عدد من صور المعتقلين في السعودية من بينهم المدون رائف بدوي
لندن – “القدس العربي”:
لفتت الصحافية كاثرين زيوبف الانتباه إلى ضحايا النظام السعودي المجهولين القابعين في السجن. وقالت بمقال بصحيفة “نيويورك تايمز” إن جريمة مقتل جمال خاشقجي ركزت انتباه العالم لسجل السعودية في مجال حقوق الإنسان. وهناك حاجة لتذكر آلاف المعتقلين السعوديين“.
وبدأت بالقول: “في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 قضيت عدة أسابيع لإعداد تقارير صحافية من مدينة جدة، في السعودية. كانت بعد أقل من عامين منذ آخر زيارة لي إلى البلد وعشرة أشهر من وصول الملك سلمان إلى العرش إلا أن المزاج بين الناشطين المحليين والمثقفين كان قاتما بدرجة كبيرة. وفي الليلة الأخيرة لي عرض علي صديقي فهد الفهد، المستشار في مجال التسويق والناشط في مجال حقوق الإنسان أخذي في جولة اعتقد أنها قد تساعد على الكشف عن المناخ الجديد”.
وساق سيارته باتجاه مسجد الجفالي حيث يتم في ساحته تنفيذ أحكام الإعدام وهو المكان الذي جلد فيه الناشط رائف بدوي أمام مئات من الناس. ثم ذهب إلى الصحراء باتجاه قرية ذهبان حيث كانت وزارة الداخلية تبني سجنا ضخما فيها. وقال فهد إن السجن هو لاستيعاب العدد المتزايد من السعوديين الذين يدانون ضمن قوانين مكافحة الإرهاب. وشرح فهد أن هذه القوانين تستخدم في عهد الملك سلمان لسجن الناشطين السلميين. وعلق قائلا:”في كل مرة أسمع فيها صوت جرس الباب أظن أن أحدا جاء لاعتقالي”. وافتتح سجن ذهبان المركزي بعد أسابيع من زيارة الصحافية له ونقل بدوي ومحاميه وليد أبو الخير إليه. وبعد أربعة أشهر حصل الاعتقال الذي كان فهد يمقته وسجن في ذهبان. ويقضي فيه خمسة سنوات بتهمة “التحريض على العدوان ضد الدولة” من خلال “تويتر”. ويشمل الحكم عليه عشرة أعوام حظرا للسفر الذي يتبع الإفراج عنه ومنع دائم عن الكتابة.
نيويورك تايمز: جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) في قنصلية بلاده سلطت الأضواء على ولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد محمد بن سلمان وممارساته القمعية”.
ويشير المقال إلى أن ” جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) في قنصلية بلاده سلطت الأضواء على ولي العهد والحاكم الفعلي للبلاد محمد بن سلمان وممارساته القمعية“. وتحدثت الكاتبة عن موقف الرئيس دونالد ترامب الداعم لولي العهد ومحاولات الكونغرس منع الدعم الأمريكي لحرب اليمن واقتناع أعضاء الكونغرس بعد استماعهم لمديرة المخابرات جينا هاسبل أن ولي العهد يقف وراء مقتل خاشقجي.
وتعلق الكاتبة أن اهتماما قليلا بمصير الناشطين داخل السعودية ومعاملة ولي العهد لهم، والذين لا يملكون القدرات المالية للخروج والعيش في المنفى. وتضيف أن هناك 2.600 معارضا في السجون اليوم بمن فيهم كتاب وصحافيون ومحامون ونساء ناشطات في مجال حقوق الإنسان حسب منظمة “سجناء الضمير”. وتمت إدانة معظمهم بناء على قوانين مكافحة الإرهاب لأنهم مارسوا نشاطات لا عنف مثل “انتقاد البلاط الملكي” أو “التطاول على الشخصيات الدينية”، مضيفة أن قلة من هؤلاء معروفون في العواصم الغربية مثلما كان خاشقجي إلا أن قصصهم ليست أقل أهمية من حالته. ولم تكن السعودية بهذه الصورة.
وبالنظر إليها عن بعد فإن الملوك ربما كانوا متشابهين ولا يمكن تفريقهم عن الحكام الطغاة إلا أن الطريقة التي تم فيها التسامح مع المعارضة كان مختلفا من حاكم لآخر ويعتمد على مزاجه والضغط الذي يتعرض له.
ورغم النقد الذي تعرض له الملك عبدالله من الغرب والهجوم الذي ناله من المحافطين لتشجيعه النقاش العام بشأن الإصلاح إلا أنه بادر في عام 2003 إلى سلسلة من النقاشات العامة والحوارات مع قطاع متنوع من المجتمع السعودي لمناقشة الحلول الممكنة لمشاكل البلاد. وبعد وصوله إلى الحكم عام 2005 منح مئات الألاف من السعوديين منحا للدراسة في الجامعات الأوروبية والأمريكية.
