بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق، صدر كتاب للباحث الإيراني/الأمريكي ولي نصر بعنوان «صحوة الشيعة»، حاول من خلاله الإشارة إلى أن الصعود الشيعي الجديد، سيكون مقدمة لتنافس طائفي على النفوذ في المنطقة؛ وقد فتح كتاب نصر الباب أمام كتابات وترجمات تدور معظم قراءاتها وتحليلاتها تقريبا حول صعود هذا «الغول» الشيعي، الذي استفاق بعيد سقوط نظامي طالبان وصدام حسين، وعبّر عن ظهوره السياسي عبر ميليشيات محلية أخذت تجول في شوارع بغداد أو بيروت، لتمارس أشكالا من العنف؛ تارة بالسيطرة على مؤسساتها الحيوية، كما حدث في بيروت من قبل حزب الله، أو بإجراء تغيير ديموغرافي ومناطق شيعية صافية في بغداد، مثلما بين ذلك ديبورا أموس في كتابه «أفول أهل السنة».
أخرج هذا التوتر، بالإضافة إلى اشتعال الربيع العربي لاحقا ومشاركة ميليشيات إيرانية في هذه الحرائق، الأمور من عقالها، ما انعكس بشكل سلبي على أي نوايا أو رغبة لقراءة تاريخ العالم الشيعي وتنوعه الاجتماعي والديني وحتى الإثني. فغابت، شيئا فشيئا صورة التنوع في هذا العالم لصالح صورة نمطية عن هذا العالم مصبوغة باللون الإيراني وأذرعها في المنطقة. وربما لو حاولنا إعداد بيبلوغرافيا حول ما نشر عن الشيعة وباقي فروعها قبيل الربيع العربي وبعده (إذا استثنيا مركز الحضارة ذات التوجه الأيديولوجي والمفيد أحيانا على صعيد بعض الدراسات) نجد أن غالبية الكتابات في السنوات الأخيرة انشغلت بالشق السياسي أو بالتحذير من القوس الشيعي، أو تلك التي تتحدث عن تفاهمات أمريكية إيرانية تجاه الوضع في المنطقة. في حين لم نعد نعثر على قراءات لهذا العالم من الداخل ولورثة بردة النبي مع اليومي والحداثة والاستراتيجيات البديلة التي تعتمدها النساء داخل حدائق الأحزان، وفق تعبير آصف بيات.

ويمكن، في هذا السياق، الإشارة إلى بعض الكتب والترجمات، بالأخص التي حاولت دراسة قلب العالم الشيعي (إيران) على صعيد إسلامه وتحول المجتمع ورمزية سراويل الجينز التي أخذ يرتديها الشباب الإيراني مثل كتاب «إيران الثورة الخفية» للباحث الفرنسي تتيري كوفيل. ولا غنى هنا عن ذكر بعض الدراسات المحلية اللبنانية، وفي مقدمتها جهود السوسيولوجي وضاح شرارة. كذلك يمكن أن نشير هنا للكتاب الأخير المترجم حديثا للعربية عن سيرة السوسيولوجي والمنظر الإسلامي الإيراني الراحل علي شريعتي (وستكون لنا عودة اليه) أو بعض الترجمات التي أصدرتها دار المدى عن الإسماعيليين للباحث الأمريكي في جامعة شيكاغو بول ووكر، وكذلك الدراسات التي أصدرتها دار الساقي عن الإسماعيليين وتجربة الجماعات الشيعية في العالم العربي، بالتعاون مع معهد الدراسات الإسماعيلية التابع لمؤسسة أغا خان في بريطانيا، التي يحسب لها في العقود الفائتة أنها استطاعت أن تؤسس لمختبر بحثي جاد حول الشيعة وفروعها (إسماعيليين وعلويين وزيديين) ضم عددا من الباحثين الغربيين أمثال أديت زانتو وفرهارد دفتري وشاينول جيوا وذو الفقار هيرجي وغيرهم من الكتاب. وغالبا ما انطلق هؤلاء الباحثون من فكرة أن السردية الشيعية بقيت سردية هامشية مقارنة بسرديات السنة، من هنا حاولوا إعادة الاعتبار لهذه السردية وتفكيكها، وأيضا تجاوز الديني لصالح مقاربات تعنى باليومي والفنون والعمارة، وعدم الاقتصار على دراسة شيعة إيران، بل تجاوز ذلك لدراسة الشيعة في باكستان وأذربيجان وكندا وإفريقيا، ما مكنهم من رسم خريطة أكثر تنوعا ومعرفة عن الجوانب الاجتماعية والثقافية وتنوعها داخل هذا العالم.
يرى دوغلاس أن وظيفة الإمام قد توقعت، أو ربما استدعت ظهور المفهوم الصوفي للشيخ الذي يستمد الهداية التلقينية الفردية من حكمة النبي.
مؤخرا وفي سياق استمرار التعاون بين مؤسسة معهد الدراسات الإسماعيلية ودار الساقي اللندنية، قامت الأخيرة بإصدار كتاب بعنوان «العالم الشيعي: طرائق في التقليد والحداثة». وكان الكتاب قد صدر بالإنكليزية سنة 2015، أشرف على تحريره كل من فرهارد دفتري، أمين صاجو، شاينول جيوا، الذين أشاروا في عتبته إلى أن الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية ذات الصلة بالعالم الشيعي لا تزال في المهد. من هنا فقد حاولوا أن لا تقتصر الدراسات على دراسة أصول الشيعة وتطور خطابهم، ومفاهيم السلطة والحكم في الفترات المبكرة، ولاحقا مع الفاطميين والصفويين، بل حاولوا من خلال الأوراق المنشورة اصطحابنا في رحلة معرفية شيقة، تعبر بنا من العتبات المقدسة إلى عوالم الفنون والموسيقى والعمارة وصراع الهويات ودور النساء اليوم في هذا العالم، بالإضافة إلى التعريف بالوجود الشيعي في أمريكا وأوروبا وتأثيرات الارتحال على معتقداته وقناعاته حيال الآخر.
تتناول الفصول الثلاثة الأولى روايات تأسيس الإسلام الشيعي، وتحت عنوان «الإمام جعفر الصادق ونشأة المذهب الشيعي» يحاول كريم دوغلاس كراو تتبع تراث جعفر الصادق.
فقد شهد الصادق اندحار الأسرة الأموية الحاكمة وسقوطها على يد الثورة العباسية سنة 750؛ لم يوقف ذلك من اضطهاد الشيعة، بل تواصل خلال عهود أوائل العباسيين وجلب بحثا عن الذات وإعادة تفكير داخل قيادة أهل البيت. وقد قدم ذلك الفرصة للصادق لكي يعيد توجيه طاقات المتحزبين الناشطين باتجاه التطبيق العملي والديني والفقهي والأخلاقي الأكثر توجها نحو الداخل، إذ استطاع غرس فكرة أن المسؤولية الأساسية في صياغة عقيدة الولاية للائمة تعود لأهل البيت. وقد أدى هذا الأمر لاحقا إلى تمسك الشيعة عموما بالاعتقاد بأن الهداية الصحيحة تتطلب حضورا لإمام مختار إلهيا من أهل البيت، الذي يفسر القرآن لأتباعه بصورة موثوقة كالحجة. وبهذا الخصوص، يرى دوغلاس أن وظيفة الإمام قد توقعت، أو ربما استدعت ظهور المفهوم الصوفي للشيخ الذي يستمد الهداية التلقينية الفردية من حكمة النبي. فسلاسل التلقين الروحي بالنسبة إلى عدد من الطرق الصوفية، السنية والشيعية على حد سواء، تسمي الصادق كناقل لتطبيقات عملية موثوقة عن النبي عبر علي والمثال البارز على ذلك هو الطريقة النقشبندية، وهي طريقة سنية لها أتباعها المنتشرون في الشرق الأوسط وجنوب ووسط آسيا وجنوب شرق آسيا.
تذكر فاطمة وزينب: إعادة رسم خطوط الجندر
حاولت الفصول اللاحقة من الكتاب تناول الجانب الثقافي داخل العالم الشيعي، فركزت على دراسة الفنون والعمارة وشتات الشيعية والعبادات والموسيقى والسينما والجندر.
في فصل بعنوان تذكر «فاطمة وزينب، النوع الاجتماعي أو الجندرة في المنظور» ينظر زين قاسم/ كاليفورنيا، وبريجيت بلومفيلد/ جامعة نبراسكا في رمزية صورة فاطمة وابنتها بعيد الثورة الإسلامية في إيران 1979. أن ميراث فاطمة وزينب نجده مرئيا في ما يتصل بالثورة؛ وقد تصور علي شريعتي، منظر الثورة الإسلامية، فاطمة مشخصة لذاتها وليست بصفتها ذات أهمية ذرائعية بحكم علاقتها بوالدها النبي محمد وبزوجها علي وبولديها الحسن والحسين. ويرى شريعتي أن زينب تبرز كمثال يحتذى في الشجاعة والصبر والثبات إضافة إلى الإيمان والتقوى «عندما رأت زينب أن الثورة قد بدأت، تركت عائلتها وزوجها وأولادها وانضمت إلى الثورة. وهي لم تنضم إليها كونها شقيقة الحسين، قائد هذه الثورة. لقد فعلت ذلك بسبب مسؤوليتها والتزامها تجاه مجتمعها ودينها وربها. وعندما رأت صراعا وثورة قد بدأتا ضد نظام مستبد، انضمت إلى الثورة ووقفت إلى جانب شقيقها الحسين في جميع مراحل تلك الأيام الصعبة، ثم حملت راية استمرارية ثورة كربلاء… ونثرت بذور الثورة في كل مكان دخلت إليه». أصبحت زينب بالنسبة إلى الإيرانيين المؤيدين لأدوار كبرى للنساء في المجال العام بعد الثورة حاملة مشعل بسبب خطابها وجهرها بالكلام في وجه الظلم، بيد أنه في الوقت نفسه استُغِلت ذكراها في تشكيل مجموعة وصاية سيئة السمعة تدعى «بنات زينب» من أجل فرض نظام اللباس المعهود على النساء.
إعادة تمثل ما جرى في كربلاء سنويا في كل مكان يجتمع فيه اثنا عشريون لأداء شعائر محرم، يجعل من فاطمة وزينب في الشعائر بالنسبة إلى الجماعات الشيعية المعاصرة، أمرا يفرض نموذجا قويا كي تحاكيه النساء في كل مجال من مجالات حياتهن.
إن إعادة تمثل ما جرى في كربلاء سنويا في كل مكان يجتمع فيه اثنا عشريون لأداء شعائر محرم، يجعل من فاطمة وزينب في الشعائر بالنسبة إلى الجماعات الشيعية المعاصرة، أمرا يفرض نموذجا قويا كي تحاكيه النساء في كل مجال من مجالات حياتهن. وترى لارا ديب في ما يتصل بشعائر عاشوراء اللبنانية أن ضم النساء في احتفالات عاشوراء كمشاركات فاعلات في المسيرات، وإعادة صياغة زينب وإبرازها في دور مثالي نموذجي بالنسبة إلى النساء.. حدث في جزء منه كوعي ذاتي، ومثل مشاركة فعالة في النقاشات والجدل حول الإسلام والجندر، وحالة الحداثة الممتدة خارج حدود الشيعة ولبنان.. فالنساء يستخدمن مثال السيدة زينب كناشط قوي ومتعاطف يجهر بالقول من أجل توسيع حدود ما هو مقبول ومتوقع للنساء الشيعيات اللبنانيات التقيات.
عمارة وموسيقى العالم الشيعي
وعلى صعيد تعريف الفن الشيعي حاول جوناثان بلوم استكشاف الفن الشيعي من زوايا متعددة وفي حقب متنوعة، فقدم مسحا شاملا لبعض المنشآت المعمارية التي أمر ببنائها حكام شيعة، ومنها جامع الأزهر المشيد في القاهرة زمن الفاطميين. مع أن الشيعة كانوا حاضرين في كل المجتمعات المسلمة المفترضة عبر التاريخ، ومع أن أفرادا من الشيعة كانوا مشاركين بلا شك في إنتاح أعمال فنية محددة، فإنهم لعبوا أدوارا مهمة في الإنتاج الفني بصورة أساسية خلال الفترات عندما سمحت لهم ظروفهم وسيطرتهم السياسية بالإنتاج الفني. فلم تكن هناك فرصة حقيقية للفن الشيعي قبل ظهور مختلف السلالات الشيعية الحاكمة. ولاسيما الفاطميين شمال إفريقيا ومصر والبويهيين في العراق وإيران خلال القرن العاشر، وهي حقبة يطلق عليها أحيانا تسمية «القرن الشيعي» لأن الشيعية بدت في تلك الفترة في الصعود في عدة مناطق في الآن نفسه.
أكثرية الأشعار المغناة في احتفالات المدوح في بدخشان تعود إلى الرومي، ويتضمن أيضا الكثير من الشعر المنحول ويعكس التنوع الواسع في محتوى الأغاني تنوع العالم الشيعي وتبدله وفقا للمناطق الجغرافية والإثنية.
وجاء إعلان الإمامة الفاطمية في شمال إفريقيا أوائل القرن العاشر ليوفر أول فرصة حقيقية لعمارة وفن شيعيين معلنين بوضوح، إلا أن الحكام الفاطميين الأوائل لم يهتموا ببناء القبور والأضرحة وجوامعهم الباقية تظهر قبولهم التام بتبني أشكال محلية من العمارة في شمال إفريقيا مع بعض التعديلات التي توحي بوجود القليل من الشيعة في عمارتهم. وعلى سبيل المثال، الجامع الأول في المهدية على الساحل التونسي، كان إلى حد كبير نسخة مصغرة عن جامع مجاور في القيروان من المقاومة المالكية للحكم الفاطمي. ومع أن معماريي الفاطميين قلدوا بناء جامع القيروان بتفاصيله، فإنهم استبدلوا البرج الضخم المقابل للمحراب ببوابة بارزة فخمة، ربما لأن الشيعة في تلك الفترة لم يكونوا قد وافقوا على بناء المآذن بعد واستندوا في هذه الحالة إلى حديث لعلي يقول إن الأذان للصلاة يجب ألا يكون من مكان أعلى من سطح المسجد.
ويرى بلوم أن وجود البوابة البارزة التي هي سمة جديدة في العمارة الإسلامية ربما قاد المشاهدين العصريين، ولا سيما أولئك الذين هم على معرفة بالحديث الشيعي إلى تذكر الحديث النبوي «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، وربما وجد هذا التفسير دعما له لو كان منقوشا على الباب لكن ما يثير الحيرة هو غياب أي نقوش فاطمية باقية في هذا المسجد، رغم وجود مساحات فارغة لها على الباب، إذ أن النقوش كانت ستصبح علامة فارقة في العمارة الفاطمية اللاحقة. وعلى صعيد الموسيقى، يسلط ويليام سوميتس الضوء على التنوع الموسيقي للعالم الشيعي بالتركيز على بعض الأجناس والأساليب الفنية لفرقة بدخشان في طاجيكستان؛ ينتمي أفرادها إلى الفرع الإسماعيلي ويحتفظون بعدد من الأنواع الموسيقية المميزة، التي ارتبطت بممارسات الجماعة ومعتقداتها. ومن أهم هذه الأشكال: الفلك واللالاي والمدوح. وتقليد المدوح في بدخشان متميز عن بقية التقاليد التي تحمل الاسم نفسه في الشرق الأوسط الكبير. في معظم بلدان العالم العربي على سبيل المثال يشير المديح إلى جنس من الشعر يقال في مدح النبي محمد وتقريظه، خاصة خلال احتفالات الموالد التي تقام بمناسبة مولد النبي، لكن أداء المدوح في بدخشان يتضمن صلوات تتخللها آيات قرآنية وأشعار في مدح النبي وآل بيته، في الوقت الذي تنبه فيه بشدة على الإرث الكلاسيكي للشعر الفارسي الطاجيكي الصوفي. لكن أكثرية الأشعار المغناة في احتفالات المدوح في بدخشان تعود إلى الرومي، ويتضمن أيضا الكثير من الشعر المنحول ويعكس التنوع الواسع في محتوى الأغاني تنوع العالم الشيعي وتبدله وفقا للمناطق الجغرافية والإثنية.
٭ كاتب سوري