قول يا طير عن فلسطين
الياس خوري قول يا طير عن فلسطينقيل ان وزير التربية الفلسطيني ناصر الدين الشاعر اعتذر عن خطأ اتلاف كتاب قول يا طير ، وهو كناية عن حكايات شعبية فلسطينية جمعها شريف كناعنة وابراهيم مهوّي. والامل هو ان يكون اعادة تعيين معاليه في حكومة الوحدة الوطنية، وفي الحقيبة نفسها، تقديرا لاعتذاره عن القرار المشين الذي اتخذه قبيل تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة.قد يقال ليس الموضوع هاما، وخصوصا وان تشكيل حكومة الوحدة لحظة مفصلية في الصراع الفلسطيني مع الحصار الظالم. وهذا ليس صحيحا، فالمسائل لا يمكن تجزئتها او القفز من فوقها. كما ان السؤال عن المهم والأهم في الحال الفلسطينية صار اكثر تعقيدا مما نظن. المسألة اصغر من كتاب واكبر من قضية. فحين يصل الأمر في فلسطين المحتلة الي هنا، اي الي اتلاف كتاب من اجل منع تلامذة المدارس من قراءته، فهذا يعني ان فكرة فلسطين في خطر.وللمناسبة فهذه ليست المرة الاولي التي يصادر فيها كتاب، او يقوم وزير الثقافة الفلسطيني السابق بالتنطح لمنع الافلام. فلقد سبق ان تعرضت كتب ادوارد سعيد لمنع غير معلن، يومها قامت الدنيا علي ياسر عرفات مما اضطر وزير الثقافة في ذلك الزمن الي نفي المسألة، وازاحة المنع غير المعلن.يومها تذكرت حكاية ديغول مع جان بول سارتر، اذ لم يكتف الفيلسوف الوجودي بقيادة حملة وطنية من اجل استقلال الجزائر، بل صار في ثورة ايار 68 صوتا يساريا متطرفا. وعندما اقترحوا علي الجنرال ديغول اعتقال الفيلسوف رفض بشدة معلنا ان لا احد يجرؤ علي اعتقال فولتير.رفض اعتقال سارتر، مثل الغاء المنع الخفي عن سعيد، يشير الي حس بالتاريخ وبمعني فكرة الحرية في فرنسا، وفكرة فلسطين في اراضي الحكم الذاتي.اي ان المستوي السياسي كان واعيا بأنه يتعامل مع فكرة تتجاوز المرحلة التاريخية الراهنة. فالثقافة علي الرغم من دورها المباشر احيانا، خلال المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي، وخلال عملية صناعة فكرة فلسطين بعد النكبة الكارثية عام 1948، تبقي علامة تؤسس القيم وتصنع الاخلاق التي من دونها لا معني للسياسة.والحق ان مهمة الثقافة الفلسطينية في تأسيس فكرة فلسطين، كانت بالغة الصعوبة. بل لعل الانجاز الفلسطيني الاكبر يكمن هنا. في الشعر والرواية والفكر وعلم الاجتماع والتراث الشعبي وجمع الذاكرة. هنا، في هذا المكان الثقافي الذي صنعه شعب في المنافي، اكتسبت مقاومته شرعيتها التاريخية، وصارت جزءا من وعي عربي جديد يتكون.لذا فان ما تستطيعه انظمة البؤس والديكتاتورية في العالم العربي لا يستطيعه النظام السياسي الفلسطيني، حتي حين يكون الشعب تحت مبضع جلاد اسرائيلي لا يرحم. كما ان مسار الانحدار الثقافي الذي يقوم بالغاء الاوطان ويسمح للطوائف والملل والنحل بتمزيقه في حروب اهلية مضمرة او معلنة، لا يستطيع الاستيلاء علي فلسطين. فحين تفقد فلسطين شرعيتها الاخلاقية تنهار الفكرة برمتها، ويعود الفلسطينيون الي رحلة الشتات التي دفعوا الوف الضحايا من اجل الخروج الرمزي منها.ولعل فرادة هذه التجربة وصعوبتها انها بلا سقف زمني. لقد خسرت فلسطين كل قياداتها المؤسسة قبل التحرير بزمن طويل، وعلي الحركة الوطنية الفلسطينية، من دون جميع حركات التحرر الوطني في العالم، ان تستمر بعد غياب الآباء.من هنا فان الاخطار لا تسمح بمزاح ثقيل من نوع منع الكتب وفرض قيم علي الثقافة تحد من حريتها باسم الايديولوجيا او الدين. قد نقول او نتمني ان نقول، ان فلسطين تستطيع ان تحتمل المزاح الوحشي للفساد المالي، وللعهر السياسي. قد نقول، ونتمني ان يكون ذلك صحيحا، ان فلسطين تستطيع ان تتجاوز استغلال السلطة والسماسرة الذين لم يردعهم اي رادع بعد تأسيس السلطة، لكن ما هو مؤكد ان المزاح مع فكرة فلسطين، وتعريض قيم الحرية والثقافة للخطر، سوف تكون نتائجه كارثية.ولعل الاعوام الاخيرة، منذ حصار عرفات وصولا الي فوز حماس، كانت مطهر الاستعداد كي يتسلم جيل الابناء القيادة، من دون هالة الآباء. حكومة الوحدة الوطنية ليست مخرجا من الحرب الاهلية فقط، بل يجب ان تكون تدريبا علي التعددية السياسية، وتمرينا علي الممارسة الديمقراطية الحقيقية، وعلي صوغ تجربة جديدة في المقاومة الديمقراطية التي لم تعرفها حركات التحرر الوطني في السابق.المهمة ليست تشكيل الحكومة، بل اكتشاف وسائل ناجعة لاستمرار المقاومة بهدف تحقيق الهدف المرحلي الذي ارتضاه الفلسطينيون، وهو تأسيس الدولة المستقلة علي جميع الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.هل تستطيع تشكيلة من قوتين في حاجة الي اعادة تأهيل، هما فتح وحماس، التصدي لمهمات الحاضر، واخراج فلسطين من الحصار الوحشي الذي فرضته السياسة الامريكية الحمقاء، في زمن رئيس لم يصنع سوي الخراب في الشرق الأوسط، وفي مرحلة ترجرج سياسي اسرائيلي واختناق استراتيجي عبر عن نفسه في حماقة حرب تموز في لبنان؟لا يستطيع المراقب الموضوعي ان يكون متفائلا الا علي مستوي واحد، وهو ان اعادة التأهيل المشتركة تتم في مناخ متعدد سياسيا، وهذا يقلل من احتمالات الفشل لكنه لا يزيلها. وفي هذا المناخ تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية صوغ موقف وطني انطلاقا من وثيقة الاسري، لا يغرق في ميوعة الاستسلام، ولا يطفو علي سطح كلام شعاراتي لا يحمل اي افق سياسي.انه الامتحان الاول لجيل الابناء، ولا يحق له عدم النجاح. يستطيع هذا الجيل التعثر او التململ، لكنه لا يستطيع المساس بفكرة فلسطين في وصفها مشروع حرية.الطير الذي مزقوا ريشه يقول لهم لا تكرروا المحاولة، انها فلسطين ايها الناس، وعليكم ان تتأدبوا امامها قبل ان تحاولوا قيادتها. 0