وبحلول عام 2010 كان السعوديون من أكثر المستخدمين لوسائل التواصل الإجتماعي مثل التويتر وفيسبوك والتي استخدموها للدعوة إلى حقوق أكثر وحريات أوسع، خاصة حقوق المرأة. وشعر الحاكم العجوز ومن حوله من المستشارين بالقلق عندما شاهدوا الحكام العرب يتساقطون وتساءلوا إن ذهبوا بعيدا في فتح باب الحرية.
وحاولت الحكومة شراء ولاء المواطنين بإنفاق المليارات على الإسكان وزيادة الرواتب. وسجنت أكثر الناقدين للحكومة مثل محمد فهد القحطاني وعبدالله الحامد ومحمد صالح البجادي الذين أنشأوا جمعية الحقوق السياسية والمدنية السعودية. وبعد وصول الملك سلمان إلى الحكم زادت معدلات القمع والإعدامات التي وصلت لمستويات لم تر منذ عقدين. وجاء هذا التحول نتيجة لتحول مقصود في الخطاب بقيادة الامير محمد الذي أصبح بعد أشهر من تولي والده الحكم مسؤولا عن النفط والسياسة الإقتصادية والقوات المسلحة. وتم التقليل من النقاش العام على وسائل التواصل الإجتماعي. وقلق النقاش الوطني العام عن التقدم إلى الحديث عن التكنولوجيا. واعتبر عدد من المثقفين هذا التحول بأنه عملية لخدمة أهداف خاصة لنيل إعجاب الزوار الغربيين الذين كانوا يخرجون من اللقاءات مع الأمير مادحين له. وبعد أن تقدم ولي العهد بخطته المعروفة “رؤية 2030” والتي أعلن عنها في نيسان (إبريل) 2016 والتي تهدف لتنويع الإقتصاد السعودي أصبح الضغط من أجل إجبار المواطنين والمثقفين على تبني الخط الرسمي أكثر شراسة. وأصبح القمع ضد الناشطين أكثر قسوة. ولم يطل القمع السعوديون الذين لم يوافقوا على خطة ولي العهد بل وقاد الأمير حملة لمكافحة الفساد وقاد بعد ذلك حملة لسجن الناشطين مثل فهد الذين انتقدوا حملة الفساد. وفي نفس الوقت الذي سمحت فيه الحكومة للمرأة بقيادة السيارة شن الأمير حملة ضده الناشطات اللاتي طالبن بحق القيادة. وذكرت منظمة أمنستي أن بعضهن تعرضن للتعذيب.
وخلال عام ونصف من حكم ولي العهد كانت الرسالة واضحة وهي: الأمير يريد السيطرة على الخطاب في البلاد وهو مستعد لكي يقمع بوحشية من يعارضه ومن يتفق معه أيضا، لو حاولوا التعبير عن آرائهم في العلن. وكانت الرسالة التي أراد توصيلها للخارج هي أن الأمير هو الأمل الوحيد ومخلص البلاد وصاحب الرؤية المصر على إجبار مواطنيه المشي إلى المستقبل.
وكشف عن زيف الخطاب الآن، فقد عرى مقتل خاشقجي الناقد اللطيف للحكومة عدم تسامح بن سلمان مع المعارضة. ويجب أن يكون السجناء السياسيون ضمن الحوار كما تقول “حتى ولو لم يكتبوا مقالات رأي في صحفة غربية مؤثرة وحتى لو لم يكونوا ضيوفا على حفلات عشاء في واشنطن ولندن”.
وتقول الكاتبة إن على حلفاء السعودية خاصة الدول الغربية والكونغرس التأكيد على إفراج المملكة عن السجناء السياسيين. وأدت جريمة مقتل خاشقجي لإمساك السعودية متلبسة مما سيزيد من مطالب الإفراج عن هؤلاء المعتقلين. وعلى القادة الغربيين الذين يطالبون بالإنتقام لدم خاشقجي المطالبة بحرية زملاء خاشقجي من المعارضين. وتختم بعبارة محذرة لولي العهد قائلة إن محمد بن سلمان قد لا يعرف أن هوسه بالسيطرة على السعودية والإحتفاظ بصورة المخلص للبلاد سيعرقل من جهوده الإصلاحية. وبإطلاق سراح المعتقلين وتخفيف القيود على حرية التعبير، فلن يحصل ولي العهد على حسن نية وإسكات الدعوات الداعية لمعاقبة المملكة بل سيعيد الرقابة المحلية على السلطة التي ستزيد من فرص نجاح إصلاحاته الإقتصادية والإجتماعية التي يزعم أنه يريد تحقيقها و “صديقي فهم وزملاؤه المعارضون وطنيون مثل خاشقجي لا يريد غير تكريس طاقاتهم ومواهبهم لتقدم بلدهم”.