في ذكرى إسقاط “الدولة الإسلامية” في العراق لماذا لا نستوعب الدرس؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: بعد عام على الإعلان الرسمي إنهاء تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق في التاسع من كانون الأول/ديسمبر الماضي، يحق للعراقيين ان يفخروا بإنجازهم العظيم بوأد أقبح أشكال الإرهاب التي مرت على المنطقة العربية في العصر الحديث، وسط مخاوف من تكرار الظروف التي شكلت مبررا وغطاء لظهور التنظيم وانتشاره.

ودفع العراقيون من أجل تحقيق هذا النصر، ثمنا كبيرا في الأرواح والأموال وخراب المدن والبنى التحتية ومعاناة الملايين من سكان المدن المحتلة، إلا انه ورغم كل تلك التضحيات ما زالت هناك مخاوف جدية تراودهم من امكانية عودة الظروف التي أنجبت ذلك التنظيم الإرهابي بسبب أخطاء الساسة.

ولقد عبرت كلمات القادة السياسيين في الذكرى الأولى لإعلان النصر وإنهاء خرافة ما تسمى بـ”الدولة الإسلامية” عن القلق من تحديات وأزمات جدية تواجه البلاد في مرحلة ما بعد “داعش”. وبينما أكد رئيس الجمهورية برهم صالح خلال كلمته بالمناسبة أن “النصر سيكون ناجزاً، والإرهاب سيندحر نهائياً، وذلك بمواجهة الفساد، والقضاء على البطالة، وتحسين الخدمات، وعودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، والعمل دوليا وإقليميا للوصول إلى منطقة آمنة ومستقرة خالية من النزاعات” مقرا بالتأخر في انجاز الإصلاح الحقيقي في البلد، فقد تعهد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالاهتمام بالمدن المدمرة وعودة النازحين إلى ديارهم ومحاربة الفساد والبطالة وتحقيق العدالة، وعدم تكرار أخطاء الماضي رافضا أن يكون العراق ممرا للاعتداء على أي دول، في إشارة إلى ضغوط أمريكية لانصياع العراق للعقوبات على إيران.    

أما رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي قاد النصر على “داعش” فإنه انتقد وبشدة “إصرار المنظومة السياسية العراقية على المحاصصة” محذرا من “عودة تنظيم داعش والتضحية بما تحقق من نصر كنتيجة حتمية لاستمرار تلك المحاصصة والاشتغال بأجندة الأجنبي بما يؤدي إلى إضعاف الدولة” وداعيا إلى الاستفادة من الدرس.

وحذر العديد من القيادات السياسية من مؤشرات قوية لعودة التنظيم ومن ذلك تنبيه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة له على موقع “تويتر” إلى أن “الموصل في خطر، فخلايا الإرهاب تنشط، وأيادي الفاسدين تنهش”. وفيما شدد اياد علاوي على “أن عدم اتخاذ خطوات حازمة تجاه مافيات الفساد، خطر جسيم يهدد الانتصارات” فقد حذر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، من “أن (داعش) لم ينتهِ، وقد عاد إلى مناطق بشكل أسوأ من ذي قبل، وخطره أكثر من السابق” لافتاً إلى أن التنظيم “عاد بقوة لأن الأسباب التي أدّت إلى ظهور (داعش) و(القاعدة) لم تُعالج”.

ومنذ الإعلان عن انتهاء دولة “داعش” ولتطمين العراقيين، تنفذ القوات المسلحة العديد من العمليات العسكرية والاستخبارية الاستباقية لملاحقة بقايا التنظيم وخلاياه النائمة داخل المدن المحررة، إلا ان المراقبين العسكريين يتفقون ان الخطر ما زال موجودا وخاصة على امتداد المناطق الحدودية بين العراق وسوريا حيث يتنقل التنظيم من خلالها بين البلدين لتفادي الضربات وللقيام بعمليات تسلل وتنفيذ عمليات إرهابية.

وما عزز المخاوف في هذا المجال، تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” حذر من ان “هناك مؤشراً على تنظيم سري فعال لداعش يتم تشكيله، وأن عدد الهجمات الإرهابية في تزايد في المناطق التي كانت خاضعة للتنظيم” وذلك بالرغم من أن إحصاءات عراقية تشير إلى أن عدد قتلى التنظيم في الحرب قد تجاوز العشرين ألفاً، إضافة إلى مئات الأسرى الذين وقعوا في أيدي القوات العراقية، فيما أعلن التحالف الدولي عن مقتل نحو 80 ألفاً من عناصر التنظيم في العراق وسوريا.

ويبدو ان هناك اقرارا عاما بتداخل مخاطر عودة التنظيم الإرهابي مع مخططات محلية وإقليمية ودولية، حيث تابعنا قيام الطائرات العراقية بتوجيه ضربات مركزة على مواقع للتنظيم داخل سوريا بالتنسيق مع النظام السوري وقوات التحالف الدولي، في وقت تعارض القوات الأمريكية قيام فصائل الحشد الشعبي بالتوغل في الأراضي السورية، وذلك بهدف افشال المخطط الإيراني بفتح طريق إيران – سوريا عبر العراق، وصل إلى حد قيامها بقصف قوات الحشد في بعض المناطق مثل القائم غرب العراق لمنعها من مهاجمة عناصر “داعش” داخل سوريا حسب مصدر خاص بـ”القدس العربي” فيما يبدو انه مسعى للحد من تنامي النفوذ الإيراني هناك.

كما انعكست الهواجس الدولية من عودة التنظيم، من خلال انتشار آلاف الجنود الأمريكان في المناطق القريبة من الحدود السورية، وتنفيذ التحالف الدولي نحو 30 ألف غارة جوية على التنظيم، إضافة غلى مشاركة كتائب المدفعية الفرنسية في توجيه ضربات متواصلة الى مواقع التنظيم عبر الحدود لإعاقة تحركاته.

وبالتزامن مع الاحتفال بهذه الذكرى تجددت الدعوات بضرورة عدم الاستمرار في التكتم على ملف المسؤولين عن كارثة سقوط الموصل وتسليمها إلى “داعش” في حزيران/يونيو 2014 ومن أصدر الأوامر للقوات العراقية بالانسحاب دون قتال من مواقعها تاركة معداتها وأموالا طائلة تزيد عن المليار دولار في بنوك الموصل، ليستولي عليها التنظيم ولتعينه في الاستقواء والانتشار في ثلث مساحة العراق.

ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا ان الفساد والفشل في إدارة المناطق المحررة ووجود مخططات لقوى محلية وخارجية تعد أبرز المخاطر التي تهدد بنسف النصر على “داعش” بل وتمهد لعودته ثانية. ولذا فإن قلق العراقيين بعد عام من إعلان النصر على دولة التنظيم له ما يبرره، وهو يشاهد صراع القوى السياسية على المناصب والمصالح دون الاهتمام لاستمرار تدهور الأوضاع وغياب الإصلاح الحقيقي واهمال احتياجات المواطنين، مع استمرار معاناة ملايين النازحين واستمرار دمار المدن المحررة، وهو ما يعني عدم استيعاب الساسة لذلك الدرس القاسي رغم فداحة الثمن الذي دفعه العراقيون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية