مظهر مارتن غريفيث لا يترك أي مجال للخطأ. الشعر الأبيض للدبلوماسي القديم ابن الـ 67 سنة وبدلته الأنيقة يعطيان هالة من الاحترام لدبلوماسي من الجيل القديم. غريفيث الذي عين في شهر شباط الماضي في وظيفة غير ممكنة ـ مندوب الأمم المتحدة لشؤون اليمن ـ سبق وعمل في عدد كبير من النزاعات في العالم بدون نجاح كبير. أيضاً الآن، بعد أسبوع من اللقاءات مع ممثلي النظام ومع المتمردين الحوثيين في مدينة ديمبو في السويد، فإنه يعترف أن هذه الوظيفة ليست جولة سعيدة في الغابة. الحوثيون لا يثقون به لأنه رجل وزارة الخارجية البريطانية السابق ـ وما زال مرتبطاً بها بشكل جيد. بناء على ذلك فإنه يمثل في نظرهم دولة عظمى تبيع السلاح للسعوديين الذين يقتلونهم دون تمييز. الحكومة اليمنية في المقابل تخاف من أن يكون غريفيث متساهلاً أكثر من اللازم مع الحوثيين، وأن يعرض عليهم مطالب غير محتملة.
رغم ذلك، أمس، أعلن السكرتير العام للأمم المتحدة، غوتريش أن الحوثيين والحكومة وافقوا على وقف إطلاق النار في مدينة الميناء الاستراتيجية الحديدة. أيضاً سُجل لغريفيث إنجازان في هذه الاتصالات: هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها الطرفان بعد قطيعة استمرت سنتين تقريباً، ونجح في عقد اتفاق لتبادل الأسرى بين الطرفين، من شأنه أن ينفذ في الأيام القريبة المقبلة. الحوثيون يحتجزون لديهم نحو 8 آلاف أسير من بينهم شقيق الرئيس عبد ربه منصور هادي، ووزير الدفاع السابق محمود الصبيحي، وشخصية كبيرة في حزب «الإصلاح» الذي يسيطر على جنوب اليمن. في أيدي الحكومة يوجد حوالي 7500 أسير حوثي اعتقلوا في السنوات الأربع الماضية.
الطرفان يتحدثان عن تعذيب شديد استخدم ضد الأسرى في السجون السرية، ومؤخراً نشرت وكالة «إي.بي» تحقيقاً مطولاً تحدث فيه أسرى يمنيون عن التعذيب الذي مروا به، ويشمل التعليق من الأطراف على مدى أيام، ومنع الطعام والنوم، والضرب بالعصي، والتهديد بالاغتصاب وحتى عن موت أسرى. وصف مشابه جاء أيضاً من أسرى حوثيين في سجون الحكومة، حيث يتعامل فيها السجانون مع الأسرى على اعتبار أنهم أشخاص يستحقون الموت وجديرون بالتعذيب.
الطرفان يدعيان أن عدد الأسرى الذين سيتم تبادلهم أقل بكثير من العدد الحقيقي. منظمة «أمهات المخطوفين» التي تأسست في اليمن نجحت في توثيق 18 ألف حالة اعتقال، بينها حوالي ألف وقعوا ضحايا للتعذيب الذي حدث في أكثر من 30 موقعاً سرياً.
وضع الأسرى هو جزء بسيط من المأساة التي يمر بها 29 مليون مواطن يمني ـ «التراجيديا الإنسانية الأكبر»، حسب الأمم المتحدة. أكثر من 10 آلاف قتلوا في هذه الحرب الطويلة، و40 ـ 50 ألفاً ماتوا من الأمراض والجوع. مقارنة مع سوريا، التي قتل فيها حسب الاحصائيات الأخيرة 560 ألف إنسان، في اليمن الجوع هو العدو الأخطر، و20 مليون شخص تقريباً يعانون منه. أيضاً في فترات القتال الأصعب، نجح سكان في الحصول على مساعدات إنسانية، لكن في اليمن الطرق مغلقة أمام قوافل المساعدة.
الميناء الأهم في الدولة، ميناء الحديدة، الذي من خلاله يتوقع مرور 90 في المئة من إجمالي المساعدات، يسيطر عليه المتمردون. في جزء من مدينة الحديدة التي يعيش فيها 600 ألف شخص، تسيطر قوات التحالف العربي. من الشمال لا توجد طرق انتقال آمنة لقوافل المساعدات، أما في الجنوب الذي تسيطر قوات الحكومة والتحالف على جزء منه، وعلى الجزء الآخر رجال القاعدة، لا يوجد نقل لإرساليات الغذاء والدواء للمحاصرين في الشمال.
إذا كان العناق الذي تم تبادله بين الطرفين عند التوقيع على الاتفاق سيترجم فعلياً إلى أفعال (إذا كان وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه أمس سينفذ بالفعل) ـ فذلك سيكون بداية متفائلة لمعركة دبلوماسية طويلة ومعقدة، التي يمكن في هذه المرحلة أن تستمر حتى 14 كانون الأول وتتجدد في بداية السنة المقبلة. الطموح الآن هو الموافقة على فتح مطار صنعاء والتوصل إلى اتفاق سيطرة مشتركة على ميناء الحديدة باشراف الأمم المتحدة، من أجل السماح على الأقل بتدفق إرساليات المساعدات للمواطنين.
أمام الخطوات الدبلوماسية يقف سور سياسي حصين من شأنه أيضاً في هذه المرة صد جهود المصالحة. الحرب في اليمن تطورت من صراع قبلي ـ ديني بين الطائفة الزيدية للشيعة (بقيادة عائلة الحوثي) التي تمثل حوالي 40 في المئة من إجمالي عدد السكان، وبين النظام السني ـ وأصبح ساحة دولية. هذه ليست بالضرورة حرب دينية: الحوثي والقبائل التي انضمت إليه في شمال اليمن طلبوا المساواة في الحقوق السياسية والاقتصادية حسب نسبتهم من بين السكان. طلبهم يشبه بالأساس قبائل الجنوب، السنية في معظمها، التي طالبت بنصيبها من مدخولات النفط الذي معظم آباره تقع في جنوب الدولة. بصورة نظرية كان يمكن خلق تحالف المضطهدين ـ الجنوبيين والشماليين، سنة وزيديين ـ من النوع المسؤول عن ثورة الربيع العربي في العام 2011، التي أدت إلى عزل الرئيس الأبدي علي عبد الله صالح. الرئيس المعزول الذي أدار حرباً عنيفة ضد الحوثيين قبل الثورة، غير موقعه ـ وبعد عزله انضم إلى قيادة الحوثيين من أجل أن يعيد السلطة لنفسه. في كانون الأول الماضي تم اغتياله من قبل الحوثيين لأنه حاول مرة أخرى تغيير موقعه في التحالف والانضمام للسعودية ـ التي كما يبدو تعهدت بإعطائه جزءاً كبيراً من السلطة إذا انسحب مع قواته من التحالف مع الحوثيين.
في 2015 تطورت الحرب القبلية هذه إلى حرب أقليمية على النفوذ. في بداية كانون الثاني، عندما توج سلمان ملكاً للسعودية، بادر إلى إقامة تحالف عربي انضمت إليه دول الإمارات، والبحرين، ومصر، والسودان. هدفه كان إخضاع الحوثيين الذين اعتبروا حلفاء لإيران. لقد كان لهذا التحالف بمشاركة مرتزقة من أمريكا الجنوبية الذي مولته دولة الإمارات، عدد من الإنجازات الهامة، منها السيطرة على ميناء عدن ووقف تمدد الحوثيين نحو الجنوب. مع ذلك، ورغم تفوق التحالف العسكري والدعم الذي حصل عليه من أمريكا، إلا أنه لم ينجح في تحقيق حسم في ميدان القتال. وجهود الوساطة التي بادرت إليها الكويت بالتعاون مع الأمم المتحدة فشلت في أعقاب رفض الحوثيين الانسحاب من جميع المناطق التي احتلوها وتسليم سلاحهم للحكومة. جهود السعودية لتشكيل حكومة معترف بها في اليمن برئاسة الرئيس هادي، أصبحت أضحوكة عندما انتقل هادي للعيش في السعودية، ومن هناك يدير شؤون الدولة غير القائمة.
تسفي برئيل
هآرتس 14/12/2018