ثوار مصر يصدرون حكمهم: لا مبارك ولا سليمان مش عايزين عميل كمان

حجم الخط
0

زهرة مرعي

انهارت كافة مظاهر الدولة في مصر خلال أيام، حتى تلك الشرطة ‘الأمن المركزي’ التي استأسدت على المتظاهرين في الأيام الثلاثة الأولى انهارت، بل تبخرت كما قال أحد مراسلي الجزيرة من السويس. قتلت الشرطة العشرات من المتظاهرين، وتراجعت إلى الخلف لتحمل صفة ‘بلطجية وحرامية’. فبعد يوم الجمعة المجيد، الذي أغلقت فيه وزارة الداخلية عدداً من المساجد بحجة أنها ‘تحت التصليح’، وأغلقت فيه الدولة بكامل طاقمها المتهاوي منافذ التواصل بين مصر والعالم من هاتف محمول، إلى فيسبوك وتويتر، ومنافذ التواصل بين الشبان الثائرين، وصولاً إلى التحكم بالبث التلفزيوني إلى خارج مصر، من خلال النيل سات، جرى تحول كبير في الشارع المصري. هو تحول عميق في المشهد السياسي، وفي المشهد الشعبي، وفي المشهد الأمني. نحن العاشقون لمصر البهية، تتبعناها من بعيد متنقلين عبر الأقنية الفضائية من الجزيرة إلى العربية إلى بي بي سي إلى الفضائية المصرية ومن ثم دريم والحياة. حاولنا جاهدين التوصل الى النبأ الصحيح، وقراءته ما بين هذه القناة وتلك، ومعرفة توجهات واهتمامات هذا الأثير وذاك.

في المشهد السياسي المصري يبدو أن الجميع بات على قناعة بأن حسني مبارك أعد العدة من حوله، راسماً لنفسه وخلال وقت قصير جداً سيناريو يتيح له أن يغرب عن وجه شعب مصر، بعد أن التصق بالكرسي لـ30 سنة. يعرف أن الرحيل مصيره، لكن قلبه ‘على مصر’ لذلك أراد تركها في عهدة عمر سليمان، فكلفه بمركز نائب الرئيس. الرئيس اعترف بعد 30 سنة بضرورة أن يكون له نائب. لكن التعيين جاء متأخرا، والشعب قال كلمته بحق سليمان وأصدر له شهادة ‘حسن سلوك’ من ميدان التحرير في القاهرة، ومن بقية الميادين في مختلف المحافظات. والشهادة تقول بالحرف: ‘لا مبارك ولا سليمان مش عايزين عميل كمان’. أما الشهادة الأكثر سطوعاً بحق سليمان فكانت من البنتاغون الأمريكي ومفادها الترحيب وتحديد القدرة على التعاون معه كرجل. وفي الحقيقة ليس لنا سوى القول لأهل البنتاغون: ‘تعيشوا إنتو’. أو ‘يا رايحين الحج والناس راجعين’. فالناس هي التي تحدد بحناجرها مواقع وأسماء المسؤولين، وليس رضا أو عدم رضا البنتاغون.

المشهد التلفزيوني كان مرتبكاً يوم الجمعة نتيجة تعطيل شبكة الهاتف المحمول كما سبق القول، لهذا تحول الضغط على الشبكة الأرضية. وكانت الصور المباشرة للمظاهرات تأتينا بعد وقت. ولم تكن صورة الشارع تصلنا عبر عنوان محدد، فمراسل العربية يتحدث من السويس أو الإسماعلية أو الإسكندرية، والمشهد على الشاشة من مكان آخر، وكذلك كان الأمر مع بقية المراسلين وبقية الشاشات.

وفي يوم الجمعة المجيد أيضاً تعرضت قناة الجزيرة لقطع خطوطها الأرضية، عدا عن تعرض الزميل أحمد منصور للاعتداء من الشرطة المصرية، قبل أن تتبعثر في المساء لتصبح مجموعات من الحرامية وفي كل المحافظات، لكن الاستنفار على مختلف خطوط مراسلي الجزيرة كان في حده الأقصى ترقباً لما سيجري بعد صلاة الجمعة. كانت الجزيرة سباقة في التقاط حالة الشارع واحتقانه التدريجي، وتفاعل وتمدد حركة المظاهرات في مختلف الميادين والمحافظات، وبروز الصورة كاملة في حدود بعد الظهر مباشرة، لكن في هذه الأثناء كان الوضع لا يزال هادئاً على قناة العربية، وكانت استضافاتها لبعض مؤيدي النظام تصف المتظاهرين بالمرتزقة وجماعة الأخوان، فيما استفاضت مراسلتها من القاهرة وقريباً من مبنى ماسبيرو بالتحليلات. أما مراسل بي بي سي من القاهرة أسدالله الصاوي فقد نال نصيبه من العنف الدامي، وعاد بعدها للإطلالة على الهواء بملابس ملطخة بالدماء ورأس مضّمد بعد ان ضُرب من قبل الأمن المركزي. ويُشهد لبي بي سي أنها في مكتبها في لندن وفي يومي الجمعة والسبت فتحت هواءها لاستضافة الشباب المصري الموجود هناك للدراسة، وهو في الحقيقة أثبت أنه لا يقل حماسا ورغبة في التغيير عن الشباب الذين ملأوا مختلف ساحات مصر. وفي هذا اليوم كثر ورود الخبر العاجل على تلك القنوات الفضائية غير المصرية. أما القناة الفضائية المصرية فكانت في بث مباشر من الشارع حيناً، وأحياناً في تواصل مع الناس في منازلهم للإيحاء بأن الحياة عادية جداً، في حين كانت دريم تبث في مسائها حواراً مسجلاً مع عماد الدين أديب، واما قناة الحياة فشغلت نفسها عن الموقف بفيلم مصري. أما الخبر العاجل الأهم فكان توقع كلمة لحسني مبارك بدأ شريطاً في حدود الخامسة عصراً. لكن ‘سيادتو’ خرج عن صمته في الواحدة من فجر السبت، ويا ليته بقي صامتاً. فقد أتى جوابه على طلب رحيله بترحيل الحكومة.

مشهد يوم السبت في صباحه ومسائه اختلف كلياً. الثورة لم تغادر الشارع. الشباب في ميدان التحرير سهروا مع الجيش الذي قدم لهم الطعام. كتبوا شعاراتهم على آليات الجيش. فبات مشهداً ولا أجمل، أن ترى آلية تتحرك في الشارع وتحمل معها شعار: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، أو ‘مبارك إرحل عنا’، أو أن ترى المتظاهرين وقد أخفوا تماماً الآلية بأجسادهم، منهم من اعتلاها مع أفراد الجيش ومنهم من أحاط بها.

في مشهد يوم السبت كانت الجزيرة رغم عدم خصوبة مشهد الشارع نتيجة منع البث المباشر على ما يبدو للصور، أو تأخره كثيراً، إنما كانت تنقل نبض الشارع من كافة المحافظات وعبر فريق مراسليها، ورغم الارتباك الكبير في الوضع الأمني، شاهدنا في المظاهرات فتيات ونساء كثرا وجميعهن يهتفن برحيل النظام. وقد سادت بين المتظاهرين وجود الكمامة كوقاية من قنابل الغاز المسيل للدموع، التي استخدمت بكثرة ضدهم. لكن زعران الداخلية في يوم السبت كانوا قد تحولوا لحرامية. بشكل عام فإن عملية التجميل الموضعية التي ارادها حسني مبارك لنظامه المتهاوي لم تنفع. كانت الجزيرة مشغولة بقراءة الواقع على الأرض مع محللين مصريين وجدوا أن رحيل مبارك بات وشيكاً. كما انشغلت بإحصاء الضحايا والشهداء الذين خلفتهم قوات الشرطة في يوم الجمعة الدامي. أما العربية ودريم والحياة فكانت جميعها قد فتحت الهواء لاستغاثات المواطنين الذين طالبوا بالأمن وشكوا من وجود الحرامية والبلطجية. منى الشاذلي بدأت ساعتها ‘الـ10 مساء’ قبل موعدها. تواصلت مع المواطنين في شكواهم. وهي بدورها اشتكت ‘حتى أمن الحياة بقا مسؤوليتنا الذاتية’. وهي أي منى أرسلت تطميناً لشعب مصر بأن ‘السيد علاء والسيد جمال’ لم يغادرا مصر بخلاف بعض الأخبار. فقد كان الشعب في قلق فائض عليهما. أما الصور عن المشهد الخارجي في مصر فقد غابت عن دريم، كذلك عن قناة الحياة التي فتحت هواءها لما يشبه العزاء، ومن ثم أتبعته بشريط سياحي جميل عن مصر مترافقاً مع أغنية شادية ‘يا حبيبتي يا مصر’. أما القناة الفضائية المصرية في المساء فتسمرت صورتها على مشهد ليلي تتلألأ فيه الأضواء على مياه النيل. لم نر وجه المذيعة التي كانت تردد ‘الدولة كانت في حالة فوضى. الجميع الآن بيتماسك.’ أما الهواء فكان مفتوحاً للتواصل مع الناس ومحاولة الاستماع إلى شكاواهم. باختصار يمكننا وبكل راحة ضمير أن نتلو صلاة الغائب على روح الفضائية المصرية. فهي كانت قياساً للأحداث تمارس وظيفتها الإعلامية على طريقة ‘تعيشوا إنتوا’ إنما من دون تصريح ومن دون ‘شوشرة’. والفضائية المصرية في اليوم الخامس لثورة الشعب المصري كأنها غير موجودة. وهكذا فعل قادة الحزب الوطني الذي كان حاكماً حتى يوم الجمعة ظهراً. فقد قال أحد مراسلي العربية بالحرف: لم أجد من يلبي الدعوة للحوار معنا من الحزب الوطني. ربما هم متريثون. ونحن نقول للزميل في العربية بأن عليه قطع الشك باليقين بأن التريث تحول إلى صمت وحتى أجل طويل جداً ولم يعد هناك حزب حاكم.

من تونس إلى مصر إلى الدول العربية كافة ‘المرعوبة من شبح التغيير’، بهمة شباب الأمة العربية التي ‘ظن الحكام انها ماتت’، سنتابع التغيير تلو الآخر وعلى الشاشات مباشرة. فاستعدوا أيها المشاهدون لمزيد من المسلسلات التي تحمل عنوان ثورة تونس، ثورة مصر، والثورات بحثاً عن الحرية حمى تنتقل بالهواء. من بيروت إلى القاهرة الصحافة مستهدفةفي يوم الغضب الذي نظمه ‘تيار المستقبل’ في لبنان الأسبوع الماضي نتيجة لخسارة سعد الحريري موقع رئاسة الحكومة، التهب الشارع الموالي في أكثر من منطقة، ونزل ‘المستقبليون’ المستنكرون إلى الشوارع فداء لسعد. كان المشهد البارز الذي نقلته كافة وكالات الأنباء من طرابلس هو سيارة البث المباشر لقناة الجزيرة وقد تحولت لهدف تسلقه ‘الغاضبون’ وراحوا يمعنون به اعتداء وضرباً وهزاً، ومن ثم حرقاً. ما لم يعرفه المشاهدون على امتداد العالم أن زميلاً بقي داخل السيارة رافضاً التخلي عن مسؤوليته حيالها. وكانت حياته مهددة بالخطر في كل لحظة، لكنه اقتنع بمغادرتها في آخر لحظة لتكون بعهدة ‘المستقبليين’ فأضرموا فيها النيران. مع العلم بأن فريق الجزيرة إلى طرابلس كان فيه اثنان ‘مناصران’ لـ’المستقبليين’ بحسب ما علمنا. وعلى بعد خطوات من حيث احترقت سيارة البث المباشر، وفي مبنى قريب حوصر مراسل تلفزيون ‘الجديد’ الطرابلسي الانتماء والهوية ومراسلو الجزيرة وعمد ‘الغاضبون’ الى إشعال النار في المبنى. لكن العناية الإلهية ومجازفة رجال المخابرات في الجيش اللبناني هي التي أنقذتهم بأعجوبة.

لم تكن هذه فقط عطايا المستقبليين في يوم الغضب، فهم كانوا يسألون عن مراسلي ‘الجديد’ طلباً للاقتصاص منهم على بثهم ‘حقيقة ليكس’ وغيرها، وفي كل الأماكن. وسألوا عن مراسلي أن بي أن. لذلك كان الكل يداري نفسه من ذاك الغضب ‘المستقبلي الساطع’ جداً. ومن أجل كل هذه الممارسات تداعى أهل الإعلام لاعتصام في نقابة الصحافة، أكدت خلاله نقابة المحررين أنها ستشهر بكل من يعتدي على الصحافين في لبنان.

غسان بن جدو مدير مكتب الجزيرة في بيروت وصف ما حدث بالحفلة الهمجية. وأكد بأن الجزيرة سترفع شكوى قضائية ضد كل من خطط وحرّض ونفذ. فحياة الزملاء كانت في خطر محدق. أما تلفزيون الجديد فقد أعد في الليلة نفسها تقريراً يثبت ما يجاهر به كثيرون بأن ‘دم مراسلي الجديد مهدور’. وقد بينوا ذلك بالصورة والوقائع والتواريخ.

إذا هي مواجهة الإعلام في لبنان مع غضب الشارع عليه أو على بعضه.

صحافية من لبنان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية