شيخ فلسطيني: صام 100 رمضان ولم يفطر سوى يوم  

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة-“القدس العربي”: اعتاد القول: “يا ريت لو يصح لي شوط دبكة شعبية… أنا لا أخاف الموت لكنني أكرهه”

الشيخ محمد موسى تركي عواد (أبو حميد) شيخ فلسطيني عمره      106 سنوات وقد عاصر الدولة العثمانية والانتداب البريطاني وإسرائيل. وكان دائم القول في مجالسه، إنه يتمنى رؤية الدولة الفلسطينية قبل رحيله، لكنه رحل في مدينته طمرة في الجليل داخل أراضي 48 قبل تتحقق أمنيته. وبادرت عائلة الراحل لتوزيع التمور على المعزين فيما تمنى المعزون أن يمد الله في أعمارهم كما الراحل.

حتى الصيف الماضي كان أبو حميد يواظب على الصلاة في المسجد ويتجول في الحي في مدينة طمرة ويأمل أن يعود لذلك بسرعة فور التئام كسر أصاب ساقه. وعند زيارته في بيته كان يقرأ على مسامعنا ما يكتب على شاشة التلفزيون دون نظارات وهكذا كان يقرأ الذكر الحكيم يوميا. وحسب بطاقة هويته ولد أبو حميد في 1912 حينما كان والده بعيدا جدا عن البيت يؤدي الخدمة العسكرية في تركيا وقد بلغه نبأ ولادة ابنه بواسطة صهره محمد نايف عواد بالتلغراف. يستذكر أبو حميد أن والده أبلغ الضابط المسؤول عنه في الجيش العثماني محمد وحيد الدين واستجاب لطلبه بخلع اسمه على المولود (محمد).

بيد أن الشيخ الفلسطيني كان ينظر بسلبية للحقبة العثمانية ويقول إن الأتراك قساة في تعاملهم مع المحليين، ويشير لأعمال السخرة المرهقة التي أجبر عليها الجنود في بناء الثكنات وحفر القنوات. أبو حميد الذي تمتع بصحة وذاكرة نادرتين جدا، ظل يذكر جنودا عثمانيين يعتلون الخيول يداهمون بيت العائلة ويهددون أمه بالتعذيب إذا لم تبلغهم بمكان والده الهارب من الخدمة العسكرية فأجابها إنه لن يسلم نفسه حتى لو هدموا المنزل. ولم يساور المعمّر الفلسطيني أي شكّ أن الانتداب البريطاني هو استعمار لكنه يراه أخف وطأة من الحكم العثماني وحفظ للبريطانيين بناء المدارس والمستشفيات والمرافق العامة في البلاد. وأضاف “درست القرآن الكريم في الكتّاب قبل أن استكمل دراستي الابتدائية في مدرسة حكومية في أول عشرينيات القرن الماضي”. وكشف أنه ختم القرآن للمرة الأولى في صباه خلال يوم واحد في رمضان مع بعض أترابه:” تناولنا السحور وقتها وبقينا نقرأ الآيات حتى ختمنا القرآن عند الفطور”.

القرار بالبقاء

 

شارك أبو حميد شعبه في الثورة الفلسطينية الكبرى (1939-1936) بعدما اقتنى بندقية ألمانية من طراز “فلونت” واستشهد ابن بلدته محمد قاسم اسماعيل خلال اشتباك مع الإنكليز في معركة في منطقة الشاغور. كما كشف أنه شارك أهالي بلده في تشييع الشاعر الشعبي شاعر الثورة الشهيد نوح إبراهيم ابن حيفا الذي استشهد بالقرب من طمرة خلال ثورة 1936.

أبو حميد الذي عايش الفترة حينما كانت المنطقة الممتدة من حيفا إلى عكا ساحلا خاليا من البناء استذكر مشاركته في مهاجمة دوريات بريطانية في شمال فلسطين منوها إلى دور الانتداب في تأسيس إسرائيل. وأوضح في حديث أن الثورة أخفقت في تحقيق هدفها لاختلال موازين القوى، ولذا أصاب الشيخ أحمد حميد عواد حينما أقنع أهالي طمرة التي عدت 1500 نسمة بالتسليم عام 48 بعد سقوط عكا المجاورة وإلا لكان التدمير والتهجير مصيرها. وأكد لـ “القدس العربي” قبل شهور أن فترة الحكم العسكري (1966 -1948) أقسى فترات الاحتلال الإسرائيلي بسبب الحصار ومصادرة الحق في الحركة والملاحقات والترهيب. وأبدى الشيخ ثقته في أن إسرائيل زائلة عما قريب لأنها تجسد الباطل ولأن الفلسطينيين قادرون على تذويبها بقوة الحق. وأوضح أن إسرائيل لم تتغير في جوهرها ودلل على معتقده ورؤيته المستقبلية بأن بني إسرائيل ضالون وظالمون في القرآن الكريم “يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون”. وأضاف “مدّ الراحل ياسر عرفات يده للسلام معهم فقتلوه”. ولم تأت عثرات الزمان على الروح الفكاهية وخفة الظل وحب الحياة لدى الشيخ محمد، وردا على سؤال حول أمنياته يقول إنه يحن إلى “حبيبة قلبه أميرة الأميرات زوجته تركية عواد التي رحلت في 2000”. وبسيرة الزواج كان فرح الضيوف في عرس محمد فرحين، الأول بزفاف العريس قبل نحو عام والثاني باستقبالهم الجميل الاستثنائي على يد جده الذي كان ما زال يتمتع بصحة جيدة وبذهن صاف وقدرة على الكلام والترحاب، رغم بلوغه السادسة بعد المئة.

معمر ابن معمر

 

وتابع أبو حميد الذي رحل والده عن 105 سنوات “تزوجنا عام 1935 وتقاسمنا الحلوة والمرة ودائما كانت أفضل مني فهي طاهرة ومتسامحة ومخلصة ومناضلة يعتمد عليها في تدبير الأمور وربت 11 ولدا ولذا حرمّت الزواج ثانية”. للشيخ أبو حميد سبع بنات وأربعة أبناء لكنه لم يحص عدد الأحفاد ويقدرهم أبناؤه بنحو 250 فردا ولم يعد يذكر كل أسمائهم. وقال متوددا إنه كان وما زال شابا وسيما معتدا بنفسه وبجسمه الرشيق لافتا لكنية “المصفط” بسبب حرصه على هندامه، لكنه يتمنى لو أتيحت له فرصة العودة للانضمام لحلقات الدبكة الشعبية وخاصة في حفلات الزفاف الشعبية ولو مرة واحدة. وكشف أبو حميد أنه لم يغادر البلاد إلا مرة واحدة وكان ذلك مع صديقه محمد عبد المجيد حين ذهبا لبيروت قبل 1948 للحصول على راتبه من شركة “الريفاينري” لتكرير البترول التي ظل يتقاضى مخصصات تقاعد منها حيث استمر بالعمل فيها حتى 1977.

مدمن على الأبيضين

 

كما أبدى حنينه البالغ لأقربائه وأصدقائه الراحلين ويزعجه تباعد الناس عن بعضها البعض وعبّر عن اشمئزازه من “قلة احترام الصغار للكبار اليوم” لكنه كان سعيدا بما يوفره التطور من ترفيه وراحة للبشر وتابع مبتسما “أنتظر أن يقتني لي أبنائي هاتفا محمولا لأبقى على اتصال مع بناتي”. بعد ستين عاما ونيف من “العشرة” طلق أبو حميد السيجارة وباتت رائحة الدخان تزعجه، لكنه يفتتح نهاره بفنجان قهوة قبل تناول فطوره وهو دائم الحرص على سماع فيروز وملء “بطاريته بطاقتها” الحلوة. منوها أنه لا يعرف الدواء ويتناول كافة أنواع الطعام لكنه يتحاشى الخبز ومحب جدا للبوظة ويعتبر البامية أفضل المأكولات و “الزلابية ست المحليات”. منوها أنه يتناول كافة أنواع الطعام ومدمن على “الأبيضين” الملح والسكر، لكنه يستنكف عنه بعد صلاة العشاء.

سر الحياة

 

وربما يكشف نجله وليد أحد أسرار عافيته بالإشارة إلى تميزه برحابة الصدر ومحبة الناس وتحاشي الزعل والحقد. أبو حميد الذي سمع ذلك سارع للتعقيب بالتذكير “وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”. وأثناء اللقاء في الصيف المنصرم كشف ولده وليد أيضا أن والده ظل يصوم رمضان دون انقطاع ولاختتامه القرآن الكريم 11 مرة في الشهر الفضيل الأخير. لكنه سارع وقتها للتدخل بالقول “صمت 100 شهر رمضان ولم أفطر يوما عدا يوم واحد (سرقت) به رمضان وأنا طفل حيث وصلت عين البلدة ولمست ماءها البارد في الصيف فأطفأت ظمئي وكسرت صومي لكنها مرة ولم تتكرر”. كما يصمم على الوضوء كما يجب ودون اختصارات قبيل كل صلاة. وتابع بلهجة دافئة “أنا بحالة طيبة بفضل دعوات أمي التي طالما كانت تترضى على ابنها المطيع”. كما أشار وليد إلى عادة والده باستقبال كل زفة عريس أو عروس في الحي بالضيافة والهدايا “حتى بادر أحد الجيران لانتقاده في ذلك فأجابه أن الحالة ميسورة والحمد لله”.

وهل تخاف من الموت؟ سألنا الشيخ المعمّر فقال جازما: “لا أخشى الموت لكنني لا أحبه”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية