المخدرات غزو جديد يكتسح مدن العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد-“القدس العربي”: غزو لا يقل خطورة عن غزو الجيوش والإرهاب يجتاح العراق هذه الأيام، هو غزو المخدرات للمجتمع، الذي وصل إلى مستويات عجزت الأجهزة الحكومية عن التصدي لها بفضل تمتع عصابات المخدرات بحماية قوى سياسية وميليشيات ومافيات.

ولا يمر يوم إلا وتعلن السلطات عن إلقاء القبض على مجاميع وأفراد من عصابات تجارة المخدرات الآتية من إيران والمنتشرة في العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 وسط تأكيدات المعنيين والخبراء ان المخدرات بأنواعها، أصبحت كالسيول والأمطار تأخذ سبيلها بثبات وقوة نحو جميع شرائح المجتمع العراقي.

ونظرا لخطورة استشراء المخدرات في المجتمع العراقي بشكل غير مسبوق، فقد انبرت العديد من المنظمات والجماعات المعنية والأجهزة الأمنية والنواب للتحذير من خطورة تفشي هذه الظاهرة والدعوة لوضع الحلول العاجلة لها.

فقد أقر النائب عن محافظة البصرة عدي عواد، في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب ان “موقع محافظة البصرة كونها المنفذ العراقي الوحيد على البحر تحول إلى نقمة على أهلها، حيث شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية دخول وتجارة المخدرات بشكل كبير، حتى وصل عدد الذين ألقي القبض عليهم أكثر من 4035 من المتعاملين والمتعاطين خلال العام الماضي فقط”.

وأضاف “لا شك ان هذه الظاهرة دخيلة على المجتمع البصري المعروف بكونه محافظا ومتدينا، وان هناك عدة أسباب أدت إلى انتشار هذه الظاهرة خلال السنوات الماضية”. داعيا “الحكومة لتحمل مسؤوليتها تجاه هذه الظاهرة التي سوف تقضي على الشباب” ومشددا على ضرورة تشكيل خلية أزمة من الحكومة ومجلس النواب للقضاء على هذه الظاهرة التي وصلت المدارس والجامعات”. وحدد عواد، أسباب انتشارها ومنها سعة حدود محافظة البصرة مع إيران وضعف الإجراءات الأمنية والبطالة وغياب دور الحكومة، إضافة إلى تحكم بعض الأحزاب في المنافذ الحدودية في الشلامجة وأم قصر، والتي تفرض هيمنة كاملة على تلك الموانئ.

وكشف قائد شرطة البصرة رشيد فليح، أن 80 في المئة من المخدرات التي تدخل إلى المحافظة مصدرها إيران وأن الـ20 في المئة المتبقية تأتي من بقية المنافذ بما فيها الكويت، فيما اعتبر أن “هناك محاولات لتدمير المجتمع في البصرة من خلال نشر المخدرات”.

تجار تساندهم ميليشيات

وأكد فليح خلال مؤتمر صحافي عقده في مبنى المحافظة، أنه حصل على موافقات قيادة العمليات المشتركة ووزارة الداخلية لشن عملية عسكرية واسعة، لتأمين الشريط الحدودي للبصرة مع إيران على مدى 94 كيلومترا، منوها أن “مياه شط العرب ستخضع لعمليات تفتيش أدق لإيقاف تدفق المخدرات من إيران”.

وكانت شرطة محافظة البصرة أعلنت مرارا عن انطلاق حملات أمنية تستهدف تجار السموم المخدرة في المدينة، إلا ان هذه الإجراءات لم تحد من انتشار المخدرات، كما أعلنت إن الأجهزة الأمنية التابعة لها تعتقل يومياً (10 إلى 15) شخصاً في المحافظة بين متعاطٍ ومتاجر بالمخدرات، مبينة انها اعتقلت أكثر من 4000 من تجار ومروجي ومتعاطي المخدرات في المحافظة خلال السنوات الماضية.

ولتوضيح حقيقة ظاهرة المخدرات في العراق أعلنت مفوضية حقوق الإنسان ان العراق صار الآن سوقاً رئيسية في المنطقة لتعاطي المخدرات والإتجار بها، بعدما كان مجرد ممر لها.
وحذر بيان لعضو المفوضية فاضل الغراوي، من أن متعاطي المخدرات من كلا الجنسين يزداد عددهم باطّراد، وإن انتشار المخدرات بين أوساط الشباب والرجال والأطفال (10 – 15 سنة) من كلا الجنسين أصبح يمثّل الآن “تحدياً خطيراً يمسّ أمن المجتمع”.

وأكد البيان ان آخر معطيات المفوضية تفيد بأن “عدد الموقوفين بتهمة التعاطي أو الاتجار بالمخدرات خلال النصف الأول من العام الحالي في 15 محافظة (عدا محافظات إقليم كردستان) قد بلغ 6187 موقوفاً، وأن محافظات كانت حتى العام الماضي خارج نطاق هذه الظاهرة الخطيرة، هي نينوى وديالى وكركوك والأنبار، أصبحت الآن في نطاق التغطية المخدّراتية”.

ولم تكن البصرة هي المحافظة الجنوبية الوحيدة التي غزتها هذه الآفة المدمرة للمجتمع، بل شمل ذلك كل محافظات العراق.

الأقراص والعقاقير المخدرة تنتشر بين الطلبة

في ندوة لمديرية التربية والأجهزة الأمنية في محافظة ذي قار، حذر مختصون في مجال مكافحة المخدرات من مخاطر انتشار تعاطي المخدرات والأقراص والعقاقير المخدرة بين طلبة المدارس في المحافظة، داعين إدارات المدارس والأسرة والمجتمع إلى ممارسة دورهم في الحد من مشكلة تعاطي المخدرات التي أخذت تستفحل في المجتمع.

وقال المسؤول في تربية ذي قار حيدر سعدي، أن “تفاقم مشكلة المخدرات في المجتمع يستدعي أن نقف عنده ونقرع ناقوس الخطر للتحذير منها ونبحث عن سبل منع انتشارها بين أوساط الطلبة” مبيناً أن “كميات المخدرات أصبحت تدخل بالأطنان عبر المنافذ والموانئ العراقية” منوها إلى وقوف مافيات وعصابات منظمة وراءها.

وأصدرت الندوة مجموعة من التوصيات من بينها خطة علمية وتربوية تعتمد على دور الأسرة والطالب وإدارة المدرسة والمجتمع والمؤسسات الحكومية والمجتمعية، وتطبيق إجراءات أمنية ورقابية فاعلة للقضاء على تعاطي المخدرات داخل المدارس، مع حملات للتعريف بمخاطر تناول المخدرات، إضافة إلى أهمية الكشف المبكر عن الحالات ومعالجتها قبل وصولها مرحلة الإدمان.

وسبق لقيادة شرطة ذي قار ان أعلنت خلال مؤتمرها السنوي عن تسجيل ارتفاع ملحوظ في جرائم تعاطي وترويج المخدرات بواقع 14 في المئة خلال عام 2016 مقارنة بمعدلاتها خلال عام 2015. مشيرة إلى أن عدد المعتقلين بجرائم المخدرات بلغ 247 متهماً بينهم تجار ومروجين ومتعاطين.

وأشار مؤتمر آخر لمكافحة المخدرات في مدينة السماوة جنوب العراق، أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى وجود أكثر من 500 تاجر مخدرات في قضاء السماوة لوحده، وان هؤلاء يديرون معظم تجارة الحبوب المخدرة ومادة الحشيشة التي يتم تهريبها بشكل منتظم من إيران إلى مدينة السماوة، وأوضح المشاركون أن بعض هذه المخدرات يستخدم للتوزيع على المحافظات العراقية، بينما يتم العمل على تهريب الجزء الأكبر إلى دول الخليج، وخصوصاً السعودية عبر منفذ عرعر الحدودي.

تجنيد شباب لترويج المخدرات

 

أما محافظة ديالى المجاورة لإيران، فقد كشف النائب عنها أحمد مظهر الجبوري، عن محاولة شبكات متخصصة في تهريب المخدرات، تجنيد شباب من المحافظة في عمليات نقلها وترويجها، مؤكدا إن “محافظة ديالى تمر بتحديات متعددة إلى جانب تحدي الإرهاب، وفي مقدمتها المخدرات التي برز خطرها بشكل لافت في السنوات الأخيرة، مع زيادة أعداد الشبكات الإجرامية الناشطة في هذا المضمار”. ودعا الجبوري إلى “دعم قسم مكافحة المخدرات في المحافظة بشكل قوي وزيادة قدراته بما يتلاءم مع حجم التحديات”.

وفي محافظة كركوك شمال العراق، أعلنت السلطات الأمنية إن القضاء أصدر في 2017 أحكاما بإعدام سبعة من تجار المخدرات في المحافظة، إضافة إلى أحكام متفرقة أخرى بحق 31 شخصا بين تاجر ومتعاط للمخدرات. وأكدت المصادر الأمنية تفشي انتشار المخدرات في كركوك في الآونة الأخيرة مع ارتفاع نسبة حالات الإتجار بالمخدرات وتعاطيها، حيث تم اعتقال 31 شخصاً خلال الشهور الخمسة الماضية.

ويؤكد المطلعون أن أبرز أسباب تفاقم آفة المخدرات وعدم القدرة على إنهائها أو الحد منها هو انها تحظى بدعم أحزاب وميليشيات ومافيات تحصل منها على أموال طائلة.

فقد اتهم رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية السابق حاكم الزاملي، جهات سياسية وأحزابا نافذة بالوقوف وراء اتساع ظاهرة الإتجار بالمخدرات في العراق.

وأشار في تصريحات ولقاءات تلفزيونية إلى أن المخدرات تأتي إلى العراق عبر إيران وأفغانستان وسوريا ولبنان وتصل إلى المناطق الجنوبية والغربية بكميات كبيرة.

وأشار إلى إن هناك “متورطين كبارا في هذه القضية، وأن من يستورد 16 مليون حبة عبر ميناء البصرة وبمبلغ 60 مليون دولار ليس تاجرا عاديا ولكن تاجرا مسنودا من أحزاب وكتل ومسؤولين”.

 

مزارع المخدرات

 

ولا تقتصر الصورة القاتمة لآفة المخدرات على تهريبها من إيران ودول أخرى إلى العراق، بل أكدت مصادر مطلعة وجود مزارع للمخدرات في بعض مدن العراق تحت حماية أحزاب وميليشيات مسلحة ومتنفذة. حيث كشف حاكم الزاملي عن وجود مواقع لزراعة المخدرات في المناطق الشمالية والوسطى من العراق، إضافة إلى تصنيع مادة الكريستال المخدرة في بعض المدن ومنها بغداد التي تعد من التجارات المربحة وتدر أموالا طائلة. كما أعلن النائب فائق الشيخ علي، عن وجود مزارع خشخاش لإنتاج الحشيشة في جنوب العراق تحت رعاية أحزاب سياسيّة ومجموعات مسلّحة نافذة، الأمر الذي أضفى على الظاهرة بعداً سياسيّاً من خلال استخدام الأحزاب لأرباح إنتاج المخدّرات.

وكانت مصادر أمنية في قضاء الشرقاط شمال صلاح الدين الذي سيطر عليه تنظيم “داعش” عام 2014 أعلنت أنّ القوّات الأمنيّة أتلفت 16 دونماً من نبتة الخشخاش، في مزرعة تعود للتنظيم الإرهابي زرعها في الشرقاط لتمويل عمليّاته.

ولم يكن إقليم كردستان في شمال العراق بعيدا عن المخدرات، حيث ضبطت السلطات مزرعة مخدرات عند ضواحي أربيل في عام 2016 وخمنت قيمة محتوياتها من مواد مخدرة بنحو مليون دولار. كما تم ضبط العديد من التجار والمتعاطين في محافظة السليمانية المجاورة لإيران.

وضمن السياق، يشير المطلعون أن ملايين الزوار الإيرانيين القادمين إلى العراق سنويا تحت غطاء زيارة العتبات الشيعية يقومون بنقل كميات كبيرة من المخدرات معهم، وتم إلقاء القبض على مئات منهم في المنافذ الحدودية متلبسين بتهريب المخدرات.

وكان العراق يعد عالميا من الدول النظيفة في مجال تعاطي المخدرات قبل الغزو الأمريكي عام 2003 إلا ان تقريرا لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات، أشار إلى وجود 28 ألف مدمن في العراق عام 2006 كما أكد أن “العراق أصبح ممرًا رئيسيا لتجارة المخدرات كونه يقع وسطا بين الدول المنتجة والمستهلكة” مشيرا إلى أن الدول التي تصبح معبرًا للمخدرات يتعاطى 10 في المئة من أبنائها تلك الآفة المدمرة ويدمنون عليها.

ويتفق الجميع في العراق على خطورة تفشي المخدرات وتأثيرها المدمر والمتصاعد على شرائح المجتمع العراقي وخاصة الشباب، كما يتفقون على استحالة القضاء على هذه الظاهرة ما دامت الدولة ضعيفة والفساد ينخر أجهزتها والحدود مفتوحة مع إيران، مع وجود قوى سياسية وميليشيات تستفيد من عائدات المخدرات الطائلة، وسط قناعة لدى الكثيرين بأن بعض القوى السياسية مرتاحة لانشغال الشباب بالمخدرات لكي تتخلص من شكاواهم وتذمرهم وتظاهراتهم المعارضة لفساد وفشل إدارة الدولة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية