صيغة قراءة أم صيغة كتابة؟  في تلقي المؤلفات السيرذاتية

 عبد اللطيف الوراري
حجم الخط
0

بعد التشنيع الطويل الذي تعرض له نوع السيرة الذاتية من بعض النقاد والمنظرين، بمن فيهم موريس بلانشو، الذي ازدرى فيه “الميثاق السيرذاتي” وعدّ هذا النوع كـ”موت للمؤلف”، إلا أن الكتابة السيرذاتية شهدت اهتماما مُتزايدا، بقدر ما باتت تُمثل بالفعل محط نقاش وسجال في الوسطين الجامعي والثقافي، وصار بوسعها أن تتملك الطرائق التي وردت عليها من الأنواع الأدبية الأخرى فتهضمها تدريجيا، وعبر هذه السيرورة استطاع النوع السيرذاتي أن يتقوى ليصبح اليوم نوعا مهيمنا.

يتحدث جاك لوكارم عن “انفجار” النصوص السيرذاتية طوال العقود الأربعة الأخيرة، وهو ما ترتب عليه تطور النوع رافقه توجه عام نحو استعمال ضمير المتكلم ونحو السيرة الذاتية. وسوف تغدو هذه الكتابة – بتعبير مارغريت دوراس-  الوسيلة المثلى من أجل الإجابة عن “أزمة الذات” المعاصرة من جهة، ومن أجل تحليل الصعوبات التي تواجه الذات للتعبير عن نفسها في اللغة من جهة أخرى. فمن نموذج عن الذات إلى آخر داخل أشكال الكتابة الذاتية، يبرز “الانهمام بالذات”، بله اعتبار “الذات كتخييل”. فما يبقى سوى تخييلات الذات القائمة على التاريخ الشخصي، بوصفها وسيلة لإدراك العالم؛ التعبير الذي يمكن تأويله بـ”تنظيم الحياة” إلى أن يُعثر على المعنى فيها، كما يمكن أن تترتب عليه مشكلات نوعية تخص بناء الكتابة وطابعها التداولي.

وفي العلوم الإنسانية يوجد اليوم اهتمام متزايد بالكتابة السيرذاتية، ولا يعوزنا الحديث لتسمية عدد من الأنواع السيرذاتية الصغرى أو الفرعية، التي تكثر في الأدب منذ عقود عديدة: الأدب الشخصي أو الحميمي، الشهادات السيرذاتية، محكيات الذات، الأدب الذاتي، قصص الحياة، وثائق المعيش. وأيا كان المفهوم المتبنى لدراسة هذه الأشكال المتنوعة من كتابات الذات، فإن هذا الإنتاج الأدبي يستجيب بسحره للمعيش واليومي، وينهض به “أنا” الكاتب و”أنا” الذات؛ ذلك الأنا الذي يستطيع أن يُفاوض من خلال الكتابة السيرذاتية فضاء مُميزا، ويدرك نفسه بقدر ما يدرك العالم الذي ينخرط فيه ويكتبه. لكن كيف يمكن تلقي مثل هذه الكتابة؟

إشكالية التلقي

 

على الرغم من صرامة تعريف لوجون، شكّل الميثاق السيرذاتي مُنعطفا في نقد النوع السيرذاتي. فقد رفض محاولاتها الأولى لكي يصوغ تعريفا للسيرة الذاتية مُنسجما وشاملا، ويقدم تصورا عن السيرة الذاتية بأنها “صيغة قراءة بقدر ما هي صيغة كتابة”، مُقترحا “تاريخا للسيرة الذاتية سيكون، قبل كل شيء، تاريخا لصيغة قراءتها”. ويوضح منظوره النقدي على النحو التالي:

“نصيا، أنطلق من موقع القارئ: لا يتعلق الأمر بالانطلاق من داخلية المؤلف التي تخلق مشكلة بالفعل، ولا باتخاذ القوانين للنوع الأدبي. فمن منطلق وضع القارئ (الذي هو بحوزتي، والوحيد الذي أعرفه جَيدا) لديّ فرصة لضبط اشتغال النصوص (اختلافات اشتغالها) بشكل أوضح، بحيث أنها كتبت لنا نحن القراء، وما أن نقرأها نجعلها تشتغل، لذلك حاولت، عبر سلسلة من التعارضات بين مختلف النصوص المتاحة للقراءة، أن أُعرف السيرة الذاتية”.

هذا التحول داخل نظرية لوجون – إذ بدأ الانتباه النقدي يتركز على القارئ أكثر منه على المؤلف- يترجم الانشغالات النقدية للعصر، ولاسيما قضايا المؤلف والسلطة في النص، كما لدى نقاد البنيوية وما بعد البنيوية الذين انعطفوا، بعد تصديهم للسرد الروائي (الرواية الجديدة)، نحو “آخر معقل للمرجعية والشفافية”: السيرة الذاتية. فهم لم يركزوا كثيرا على قَصد المؤلف في النص، بل على النص ذاته. وفي هذا السياق، إذن، كانت دراسة لوجون حول السيرة الذاتية نَقدا نَصيا من منطلق أن منظور القارئ هو الأساسي.

 يحاول لوجون أن يتجاوز المشكلات التي يمكن أن توحي بها، وهو يشرع في تحليل السيرة الذاتية من جانب مبدأ التطابق، فيلاحظ أنه لا يمكن دراسة النوع وفق مفهوم الاحتمال بين النص وخارج النص، لأن ذلك لن يبرهن على نوعية السيرة الذاتية. فعوض التركيز على تحليل اشتغال النص وبنياته الداخلية الذي لن يحسم في تمييز السيرة الذاتية عن الأنواع الأخرى، سيكون البحث على الأرجح هو الذي يأخذ بعين الاعتبار المظهر التعاقدي للسيرة الذاتية: “تحليل النشر بمستوى عام، والعقد الضمني والصريح الذي يقترحه المؤلف على القارئ، العقد الذي يحدد صيغة قراءة النص ويولد العوامل الخاصة به، التي يبدو لنا أنها تعرف النص بأنه سيرة ذاتية”.

يبدو مظهر النشر هنا مُهما، فالحدود بين السيرة الذاتية والأنواع الأدبية الأخرى مثل الرواية ضبابية، بل عصية على التحديد، ولا سيما اليوم الذي صار فيه مفهوم النوع أقل ملاءمة مما كان عليه في السابق. لن يعرض التصنيف الأنواعي الذي يمنحه المؤلف أو الناشر للنص، إلا حَلا جُزئيا على الأقل، ويدرك القارئ أن بين يديه سيرة ذاتية، لأن المؤلف أشار إليه بوضوح، سواء داخل النص نفسه أو عبر النص الموازي، مما يمكن معه أن يُحدد تلقيهِ للنص، بل ويُحقق فيه الطابع السيرذاتي تحقيقا أَصليا. وفي هذا السياق، يناقش شيانتاريتو، من منظور التحليل النفسي، تعريف لوجون في مسألة القراءة ودور القارئ باعتباره شريكا آخر في التعاقد القرائي، فيرى أن اسم المؤلف يأتي ليضمن تطابق المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة، وهو تطابق لا يمكن أن يشتغل إلا إذا كانت للقارئ يد في أن يجعله أصيلا، بمعنى أن القارئ – وهو نفسه يدخل في سيرورة تماه – يجعل المرجع (المؤلف داخل شخصية) كما لو كان بحد ذاته تطابق المؤلف والسارد والشخصية الرئيسة. ومع ذلك، تظل مقاربة لوجون لمسألة التلقي إشكالية؛ فإذا كانت أنواعية السيرة الذاتية ترتبط بالميثاق، بـ”تعاقد القراءة”، القائم بين المؤلف والقارئ، فإن تعريفه يظل مثبتا داخل التقليد السيرذاتي المسيحي والغربي. فالكيفية التي يُقارب أو يَتلقى القارئ بها النص تُمليها عليه، بقوة، تجاربُ قراءاته الخاصة؛ ومن ثَمة، فهي محددة تاريخيا وثقافيا. فكل قراءة، والحالة هاته، تصطبغ بانتظارات القارئ وتحيزاته وأحكامه القبلية. لذلك، ينبع تعريف لوجون من تجربته الخاصة بوصفه قارئا للسيرة الذاتية يستند إلى ميولاته وأحكامه الشخصية القبلية في النقد. ويتضح ذلك على سبيل المثال من خلال اختياره “الأعمال العظيمة” التي رآها جديرة لينطلق منها في وضع أسس نظريته. فإذا لم تكن النصوص المقررة معروفة كلها كـ”نماذج” للنوع (عدا “اعترافات” روسو)، وبالتالي قل أن قُرئت كما هي، فإن مؤلفي هذه النصوص هم جميعا جزء من العرف الأدبي الفرنسي. ضمن النصوص المقررة في الدراسة نجد “الكلمات” لجان بول سارتر، و”عصر الإنسان” لميشيل ليريس، و”إن لم تمت البذرة” لأندريه جيد. لذلك، يبقى السؤال: هل يتلقى القارئ المعاصر، أو عليه أن يتلقى النص السيرذاتي بصيغة مختلفة عن بقية النصوص الأخرى؟

 

ليس ثمة إلا الذات

إن الإشكالية المعاصرة لتلقي النص السيرذاتي من قبل القارئ سوف يتناولها فيليب لوجون مُجددا في “الميثاق السيرذاتي (2)” المضمن في كتابه “أنا أيضا” (1986). يستعيد لوجون، بكثير من الدعابة، تعريفه للسيرة الذاتية، مُشيرا إلى طابعه الدوغمائي الذي تحول إلى “سلطة تعرقل التأمل في النوع والتفكير فيه”. وقد كان صدور عمل سيرج دوبروفسكي المعنون بـ (Fils) وراء ردة فعل لوجون.

يدرك لوجون حقيقة أنه “ساذج” من يعتقد بشفافية اللغة، وبإمكانيتها للإحالة على الذات المتشبعة التي توجد بحق خارج النص، ولقول الحقيقة عن مثل هذا الذات، أو من يعتقد بأن استعمال ضمير المتكلم يدل على كائن مستقل ومفرد: “أعتقد أنه عندما أقول (أنا) فإنما أنا الذي يتكلم: أومن بالروح القدس بضمير المتكلم. ومن لا يؤمن به؟ لكن بطبيعة الحال، يحدث لي كذلك أن أعتقد العكس، أو على الأقل أن أدعيه”.

يستشهد لوجون برولان بارت، الذي سبق أن أكد أنه “في مجال الذات ليس ثمة من مرجع”، ويواصل بصياغته ما يشبه إحراجا لكثير من قراء السيرة الذاتية: “نعرف طبعا كل هذا، وهو ليس وحشا؛ لكن مع شيء من الاحتراز الشديد، نصنعه كما لو أننا نعرفه. إن قول الحقيقة عن الذات، يُبنى كذات ممتلئة – إنه المتخيل. للسيرة الذاتية كينونة جميلة مستحيلة، وليس ثمة من مانع لكي تُوجد”.

يُمعن لوجون نظره في بعض الحوافز التي يمكن أن تقود المؤلف إلى كتابة السيرة الذاتية: “يمكن أن نعزل ثلاثة دوافع أساسية: النوستالجيا (القيمة في الماضي من أجل العثور عليها)، النموذج (وهو ما تُجسده القيمة نفسها) والمضايقة”، كما يبحث في الكتيبات والبرامج التي تعلم مناهج تدوين محكي الحياة، وهو ما سمح له بفرز بعض العناصر الثابتة التي تجسد جزءا من كتابة الذات، واكتشف بنية السيرة الذاتية “بالعين المجردة” عندما أمر طلبته باختبار لحكي حياتهم (المؤلف/ السارد، اللحظات التي تبني العتبات أو التجارب الأولى التي تهم حياة الشخصية..). وفي هذا الإطار، يمكن أن نعثر على قائمة أكثر تفصيلا تكشف “مواضعات النوع” أو “الأنماط السردية الثابتة”، بما في ذلك البورتريه، الذكرى الأولى، النسابة، وجه الأم، ميل الكاتب، المدرسة، القراءة، نهاية الطفولة. إلا أن العنصر السيري الوحيد الذي لا يُمكن بتاتا أن يُحكى هو: موت الشخصية. ومن هنا، فإن للقارئ كذلك حافزا عميقا لقراءة السيرة الذاتية؛ حافزا يختزل نفسه في أغلب الحالات في “بناء هويته الخاصة: القراءة السيرذاتية، إنما هي صالون لتجريب الأدوار”.

استشكال النوع

 

إن كل تعريف للكتابة السيرذاتية يفرض أنماطا من التلقي، وبالأخص من داخل الرؤية التي تبنتها الأسس النظرية والفلسفية للحديث وما بعد الحديث، إذ أن تصور الذات لا يُميز هذه الكتابةَ وحسب، بل كذلك التأملَ النظري حولها. فقد كانت المقاربات النظرية تنأى بنفسها عن أي تعريف تعميمي للكتابة السيرذاتية، لأن مثل هذا التعريف منذور للفشل وليس بوسعه أن يأخذ بأشكال التفرد والأصالة والسياقات المختلفة (الاجتماعية، التاريخية، الثقافية، السياسية والإثنية) التي تكمن خلف إنتاج كل حكي ذي طابع سيرذاتي، بيد أنها لا تخرج – رغم اختلافها الظاهر- عن التصور المتعارف عليه بخصوص نوع السيرة الذاتية، الذي يرى أن الأنا الذي يحكي عن حياته في النص إنما يوجد في انسجامه ووحدته قبل أن يُعبر عن نفسه داخل اللغة. وبالتالي، فالإمكانات المرجعية لا يطالها الشك، واللغة يمكن أن تُمثل الأنا ووجوده، والسرد يتبع عادة النظام الكرونولوجي للحياة المروية.

وعلى النقيض من ذلك، تعتبر النظريات ما بعد البنيوية، الذات متشظية ومنشطرة، والإحالة على الواقع الخارج- نصي ليست إلا وَهما، فيما تفقد اللغة وضعها كوسيط شفاف أو قناة أقل إشكالية في ارتباطها بالمرجع الخارج- نصي؛ إذ تدخل في لعب لا يتوقف من الكلمات التي تحيل، مثل المرايا، على بعضها بعضا، بدلا من أن تسجن نفسها في دلالة وحيدة وقطعية. ولهذا التصور الأخير تبعات خطرة تهدد وجود مفهوم السيرة الذاتية نفسه. فإذا كانت الإحالة وَهما، فلن تكون السيرة الذاتية أكثر من شَكل تخييلي أو عمل مُتخيل لا يمكنه البتة أن يُطلعنا على مؤلفها وهُويته، طالما أن “الذات غير ثابتة ومنشطرة”.

فقد اعترض مُفكرو التفكيك وما بعد البنيوية ومُنظرو التحليل النفسي بدورهم على مفهوم الحقيقة، وأكدوا أهمية دور اللغة والخطاب في بناء الذاتية، فيما شككوا في تصور الإنسان المستقل، سيد العالم باللغة التي يستعملها. إن فكرة انسجام الأنا ووحدته ليس- بحسبهم- سوى وَهـم. ومن هنا، فإن الأنا النصي حسب النقاد؛ من أمثال: جاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان وبول دي مان، ليس لها علاقة مع أنا المؤلف. وقد انتبه جورج غوسدورف نفسه إلى الوضع الذي أخذت تنحرف إليه السيرة الذاتية مع مفارقة ما بعد الحداثة. فمن جهة، يُعلن عن موت الإنسان، وبالنتيجة عن موت المؤلف باعتباره كذلك: إن مفهوم الإنسان والشخصية والفرد المتمركز عليه بحد ذاته والمسؤول عن أفعاله وحركاته لن يكون إلا شبحا.

إن مقاربات ما بعد الحديث تفترض أن إشكالية التطابق هي، في المقام الأول، لسانية ونصية. ويقوم الفهم النظري على استحالة المطابقة الكُلية، عبر اللغة، بين “أنا” ذات التلفظ و”أنا” ذات الملفوظ، بسبب الصدع الفضائي- الزماني والحدود اللغوية. فالنص السيرذاتي يعرض الحياة ويبني الأنا، وهما معا يتطوران ولا يتشكلان إلا عبر فعل الكتابة، من أجل تحقيق كيان نهائي وتام لم يكن موجودا في البداية. فالأنا ينبثق من هذا النص- الأنا الذي لم يكن واقعا في البداية – يكشف في آخر المطاف عن كونه بناء نصيا، لا علاقة له مع مؤلف النص. وبالنتيجة، تصير كل كتابة للذات تخييلا، مثلما أن كل كتابة للحياة تصير تخييلا، ولا يبقى في المحصلة النهائية سوى الشخصيات على الصفحة، التي بدورها يمكن أن تُفكك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية