغنية من «غير ليه» للموسيقار محمد عبد الوهاب، «جايين الدنيا ما نعرف ليه.. ولا عايزين أيه..» في نص «وجدان غيمة». وهذا له دلالة غير منفصلة عن سياق النص، إذ يتناول اللاجدوى بشكلها الصريح، أو كما وظفه بيكيت في «في انتظار غودو». فصاحب شخصية قصة «وجدان غيمة» يدخل في حالة توحد تام مع غيمة بدت أمامه وهو واقف على شرفته، بحيث يحاول عبثا أن يخوض تجربة الموت بدافع ما، فيلمح في الغيمة مصيره نفسه إذ تتبدى له «كتلة الحزن المبطن داخلها، وتتحقق بذلك نبوءات الحلول في ذروة التوحد» ينظر إلى الغيمة فيراها مثله ضائعة بين استبداد الرياح الطامعة في إرباك مسيرتها، لأنها كصورته في وجهها الإيجابي، فيقول: «يا غيمتي أنت نهايتي السعيدة». فهو يرى أن موته يعتبر إيجابيا ما دام خلاصا تاما «من قسوة الوجود وهموم البشر وضنك العيش»، لأنه يشعر باللاجدوى من حياته منذ ولد، قال السارد: «وتلوم نفسك على غبائك وأنت تتعلق بحبلك السري في عناد عرفت الآن أنك فيه أنت الخاسر»، وهذا نتيجة عبثية الحياة، وتقول الشخصية: «يأتيني حضورك كتجربة عالم فاشل أو لعبة شوكلاتة في يد طفل مدلل يداعبها وهو يقضمها». ونجد في نهاية قصة «زوم» أنها تنتهي بجملة ناتجة عن استغراب الشخصية من عالم مشحون بالموت.. «لا لغة لما يحدث لنا سوى الإحساس بضرورة الموت… أليس كذلك؟».

تتحول صور العبث كما ترصدها الشخصيات إلى شكل من السخرية من حركة الحياة ومظاهر التحول في المجتمع، فمثلا في قصة «زوم».

العبث والسخرية

تتحول صور العبث كما ترصدها الشخصيات إلى شكل من السخرية من حركة الحياة ومظاهر التحول في المجتمع، فمثلا في قصة «زوم»، يقول السارد: «يدخل صاحب العود، يشد انتباه الجميع، يتوسط بهو المقهى ويغني قطعة مغربية معدلة: «لحليب لحليب/ اللي والفتو/ غلا عليا/ غلا عليا» ثم تمر سيارة حمل الموتى أمام المقهى ويتوقف صاحب العود عن غنائه ويدعو بدعاء… ومباشرة تليها سيارة نقل اللحوم «وقطرات الدم تنفلت من تحت الباب الخلفي… يختلط بياض الحليب بحمرة الدم القانية». وأيضا في قصة «بعد الجسر»، يقول السارد: «تتوقف الحافلة عند (ممنوع البول ورمي الأزبال يا حمار وشكرا)». هذه المفارقات يوظفها الكاتب كنوع من عدم تطابق حركة العالم الخارجي مع المنطق الذي تريد أن تتبناه حكمة وعقل الشخصيات، لهذا تصور لنا شخصيات النصوص عالما من الصعب استيعابه وإدراكه لأنه متناقض يجمع كل المفارقات. وفي قصة «بعد الجسر» يقول: «يشتد الازدحام وتضيق الحافلة، حتى يتهيأ لي أن حبوب منع الحمل تؤدي دورها معكوسا»، إنها سخرية ناتجة عن اختناق الإنسان المعاصر من أوضاع تكاد تصبح الحلول لها غير مجدية، هذا إن كانت هناك حلول أصلا تناسب مشاكل الفرد والمجتمع، أفراد أصبحوا يشعرون بالغربة والعزلة، وكل شيء يبدو بصورة معكوسة. ثم في القصة نفسها نأخذ مشهدين، الأول: العسكري الذي يوقف الحافلة ويُنزل الركاب، ثم يسأل المرأة الحامل عن مصدر حملها… ثم بعد حوار ليس فيه تطابق منطقي، كأن اللغة لم تعد قادرة على خلق التواصل الإنساني، فالمرأة تجيب بلا مبالاة والعسكري يوجه أسئلة محملة بالاتهامات.. يحتجزها رغم أنها أعطته وثيقة عقد الزواج كإثبات لشرعية الحمل. والمشهد الثاني: يأتي في نهاية القصة حين أعطى الأعمى تعليماته للجند كي يجبروا الركاب على اجتياز الجسر.
إن هذين المشهدين لهما دلالة رمزية تشير إلى فكرة القوى المتسلطة وعجز الإنسان، وشعوره بالمهانة، يقول: «وكلنا نتقاسم الشعور المهين والإحساس بالتذمر غير الشفاف». وحتى هذا التذمر، نقرأ أن الشخصيات عاجزة عن إظهاره، فهو تذمر غير شفاف، يقول: «أحمد الله لأني لم أشهر استيائي لما حصل للمرأة»، فهي قوى تؤثر على استقرار الفرد وعلى طمأنينته النفسية، وتجعله للجبن والعجز أقرب في عالم يناصبه العداء. لهذا، فهذه الفكرة تسيطر على هذا النص، حيث أرغم ركاب الحافلة بعد ذلك على عبور الجسر بقوة السلاح، فكانت المصائر مختلفة، فمنهم من عبر ومنهم من مات غرقا ومنهم من مات رميا بالرصاص، أما السارد فقد لف مصيره بالغموض، حيث قال: «أما أنا فلا يمكنني الحديث عما بعد الجسر، لأنني لم أعبر».

فكرة التحول/المسخ تمثل في حد ذاتها تمردا واضحا على الأوضاع المعاصرة وانتقادا للحداثة في شكلها الحالي، حداثة لا تساهم إلا في تدمير الإنسان.

التمرد

إذا كان التمرد على الحياة (بما فيها من فوضى عارمة تجتاح هذا العالم) يعتبر عند هذا التيار شكلا من اللامبالاة من القيم المتوارثة ومن القواعد المصطنعة وغيرها.. فإننا سنجد الكاتب يتناول هذا النوع من التمرد ضمن السرد في مواضع كثيرة، حيث أنه بين الفينة والأخرى نسمع هذا الصوت الذي يرفض التقييد بعرف المجتمع وبالفكر السائد.. منها مثلا قوله: «لأن هذا يعد نقيصة في عرفنا رغم شيوعه سرا بيننا، أخرجت زجاجة الكونياك وبدأت وفي تبديد رعشات الانتظار بنهم مبالغ»، ثم: «حملت سؤالي للفقيه وأنا المشاغب المغرور بعلمه ونبوغه، فكان أن قطع بيني وبين غروري بجولتين من الفلقة ثمن دخولي في شرك الله». إنه صوت يعبر عن تمرده على شكل انتقاد، وكنوع من تشبثه بحقه في الوجود. فالتمرد عند رشيد شباري يأخذ شكل الانفلات من الواقع الزمكاني: «اختلست بالكاد موعدا خارج المكان والزمان»، تمرد على واقع فاقد للمعنى. من ناحية أخرى ففكرة التحول/المسخ تمثل في حد ذاتها تمردا واضحا على الأوضاع المعاصرة وانتقادا للحداثة في شكلها الحالي، حداثة لا تساهم إلا في تدمير الإنسان، يقول: «لمعان قمر اصطناعي يظهر ويختفي كعين بوم يحاصرك مضيفا لآلامك حسرة على بؤس البشرية المتجهة نحو تدمير نفسها باعتزاز». لأنها فكرة تعبر عن عزلة الفرد وغربته.
وختاما، إن نصوص «ألق المدافن»، رغم ما يلفها من غرابة مقلقة، وما يتبين منها من ملامح الفلسفة العبثية، إذ أن شخصياتها تترنح ما بين الوهم والخيال والحقيقة والنزوع إلى العزلة والتمرد، والتركيز على الذاتي، فهي في مجملها تتناول الواقع وتقوله وإن كان بطريقة لا واقعية، وهذا رغبة في الإعراب عن غرابته وتناقضاته، من حيث أيضا أنه حاضر تتحكم فيه القوى المتسلطة بقوة السلاح أو المال أو الإقصاء، وكل ما من شأنه أن يتحكم في مصير الفرد في المجتمع المعاصر، سواء كان آلة أو أيديولوجية أو سياسة.

*هذه القراءة أنجزت قيد حياته
«ألق المدافن» للكاتب رشيد شباري. إصدارات: سليكي إخوان، طنجة. الطبعة الأولى: 2009.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية