للقاص والروائي العراقي سعد محمد رحيم (1957 – 2018) ستّ مجموعات قصصية، صدرت الأولى سنة 1989 بعنوان “الصعود إلى برج الجوزاء”. وله ثلاث روايات هي “غسق الكراكي” و”ترنيمة امرأة، شفق البحر” و”مقتل بائع الكتب” التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2017؛ كما فازت روايته “ظلال جسد.. ضفاف الرغبة”، غير المنشورة، بجائزة كتارا لسنة 2016.
وفي تغريدات على موقع تويتر، كتب رحيم قبل وفاته بأيام قليلة أنّ “النص الأدبي، السردي تحديداً، هو نتاج متخيل مادته الأولية الخام هي التاريخ. التاريخ كما قرأه المؤلف واتخذه مرجعاً وأفقاً. وإن المتن الحكائي لأية رواية مهما كان غرائبياً هو صورة مجسمة ومعقدة لواقع وتاريخ. واقع وتاريخ يستبطنهما الروائي شعورياً ولا شعورياً قبل شروعه بالكتابة”. كما تابع، حول التاريخ أيضاً، أنه “قائم في قلب كل رواية مهما اشتط بمؤلفها الخيال، ومهما ابتعد عن الواقع. فوعي الكاتب وملكاته هو خلاصة تجربة تاريخية معيشة اتخذت أشكالاً تستعير موادها من الواقع والتاريخ وتحولهما بقوة التخييل. والغاية هنا استكشاف مناطق مجهولة، ومسكوت عنها، من رحلة الإنسان في الزمان والمكان”.
هنا فقرات من مطلع روايته “فسحة للجنون”:
“ليس أول هواء الحريف.
ليس أول غبار أيلول.
وليس الراقد، في ذلك النعش المارّ فوق سيارة مسرعة، وسط هرج الناس، أول القتلى. وبالتأكيد، لسنا نتوهم أنه الأخير.
لعله أول أيام زمن عصيب ستتقلب فيه الأحوال. لعله أول نُذُر هول لا ندري إن كان أي منا عارفاً بعقابيله. لكننا سنكتشف لاحقاً أن (حكّو)، وإلى حدّ بعيد، كان يعرف.
البلدة في عجلة من أمرها. ترحل بأشيائها وناسها. بأحلامها وأوهامها. بحزنها وحسرتها. بقلقها. برعبها. بما تعدّه ثميناً له قيمة ما ولا يجب التخلي عنه. بما تراه مقدساً. بما تحسبه قد يعينها، هناك في المرتقب والمجهول. بما تستطيع أن تحمل وتصطحب في مشهد الهرب الكبير. بما يسمح به الوقت. بما تستدعيه النباهة المثلومة في خضمّ دوّي القنابل التي تقترب حيناً، وحيناً تبتعد. وبذا لن يبقى سوى القمامة، سوى ما يعجزون عن أخذه، سوى جثة البلدة الباردة يمثّل بها مخلب الحرب.
وحده حكمت يقف محتجاُ مثل نبيّ أعزل. روحه مضطربة، وكلماته تتلاحق سريعة مبتورة، يلقيها مع رذاذ بصاقه المتطاير في وجوه المنهمكين في جمع أغراضهم، العازمين على الرحيل. لذا لا أحد يأبه له وهو يصيح:
“ليس من حقكم، ليس… ليس من حقكم… تتركوني وحدي، ليس… ليس من حقكم”.
ينتقل بين الأزقة والدروب كحيون يشعر بزلزال وشيك. بركض بقميصه الأخضر الممزق والمتسخ، وبنطاله البالي الكامد اللون، المفتوج السحاب، والمشقوق عند الركبة”.
دار سطور، بغداد 2018