معرض «رمضانيات» … حوار البيئة المصرية وشخصياتها

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» ـ من محمد عبد الرحيم: يٌقام حالياً في قاعة (الأرض) بـ «ساقية الصاوي»، وحتى التاسع والعشرين من تموز/ يوليو الجاري معرض تشكيلي شامل يحوي أعمالاً مختلفة من تصوير، رسم، غرافيك، إضافة إلى أعمال النحت، للعديد من الفنانين المصريين مختلفي المدارس والاتجاهات والأعمار، منهم على سبيل المثال: إبراهيم أحمد، محمد الفيومي، غادة الجوهري، أشرف الأزهري، أماني زهران، محمد الطحان، غادة أبو حديد، رندا إسماعيل، خالد هنّو، وآخرون. كما أن ضيف شرف المهرجان الفنان الراحل «زهران سلامة». والمُلاحَظ على أعمال المعرض أن تنوعها يوحي بأن المعرض ما هو إلا رحلة في تاريخ الفن التشكيلي ومدارسه المختلفة .. من تجريبية وانطباعية وتكعيبية، وصولاً إلى لوحات مستوحاة من المدرسة السيريالية.

زهران سلامة ومحاولات التصالح مع الطبيعة
حضر الفنان زهران سلامة (1939 ــ 2012) بأعماله كضيف شرف للمعرض، هذه الأعمال المتعددة في فن التصوير تحاول إيجاد علاقة موائمة وحوار مع الطبيعة، ونظراً لوجود الفنان فترة في واحة سيوة، فإن العديد من اللوحات تمثل علاقة الإنسان بهذا الفضاء الشاسع والقاسي. ففي إحدى اللوحات نرى رجلاً وصبياً يعتليان جَمَلاً، ونلحظ جلستهما القلِقة والمُضطربة مع حركة الجمل، لكن اللون هنا يلعب دوراً موازناً لهذه الحالة، فالرمال في لون الجمل صفراء، إلا أن الأشجار التي تملأ خلفية اللوحة، بجذوعها الضخمة توحي بجو من الطمأنينة، وأن محاولة امتطاء الجمل ستستقر حتماً مهما طال الوقت. هذا مجرد تفسير انطباعي لشكل الحركة في اللوحة وعلاقتها باللون المُسيطر عليها.

فن البورتريه
تعددت لوحات المعرض التي تعرضت لفن البورتريه، واللافت أنه باختلاف الفنانين توحد المقام الفني عند الشخصيات الشعبية المصرية كما في لوحة «الفلاح» لـ «غادة الجوهري» و «الدرويش» لـ «غادة أبو حديد»، رغم اختلاف البئية ما بين درويش قاهري وفلاح ريفي تكشفه تفاصيل الوجه والإيماء وإكسسوارات تميّز الشخصية، وكأنها أحد مفرداتها، فسنوات الشقاء التي تحملها تجاعيد وجه الفلاح والصبر البادي في عينيه، يُقابله يقين وقوة كبيرة في ملامح الدرويش، خاصة في لون الرداء الأزرق ويده التي تُمسِك بالقرآن مُتصدّرة اللوحة. الشخصيات وتفاصيلها أيضاً تمتد إلى أعمال الفنان «أحمد إبراهيم» من خلال (منحوتاته الخشبية) من خلال أصحاب الآلات الموسيقية المختلفة كالعود والطبلة والربابة، ويكسر هذا الإيقاع تمثال (صائد السمك) الذي يحمل فوق كتفه سمكة كبيرة ومخلاة، وكأنها أدوات عزفه الخاصة بمهنته.
حياة الريف
تناولت العديد من الأعمال الحياة في الريف المصري وطبيعتها، مع اختلاف المدارس الفنية التي عبّرت عن هذه الحياة، كالمدرسة التأثيرية كما في لوحة الفنان «خالد هنّو» وهو يستعرض النسوة وهن يغسلن ويملأن آوانيهن على شاطئ النهر، إضافة إلى البيت الفلاحي والحيوانات الأليفة، التي تعد إحدى مفردات هذه البيئة، مع التدرجات اللونية واتساقها مع ملابس الفلاحات، وكأن الجميع بشر وحيوانات ونهر وسماء في حالة قصوى من التناغم، هناك حالة من الثبات والاستقرار توحي بها خطوط وتفاصيل اللوحة، وهي المعادل للإحساس الرومانتيكي للفنان عن الريف وأهله. لوحة أخرى تمثل المدرسة التكعيبية للفنانة «راندا إسماعيل» تدور حول امرأة تحمل (قُلّة) وتسير، حيث تتصدر القُلّة مقدمة اللوحة، وتتكرر انحناءاتها في الخلفية، مما يُعطي لها ثقلا كبيرا، هذا الثقل تعادله المرأة في وقفتها الثابتة والواثقة اللهم إيماءة رأسها فقط، دون جسدها الذي يتخذ خطوطاً رأسية حادة.
النساء الوحيدات
رغم الاحتفاء بالمظاهر الشعبية، سواء على مستوى البيئة أو الشخصيات، نلمح حساً خافتاً بين اللوحات في أعمال توحي بأنها لنساء أرستقراطيات. على سبيل المثال نجد في لوحة للفنان «محمد الطحان» أربعة نساء، تتصدر إحداهن اللوحة، بينما الثلاث يتوزعن في عمق اللوحة، وكل منهما تمسِك بآلة موسيقية وتعزف للمرأة الجالسة، ومع اختلاف آلاتهن إلا أنهن توحدن في عدم إظهار ملامح وجوههن، لتعميم الحالة لمجتمع هؤلاء النسوة، خاصة مع الالوان التي توحي بحرارتها، إلا أن مساحة الأزرق الكبيرة بتدرجاته اللونية تكسر هذه الحرارة في حدة، وتكبتهن أكثر، ربما توحي اللوحة بلحظة حلم ما أو ما شابه وسط قسوة الواقع.
رمضانيات!
جمع كل هذه الأعمال تحت عنوان «رمضانيات» ربما لعدم وجود عنوان يضم هذه المدارس كلها، كما أن العنوان بعيد تماماً عن الجو العام للمعرض، فطقوس رمضان، سواء على المستوى الديني أو الشعبي لم تتحقق في اللوحات سوى في قِلة منها، ومثال لها لوحة «راقص التنورة» لـ «أماني زهران». أما باقي الأعمال فهي بالاختلاف التي يصعب تحديد مُسمى له، وربما اختارت إدارة المكان هذا الاسم كتعبير زمني عن توقيت المعرض ليس إلا، دون أن يمت لمحتواه بصِلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية