الأنساقُ الثقافيَّة بين الغذامي وإدوارد سعيد

حجم الخط
7

ظل الأدبُ عريشا ممتدا، يتفيّأ به الإنسان، للتعبير عن عواطفه وأحاسيسه وشعوره، ووسيلة من وسائل تفاعله اللامشروط مع الحياة. فالتفنن في الأساليب الإبداعيّة، جاءت كنتيجة حتمية، ساهمت في تعميق رؤيته للقضايا التي تؤرِّقه، وتهدده في وجوده. وبذلك، فمن البديهي جدا أن يكون الخطابُ اللّغوي وسيلة لدراسة الأنساق المهيمنة، التي شكلت رافدا أساسيا من روافد التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب.
هذه الأنساق الثقافية والاجتماعية فتتت المركزيات المهيمنة في الثقافة والأدب، فإلى جانب الخطاب الأدبي المباشر، الذي يعتمد على الوضوح، نجد خطابا أدبيا آخرَ موازيا يتغيى التأويل كشرط أساسي لوجوده، بهدف القبض على المعنى المضمر الزاحف. فما كان للأدب العربي إلا أن يستعيد نهوضه، ويستجمع هممه رافعا التحدي، في مواجهة غطرسة وسيادة الآخر، فيما هو يسعى حثيثا إلى تفكيك البنى الثقافية، التي خلقت من الشرق منارة للحضارة قديما. لاسيما أن ما خلفته، هذه الأخيرة في التاريخ، من شواهدَ دالة على رقي فكري وعلمي حقيقي، ترتب عنه تقدمٌ سياسي وازدهار اقتصادي واجتماعي.
سياقيا، كان بعض الباحثين والمفكرين مشغولين بقضايا حماسية تنذر بإشعال فتيل المواجهة، بعدما أرسوا العزم على أن الآخر كان سببا مباشرا في تخلف الذات وتقهقرها. وذاك نتيجة للظروف التاريخية، التي اختلت معها موازين القوى بين الشرق والغرب. فكانت للحروب الصليبية، مثلا، التي امتدت من القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر للميلاد، يد واصلة في إرساء التبعية والاستبداد والعبودية، بعد ما كان الهدف منها، تطهير قبر المسيح فحسب. إن روحي الخالدي في كتابه «تاريخ علم الأدب» أشار إلى ما حملته هذه الحروب الثماني من ويلات، أتت على الأخضر واليابس، وساهمت في غزو حواضر الشرق تباعا. كما أن لحملة نابليون بونابرت، من جهة أخرى، في القرن الثامن عشر وقعا مدويا على مصر، حيث إنها أنهت ما بدأه الصليبيون قبلهم بخمسة قرون من الزمن.

الأنساق الثقافية والاجتماعية فتتت المركزيات المهيمنة في الثقافة والأدب، فإلى جانب الخطاب الأدبي المباشر، نجد خطابا أدبيا آخرَ موازيا يتغيى التأويل كشرط أساسي لوجوده، بهدف القبض على المعنى المضمر الزاحف.

فمن الوجاهة أن يكون المفكرون والأدباء واعين بمدى الخطورة، التي أقدمت عليها هذه الحروب والحملات التبشيرية، وغيرت من مجرى التاريخ الإنساني. فضلا عن مساهمتها الفعالة، في محو تلك الصُّورة المثالية، التي ظهر بها الشرق العربي المتفوق، في المخيال الغربي. فأول ردة فعل للنخب، على هذا الوضع الموبوء، محاولتهم تجديد قنوات الاتصِّال، وبعث أواصر جديدة تهتم بالتراث العربي قديمه وحديثه. زيادة على تأصيل البحث العلمي والأكاديمي في الجامعات على طول الوطن العربي. لذا كان الشعر الجاهلي، عند عبد الله الغذامي، منطلقا أساسيا لتحديث البنى، عبر ضخ دماء جديدة في عروقه، وتوسيع مقاماته التداولية. إن الشاعرَ الفحل، حسب الغذامي، يجب أن يتردد صداه في باقي الأنساق الموازية الأخرى، التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية، ويجب أن لا يظل حبيس الخطاب الشعري فحسب. مضيفا أنه لا ضير أن يتشكل الفحل في أنساق مختلفة، فحل اقتصادي واجتماعي وسياسي.

من هذا المنظور، كان الغذامي يسعى، في مشروعه الثقافي الضخم، إلى إعادة ترتيب البيت من الداخل. فانفتح له البابُ على مصراعيه، خصوصا عندما رسخ جذور دوحة الشاعرات في تربة فحولة الشعر العربي، ناسفا قولة أبي النجم العُجيلي، الشعر شيطان ذكر. إن هذا المسعى يضمن، من خلاله الغذامي، حضور الشاعرات في رقعة، ظلت لعهود من الزمن حكرا على ثقافة الرجال. وبات من الطبيعي أيضا أن ينعكس ذلك على بنية النسق، الذي يطمح إليه الباحث من خلال ابتكاره ترْسنة من المصطلحات تخدم مشروعه الثقافي. فكان لعبارات من قبيل «تأنيث القصيدة» و«الأنثوية الشعرية» و«البحور المؤنثة» و«القصيدة الأنثى» وغيرها، محجٌّ حقيقيٌّ للعديد من الدارسين والباحثين. خصوصا، من أولئك الذين ينتصرون للفكر التقدمي الحداثي. علاوة على ذلك فما فعلته نازك الملائكة بعمود الفحولة، انطلاقا من قصيدتها «الكوليرا»، كان بمثابة وثبة حقيقية نحو المستقبل، حيث استعادت من خلالها ـ أي القصيدة ـ الدور الفعلي للمرأة في صلب الحياة الثقافية، إلى درجة أنها لم تقف عند حدود الشعر فقط، وإنما أشفعت ذلك بجرأة في اتخاذ قرارات حاسمة في الحياة العامة، والدفاع عنها جهرا وأمام الملأ.
فتهشيم صنم عمود الشعر العربي، حسب عبد الله الغذامي، كان وصيدا حقيقيا نحو إعادة تشكيل فسيفساء النسق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وفق معايير هندسية جديدة، تراعي للجنس اللطيف مقامه، وتصون كرامته. بالموازاة مع ذلك، فهي تساير مبدأ القوة الناعمة في مواجهة الآخر، والحد من بسط هيمنته وحضوره المطلق.
أما إدوارد سعيد في كتابه، الذائع الصيت «الاستشراق»، فقد فكك صورة الآخر ومركزيته عن طريق رفضه كمصدر إشعاع يحوي ثقافات أخرى. فالاستشراق يقول عنه إدوارد: «أسلوب غربي يهدف إلى السيطرة على الشرق وإعادة بنيته، وامتلاك السيادة عليه». فكلما كان الآخر مصدرا للمعرفة والثقافة، استفحلت معه التبعية والاستغلال. من هذا المنطلق، كانت الظروف التاريخية، التي مرّ منها الشرق، انطلاقا من القرن الثامن عشر إلى حدود منتصف القرن العشرين، بؤرة حامية الوطيس، سعت إلى تشكيل صورته وترسيخها في الأذهان، حيث إن الازدهار، الذي عرفه الشرق، جاء مع حروب الكولونيالية الغربية على المشرق. ومن هذا المنطلق، ظلت الحملة النابليونية على مصر في القرن الثامن عشر، وما أحدثته من تغييرات بنيوية في المجتمع المصري آنذاك، مشجبا يعلق عليه الاستشراق كل أمانيه، وما يطمح إليه من إعادة هيكلة الشرق، وفق مخططات استعمارية جديدة. فأيّا كانت التأويلات المحتملة للحدث التاريخي، فإنها تنحو في اتجاه ترسيخ القوة، كمفهوم بديل للحضارة الإنسانية عامة، وبذلك فهي تستمد من النتشوية طاقتها المتمثلة في: الإنسان المتفوق، الإنسان القوي والفعال.

الشرق العربي ظل في مخيال الغرب صورة للهيام والحلم والرمز والأسطورة، انطلاقا من كتاب «ألف ليلة وليلة» الكتاب الغواية والتيه في الكتابة والعيش.

إن «الاستشراق» لإدوارد سعيد كتاب في النقد، ريادي من حيث الأساليب البلاغيّة والفنية، وهو بمثابة دعوة صريحة إلى البحث الأركيولوجي في الذات وتعريتها، ووضعها أمام الأضواء الكاشفة. وهذا ما دفع بإدوارد إلى البحث في تأصيل جنس الرواية في الثقافة العربية، كنسق ثقافي ينتمي إلى تراث الشرق، انطلاقا من إرهاصاتها الأولية، والمتمثلة في فن المقامة عند كل من بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، والحريري في القرن السادس الهجري. وقد خلص إدوارد سعيد إلى هذه القناعة المترسخة في وعيه، بعدما قرأ الإنتاج الروائي الغربي طيلة مئتي عام من الإبداع، أسوة بما فعله ت. س. إليوت عندما انكب على قراءة التراث الشعري الإنكليزي من هوميروس إلى شكسبير.
وبهذا يمكننا أن نقول إن المقامات تستعمل الشخوص أبطالا في الكدية والشطّارية، وهذا مهد الطريق إلى الرواية، من حيث هي جنس أدبي تجعل من شخوصها أدوات فنية تجسد رؤية الكاتب للقضايا. ولمَّا كان الاهتمام بالخطاب الروائي من قبل إدوارد، على علة مفادها: أنه يدور في فلك الخطاب الاستعماري، فإن اهتمامه أصبح منكبا على المفكرين الغربيين، الذين تلتحم في خطاباتهم الأدبية صورة القوة السياسية بالأنساق الثقافية. وبعد بحث مستفيض، اقتفى فيه إدوارد آثار جل المفكرين الغربيين، على امتداد رقعة زمنية تمتد في حدود قرنين ونصف القرن تقريبا، وجد أن الباحثين والمفكرين ميشال فوكو الفرنسي وأنطونيو غرامشي الإيطالي يحملان جينات الخطاب الكولونيالي، مستعيرا من هذا الأخير مقولته الأساسية والشهيرة حول المثقف العضوي. من هذا المنظور المقارناتي استطاع الباحث الفلسطيني إدوارد سعيد، وفي ظرف وجيز، أن يهتم به كبار المفكرين الأكاديميين العالميين، بدافعين جوهريين أولهما: جدارة المشروع الثقافي بالاهتمام، الذي يسوق له عالميا، من زاوية الأدب المقارن، وثانيهما ينحدر الباحث من دولة فلسطين، التي تعيش النكبة منذ الإعلان عنها كوطن بديل ليهودية العالم.
إن الشرق العربي ظل في مخيال الغرب صورة للهيام والحلم والرمز والأسطورة، انطلاقا من كتاب «ألف ليلة وليلة» الكتاب الغواية والتيه في الكتابة والعيش. وثـُلمَة ضيقة نطل من خلالها على عوالم الشرق الساحرة. تلك الصورة استبدت بها المواقف، وغمرت بها كل أنحاء المعمورة. فإن اقتران الشرق بالحلم عند الرومانسيين، إنما هو نزع فتيل الصراعات حول بقعة كانت مهد الديانات السماويَّة، تزخر بأجداث الرسل والأنبياء، حيث أريقت فيها دماء تنضح شلالات، ومبعث الألم الدفين المتجدد لشعوب على مر الزمان، فكان من البديهي أن تظل أرضا للغواية والتيه والعيش في زمن الكتابة.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية