شيخ النحاتين العراقيين محمد غني حكمت على سرير الشفاء في العاصمة الأردنية: أعمالي رسالة لكي نحترم تاريخنا القديم!

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: يعيش النحات العراقي محمد غني حكمت منذ سنوات في عمان، عاد قبل أشهر إلى العراق، ولهذا الحوار حكاية تروى، فمن على سرير الشفاء في الغرفة 162 الطابق الثاني من مستشفى الخالدي، حاورت ‘القدس العربي’ الفنان بعد ساعات قليلة من استئصال ‘حصوة’ اختارت كلية الفنان لتسكنها، تواصل على مدار ثلاث ساعات، وكان يمكن أن يستمر لولا نظرة الحب في عيني زوجته، والتي تريد الراحة لزوجها ـ عافاه الله ـ في الحوار الذي تخللته زيارات لأصدقاء الفنان منهم الفنان د.

إبراهيم العبدلي، والناشر صاحب دار ‘الأديب’. توقف الحوار عدة مرات، بسبب بكاء الفنان وتهدج صوته، كلما نطق بكلمة ‘بغداد’. فإلى الحوار الذي أقيم بمناسبة معرضه الذي افتتح في غاليري بنك القاهرة عمان الذي غيبه المرض عن حضوره. معرضي تأجل أكثر من مرة ولكن… * افتتح يوم الاثنين 24 كانون الثاني (يناير) الجاري معرضك ‘فنان من الجيل الجميل’ في غاليري بنك القاهرة، ماذا عن هذا المعرض، وأنت ترقد على سرير الشفاء؟ * هذا المعرض تأجل مرتين لأسباب صحية، ويضم أكثر من 40 لوحة من البرونز مختلفة الأحجام، ومختلفة المواضيع، فأنا لست نحاتا عربيا ‘غير أبالي’. أنا ملتزم أخلاقيا أمام المجتمع، ومجاميع من البشر سواء كانوا عراقيين أو عرباً، وغيرهم. وفي هذا المعرض أتحدث عما يحيط بنا من محن ومن مشكلات أخرى. أتحدث عن تاريخ أمتي، تاريخ شعبي. مواضيعي بالغة الأهمية، وتوجه للآخرين رسالة كي يحترموا تاريخهم القديم.

رغم تحذيرات الأطباء * أطلق عليك لقب ‘شيخ النحاتين’. كيف تشعر إزاء هذا اللقب بعد زهاء سبعة عقود من ممارستك لفن النحت؟* أولا جاء هذا اللقب بسبب من عشقي للفن، وتحديدا فن النحت، وثانيا بسبب أعمالي التراكمية في هذا المجال.

وبصراحة، أنا في نهاية الأمر أشعر أنني حزين، لأنني بقيت وحدي من العنقود، عنقود الفنانين، فرفاقي وجماعتي ذهبوا إلى دار الحق – رحمهم الله ـ ولكنني بقيت مصراً على الاستمرار في العمل، لآخر يوم في عمري، وخاصة الأعمال النصبية الكبيرة، في الساحات والميادين، رغم تحذيرات الأطباء الصحية لي.

العودة إلى بغداد* وأنت العائد إلى بغداد قبل أشهر، بعد غربة دامت لسنوات. ماذا عن مناسبة هذه العودة؟* أنا بغدادي، كرخي، وأحببت مدينتي مثل الآخرين، مثل كثيرين من أهل بغداد وعملت تماثيل تمجد تاريخ العراق، وثقافته وآدابه، من خلال التماثيل، التي عملتها والموجودة الآن في شوارع وساحات بغداد فأصبحت مميزا بالاهتمام بمثل هذه المواضيع، وفي الآونة الأخيرة، اتصل بي الدكتور أمين عاصمة بغداد العيساوي يطلب مني ما لدي من مواضيع جديدة، لإقامة تماثيل جديدة في بغداد، أو نوافير، ودعاني إلى المجيء إلى بغداد بتكريمه الخاص والرسمي، شجعني هذا الأمر أن آخذ معي ما أنجزته من مواضيع عن بغداد، واستقبلني، حسب وعده مشكورا، ووافق على تنفيذ هذه الأعمال الأربعة، وطلب مني اختيار مواقعها في المدينة. وبالفعل قررنا مشتركين الأعمال التي ستنفذ، واخترنا المواقع ولا يزال العمل مستمرا لإنجازها، وهي من مادة البرونز.

نصب جديدة في ميادين بغداد * وما هي المضامين التي ستحملها التماثيل أو النصب المنتقاة؟* أولها يحمل بيت شعر من قصيدة للشاعر الراحل مصطفى جمال الدين، يتغزل في بغداد ‘بغداد ما اشتبكت عليك / إلا ذوت وريق أمرك اخطر’، وسيوضع على نهر دجلة من جهة الكرخ، والثاني يمثل فانوس علاء الدين، كنافورة ستكون في حديقة المخابلة، مقابل المسرح الوطني شارع السعدون، والثالثة تمثال بغداد يمثل مسلة بغداد، وهي من الرخام منحوت عليها أشعار تمجد تاريخ بغداد، مختارات لشعراء محدثين وقدماء، وفوق المسلة تمثال امرأة جالسة تمثل بغداد، سيوضع في شارع الرشيد، والرابع يمثل ختماً اسطوانياً، رمزاً لثقافات العراق القديمة مكتوبا عليه باللغة المسمارية ‘من هنا بدأت الكتابة: هذا الختم الاسطواني مكسور وعلى وشك السقوط، وهناك شخص رمزي ذو خمسة اذرع يحاول أن يسند الختم ويمنعه من السقوط، وسيكون موقعه في مدخل حديقة الزوراء. ولا يزال العمل على تنفيذ النُصب جاريا، لتحويرها إلى مادة البرونز، نعمل جاهدين للانتهاء من انجازها وتقديمها عند افتتاح المؤتمر العربي القادم في نهاية شهر آذار (مارس) 2011. غناء ‘فاخاتي’* بعد غربتك عن بغداد، والعودة لها مؤخرا تحديدا في تشرين الأول (أكتوبر) 2010، كم غبت عنها؟ وكيف شعرت لحظة عناقها؟ * كنت غائباً عنها لست سنوات، بغداد عروس جميلة، تلبس بدلة العرس لكنها متسخة، بكيت وقتها مرتين.. مكثت فيها لشهرين، على فترات متقطعة، أثارني صوت البلابل، ومناغاة بعضها لبعض كأنها اوركسترا سيمفونية من مطلع الصبح، وغناء الحمام ما نسميه ‘فاخاتي’ أثارني، ومنظر النخيل وهدوء بغداد في الليل تأخذك نحو جماليات بغداد، تبقى بغداد جميلة، لا تزال بنايتها وسخة، ولا تزال شوارعها قذرة، لكن هذه مع الوقت سوف تزول… ولا تبقى، إلا بغداد الأصيلة، ويلتقي فنانوها وشعراؤها ومهندسوها ومفكروها. بغداد جوهرة، من أي جهة ٍ نظرت ِ إليها تتلألأ. هي علاقة محبة* بعد كل هذه العلاقة مع النحت، لسبعين عاما وأكثر، كيف تشعر إزاء كتلة النحت؟ * علاقتي طبيعية مع المادة، أو الكتلة التي تشكل المادة الخام لنحتي، إنها علاقة امتنان لهذه المادة التي أشكلها كما أرى، وهي علاقة محبة أيضا، لأنني أحببتها منذ طفولتي ومن الصعب أن استغني عنها حتى آخر يوم في حياتي، لهذا اعتقد أنني سأستمر ورغم كل التحذيرات الصحية. ينحت الشكل في الفضاء * السؤال الذي يراودني دائما، كيف يرى النحات بأم إبداعه، الشكل المنحوت داخل المادة الخام… أقصد ما سيكون عليه النحت لاحقا؟* النحات ينحت الشكل في الفضاء، سواء كانت المادة الخام حجراً أو مرمراً أو برونزاً، فخياله هو التمثال.

شخصيات تستحق التخليد..* بالتأكيد لديك رسالة، وهي ما تتبدى في اختيارك للشخصيات والمواضيع التي تجسدها في منحوتاتك؟* نعم أنا انتخب الشخصيات التاريخية المهمة التي تستحق التخليد في الشارع العربي، ومن اخترت: المتنبي، حمورابي، أبو جعفر المنصور، وشخصيات عديدة تستحق الاحترام، نفذت جميعها وهي شاهدة في فضاءات بغداد.

الأسطورة وأمنيات الإنسان* لكنك تستلهم الأساطير أيضا في أعمالك.. كيف تنتقي الأسطورة وما الذي يغريك بأسطورة دون غيرها؟* نعم، لي اهتمام بالمنحوتات التي تتحدث عن الأساطير، أنا اختار الأسطورة، وأحدد الجوانب الإنسانية فيها، وأحب أكثر الأسطورة التي تتحدث عن أمنيات الإنسان، أو رغبته في القضاء على الشر، وهذه يمثلها تمثال علي بابا والأربعين حرامي وهو موجود في بغداد، لكنني استبعدت تماما شخصية علي بابا، وأبقيت البطولة لجاريته كهرمانة، وهي المرأة الذكية.

كذلك تحدثت عن تمثال الجنية والصياد، وهي تتحدث عن أماني الصياد في الحياة، بأن يأتي له جني وينفذ له ما يريد، فيفتح الجرة وتخرج جنية بدل الجني وتطلب منه أن يتمنى. إنها أمنية أي إنسان، اهتممت ببساط الريح، فجسدته يركبه شخصان، يحاولان التحليق لرؤية العالم واكتشافه وهو موجود عند مدخل مطار بغداد الدولي، أنجزته العام 1980، طوله 20 مترا من النحاس، ولديّ الكثير من الأساطير التي تتحدث عن أفكار وأماني وطموحات الإنسان في هذه الحياة، أنا اختار المواضيع، وأسلوب تجسيدها.

معجب بـ’ ألف ليلة وليلة’ * هذا يشي بعمق اطلاعك، وحبك للقراءة، والإيغال بين صفحات الكتب، فماذا تقرأ؟ وما عنوان آخر كتاب قرأته؟ وما الكتاب الذي تحب إعادة قراءته؟ * اهتمامي كبير بكتب التاريخ والأدب، واهتماماتي هذه تتكامل مع اهتمامات زوجتي فكتبها تكمل كتبي وهي الآثارية المتخصصة بهذا المجال.

آخر ما قرأت كتاب ‘الأفندي والعمامة’ للدكتور فالح عبد الجبار، وتاريخيا أنا معجب بكتاب ‘ألف ليلة وليلة’، لكونه ممتلئاً بالخيال.

ما يهمني بلدي….* بالمناسبة هل يختلف التلقي في الفن بين الإنسان العربي والغربي؟ * الإنسان غير العربي في الخارج يطمح إلى رؤية أعمال جديدة غريبة جميلة تختلف عن رؤيته الشخصية وما يحيط به من فنون لهذا ينتبه لكل ما هو جديد. هناك أعمال فنية تعرض في أوروبا فطبيعي هذا الأوروبي يريد شيئاً جديداً في الشكل والموضوع.

وشخصيا لا فرق لديّ، لا اهتم كثيرا إن كان المتلقي من العرب أو العالم، ما يهمني بلدي، أحب بلدي والعالمية ثالثا ورابعا…. روما علمتني كيف احترم عملي * لنعد إلى روما، وهي المدينة التي درست فيها الفن أواسط الخمسينيات، ماذا عنها.. كيف تستحضرها؟ * حين ذهبت إلى روما، وقتها كانت كل أوروبا خارجة من الحرب العالمية الثانية. كانت تعبة مهدمة، وكان لا يسكن روما إلا أهل روما، وكانت تقاليد الفنون متمسكين بها، فدرست وتدربت على أيادي أساتذة كبار في العمر والتجربة، تعلمت منهم احترام الطين، واحترام الوقت، وهما المادتان المهمتان في العمل الفني. لم تكن في روما آنذاك – بداية شهر شباط (فبراير) من العام 1955- لا سيارات كثيرة ولا ازدحام البشر. روما لأهل روما فقط، كانت مدينة رائعة وممتلئة بالفنون، وأهلها فنانون. علمتني روما لا أن اعمل تمثالا ً لوجه أو تمثالا ً لجسم، لكنها علمتني كيف احترم عملي.

المعارض شاهد الفارق بين الأجيال * كيف ترى الفرق بين الأجيال في المكان والزمان.. في الماضي والآن؟* أجيال.. بلا مبالغة كان تعـبير ‘فنانو جيل’، ينطبق عليهم. كنا فنانين تجمعنا مع بعضنا أسباب عدة، أهمها الثقافة، من خلال المعارض واللقاءات المسرحية، اللقاءات الموسيقية، المعارض التشكيلية، تجمعنا هذه المناسبات وتخلق جو صداقة وتوجِد نوعاً من عدم المنافسة الغير طبيعية، جوّنا كان نظيفاً. الفن جوه نظيف جدا، وكانوا قارئين نهمين… يتابعون الكتب، ويهتمون بالمجلات العالمية، ويتحدثون أكثر من لغة، بشكل عام كانوا ذوي اطلاع واسع، وهذا جعلهم واسعي الأفق، وهذا قلما نجده الآن عند الفنانين الشباب… كانت المعارض القديمة متميّزة، وكانت أسعار أعمال الفنانين حسب الكتالوغات عشرين دينارا عراقيا من لوحات أشهر الفنانين ومنهم فائق حسن وجمال سليم. معارض الفنون الجميلة الآن يضعون فيها أسعاراً ‘تجارية’ تصل نحو آلاف الدنانير، وهذا يظهر الفارق الثقافي بين الأجيال وهو غير ما نراه الآن. سيرة الفنان محمد غني حكمتولد الفنان محمد غني حكمت في بغداد عام 1929. تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1953. حصل على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة روما عام 1959، كما حصل على دبلوم الميداليات من روما 1957، وحصل على الاختصاص في صب البرونز من’فلورنسا 1961. عضو مؤسس في جماعة الزاوية وتجمع البعد الواحد. عضو في جماعة بغداد للفن الحديث وساهم في معارضها. ساهم في معظم المعارض الفنية داخل العراق وخارجه. حاز على جائزة أحسن نحات من مؤسسة كولبنكيان 1964. له مجموعة من التماثيل والنصب والجداريات التي صممها في بغداد: تمثال شهريار وشهرزاد، علي بابا والأربعين حرامي،’حمورابي، جدارية مدينة الطب، تمثال للشاعر أبي الطيب المتنبي.

أقام العديد من المعارض الفنية منها معارض شخصية للنحت في روما سان ريمو، ‘بيروت، ‘لندن، ‘وبغداد، ‘كما له منذ العام 1951 معارض مشتركة ومتجولة خارج العراق من تلك التي أقيمت لجمعية التشكيليين ونقابة الفنانين داخل وخارج العراق، في روما وبيروت وغيرهما. قام بتدريس النحت في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد منذ العام 1962، ‘ساهم في عضوية جمعية أصدقاء الفن في بغداد عام 1952، وفي عضوية جماعة بغداد للفن الحديث منذ العام 1953، وكذلك جماعة بغداد للفن الحديث عام 1953- 1954 مع رسول علوان، ‘شاكر حسن آل سعيد، نزيهة سليم، جواد سليم. عضو جماعة الزاوية عام 1967، عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين منذ تأسيسها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية