اردوغان في لقاء مع أنصاره في قونية أمس
دمشق – «القدس العربي» : كشف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان بلاده لم تتلق إلى الآن موقفاً أمريكياً رسمياً إزاء العملية العسكرية شرق الفرات، وذلك ما يمكن استنتاجه من حديث اردوغان عن رد الرئيس الأمريكي الإيجابي تجاه العملية العسكرية المرتقبة شمال شرقي سوريا.
وقال أمس الاثنين إن تركيا قد تبدأ عملية عسكرية جديدة في سوريا في أي لحظة مضيفاً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رد بإيجابية على خطط تركيا القيام بعملية شرقي نهر الفرات، وأدلى اردوغان بذلك خلال كلمة في إقليم قونية، متعهداً بالمضي قدماً في الخطة الخاصة باستهداف مسلحين أكراد في شمال سوريا.
حديث الرئيس التركي عن أن «الرئيس الأمريكي ترامب أعطى جواباً إيجابياً على عمليتنا في شرقي الفرات» قد يكون تفسير أنقرة الخاص لمضمون جواب ترامب حول العملية العسكرية التركية المرتقبة في المنطقة المذكورة، وهذا التفسير التركي قد لا يعكس صورة المواقف الحقيقية للإدارة الأمريكية من مجمل العملية العسكرية حسب رؤية الباحث السياسي عبد الرحمن عبارة حيث أوضح لـ»القدس العربي» بأنه لا يمكن لأنقرة أن تمضي قُدماً في تحركاتها العسكرية في شمال سوريا بدون تفاهمات وتنسيق كامل مع واشنطن، غير أن الأخيرة على ما يبدو لا تريد التصريح بما يؤكد وجود تلك التفاهمات، بل إن تصريحات البيت الأبيض لا توحي بذلك.
«شيء ما في الأفق»
وأضاف، في المحصلة فالتصريحات التركية حول العملية العسكرية تمهد لشيء ما في الأفق، والعملية العسكرية ليست هدفاً بحدّ ذاتها، والمشهد مفتوح على كثير من التطورات.
اردوغان: سمعنا رداً إيجابياً من ترامب حول العملية
ويبدو تصريح اردوغان الذي أعلنه قبل أيام عن انطلاق عملية عسكرية لبلاده في سوريا، لم يكن سوى محاولة للضغط الجدي على واشنطن لتغيير توجهها، وهو ما أكده الخبير والمحلل السياسي التركي حمزة تكين الذي قال ان الموقف الأمريكي الذي كشفه الرئيس اردوغان يدل على ضغط متواصل مارسته أنقرة منذ اشهر والى الان من اجل اقناع الولايات المتحدة بتغيير موقفها كون أنقرة ماضية في خطتها بغض النظر عن موافقة واشنطن او رفضها وذلك أسوة بعمليتي «درع الفرات» و»غصن الزيتون».
وعزا المتحدث التركي محاولة حكومة بلاده اقناع واشنطن بالعملية إلى حرصها على علاقات جيدة بعيدة عن التبعية في ظل التأكيد على ان تركيا لا ترغب بمعاداة واشنطن، بيد ان الاخيرة لا تبدي حسن نية تجاه انقرة منذ محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا وحتى اليوم وبرز ذلك في دعم التنظيمات الارهابية وحماية زعيم الانقلابين فتح الله غولن، وغير ذلك من الامور السلبية التي تتبدى من واشنطن وليس من تركيا التي تحاول في اطار سعيها في الحفاظ على علاقات جدية ولذك قامت انقرة خلال الاشهر الماضية بمحاولة الضغط من اجل اقناع امريكا بالتخلي عن تنظيم «البي ي دي/بي كاكا» في منبج.
وكشف المحلل السياسي التركي ان الأيام الفائتة شهدت زخماً من الزيارات المتبادلة وسط «مباحثات ساخنة بين الطرفين بشأن الارهابيين شرقي الفرات وفي منبج، ولكن في الفترة الممتدة على مدى 20 يوماً وفي ظل المحاولات من اجل الضغط على امريكا كانت الاستعدادت العسكرية التركية جارية ولم تتوقف حيث اعلنت انقرة انها سوف تقدم على عملية عسكرية في المنطقة المذكورة دون تراجع».
ويبدو ان واشنطن أدركت اليوم ان تركيا ماضية وجدية في عملية شرق الفرات، وتعدى الأمر حدود الضغط حسب الرؤية التركية كون أنقرة «صارمة في مسألة حماية أمنها القومي ووحدة الأراضي السورية، ومساعدة المدنيين المهجرين على ايدي التنظيمات المصنفة لديها ارهابيةً بالعودة إلى مساكنهم وقراهم في منبج وشرقي الفرات لذلك امريكا اليوم تحاول ان تحفظ ماء وجهها وان تبدي موقفاً أكثر إيجابية حيال العملية العسكرية الوشيكة».
إشارة إيجابية
الإشارة الإيجابية الأمريكية، هل تؤكد ان واشنطن كما عادتها وتاريخها باعت اليوم حليفاً جديد لها، وتخلت عنه كما باعته وتخلت عنه في عفرين؟
حيث يرى المتحدث التركي ان التنظيمات الكردية الإرهابية ما هي «الا اداة بيد الادارة الأمريكية التي تعلم ان مصلحة بلادها مع تركيا الحليفة والدولة القوية الصاعدة في الشرق الاوسط وصاحبة القرار اليوم اقليمياً ودولياً» ولفت إلى إمكانية الخروج بتهديدات اعلامية وتصريحات حول رفض وتنديد امريكي حيال معركة الفرات الا انه وصف التصريحات بـ «الروتينية» لكن على ارض الواقع من الواضح ان الضغوط التركية نجحت وفهمت امريكا ان تركيا مصممة وان الارهابين سينهزمون كما حصل في الباب وعفرين، مشيراً إلى ان تلك التصريحات تصب في اطار «لملمة الموقف» وتحسين صورتها امام العالم ليس الا، مؤكداً ان الجيش الأمريكي فكك بعض نقاط المراقبة التي أقامها على الحدود مع تركيا في الجانب السوري.
وقال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو إن واشنطن حاولت غل يد تركيا خلال عمليتين سابقتين بسوريا في العامين الماضيين ضد تنظيم «الدولة» ووحدات حماية الشعب التي تسيطر على مناطق واسعة قرب الحدود الشمالية لسوريا، ونقلت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية عنه قوله خلال زيارة لباكستان «الولايات المتحدة ظنت أن في إمكانها ردعنا بالرجال الذين ترعاهم… والآن سيحاولون منعنا في شرقي الفرات. لم ولن تسمح تركيا بذلك».
الهدف التركي يشير إلى أن انقرة عازمة على إعادة هيكلة المشهد في منطقة شرق الفرات سياسياً وأمنياً وعسكرياً، حسب الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي الذي اكد رغبة الجانب التركي في ضمان أمن حدوده مع سوريا عبر قوة لا تحمل طابعاً قومياً أي بما لا يعيد تجربة «البيشمركة»، بل عبر إجراءات أكثر ضماناً لأمنها القومي من أي تهديد مستقبلي على حزامها الجغرافي مع سوريا والعراق.
في المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة تريد التفريط بهيكلية المشهد الحالي وحلفائها في شرق الفرات، لكن في الوقت نفسه ربما تدفع باتجاه إجراء إصلاحات داخلية تشمل على وجه التحديد وحدات حماية الشعب الكردية، وتريد ضمان أمن الحدود مع تركيا عبر قوة تحمل طابعاً قومياً.