شهد الأسبوع الماضي موجة عنف في الضفة الغربية وشرقي القدس، دمجت أنماط العمل المعروفة من الماضي: عمليات إطلاق نار من سيارة، وتسلل إلى مستوطنة، وطعن ودهس. ورفعت سلسلة العمليات عدد الإسرائيليين الذين قتلوا في السنة الأخيرة في العمليات إلى 13. عمليات إطلاق النار على المحاور، ولا سيما من سيارة مارة، كانت الأكثر نجاعة بمعنى إلحاق الإصابات، وسمحت أيضاً باحتمالات بقاء عالية نسبياً للخلية المنفذة. عمليتا إطلاق النار، اللتان هما الأخطر في هذه الموجة، منسوبتان لشبكة من حماس في منطقة رام الله.
لقد عكست هذه العمليات سلم أولويات حماس في الوقت الحالي: تنفيذ عمليات في الضفة الغربية والحفاظ على الهدوء في القطاع. لقد صرح يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة، في أعقاب بلورة التفاهمات لوقف النار في القطاع في تشرين الثاني، أن هذه لا تنطبق على الضفة، وأكدت العمليات هذه السياسة، مثلما هو أيضاً التحسن في خبرة وجسارة رجال حماس. فنجاح حماس في تنفيذ عمليات في منطقة رام الله ـ المركز والرمز السلطوي للسلطة الفلسطينية، بنية الدفع نحو عملية لقوات الجيش الإسرائيلي بمحاذاة مراكز السلطة، استهدف إهانة السلطة الفلسطينية وضعضعة مكانتها ـ وهو هدف هام بالنسبة لحماس في إطار الجهود للسيطرة على الضفة الغربية. وبالفعل، تضمن الرد الإسرائيلي العسكري إغلاقاً لمنطقة رام الله واتخاذ أنماط عمل هجومية تضمنت توغلاً لمراكز مدن فلسطينية ولا سيما رام الله، في ظل تصعيد الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين.
تضع الأحداث في الاختبار، لأول مرة منذ تشرين الأول 2015 (اندلاع «انتفاضة السكاكين»)، المفهوم الاستراتيجي الإسرائيلي في إدارةالنزاع في جبهتين منفصلتين في الساحة الفلسطينية: قطاع غزة والضفة الغربية. تبقي الأحداث وما فيها من إمكانيات تصعيد كامنة ظلاً حقيقياً على نجاعة «تقديس» الهدوء الأمني دون فعل سياسي، والاعتماد على «الوضع الراهن» الوهمي، الذي يتم التوسع الاستيطاني تحت رعايته، وتهيئة الظروف القانونية لضم مناطق في الضفة وسد الخيار للتقدم في تسوية الدولتين. وفي الوقت نفسه يتسارع ضعف المنظومة السلطوية للسلطة الفلسطينية حتى خطر التفكك. والفرضية بشأن تثبيت الفصل والعزل بين الكيانين الفلسطينيين، غزة والضفة، إلى جانب تقدير القدرة لشل نفوذ حماس على الضفة الغربية لا تصمد هي الأخرى اختبار أحداث الأسبوع الأخير.
إن الفكرة الاستراتيجية التي توجه سياسة إسرائيل تعتقد بأنه يمكن تحقيق هدوء في الضفة الغربية من خلال تحسين نسيج حياة السكان الفلسطينيين وتسهيل الحركة في المنطقة. وعزز هذه الفرضية هناك ذلك الاستقرار النسبي على مدى الزمن. أما في قطاع غزة، بالمقابل، وأساساً عقب جولة المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحماس، فسجل تآكلاً في الردع الإسرائيلي، بعد أن اعتبرت إسرائيل كمن تستسلم لابتزاز حماس وتتفضل من أجل الحصول على هدوء أمني بالسماح بالتسهيلات على المستوى الإنساني وبتوفير احتياجات الحياة في القطاع، ضمن أمور أخرى من خلال المال القطري. ولكن، بخلاف سياسة العزل بين الضفة والقطاع التي تتخذها إسرائيل، لا يمكن إلغاء الصلات بينهما. فالتسهيلات التي اتخذت تجاه القطاع عبرت عملياً عن التسليم بحكم حماس في المنطقة في ظل إجراء مفاوضات معها (حتى وإن كانت غير مباشرة). وذلك، إلى جانب استمرار الطريق السياسي المسدود مع السلطة الفلسطينية، والذي يضعفها ويشل مكانتها وشرعيتها الجماهيرية، التي تواجه على أي حال انتقاداً جماهيرياً واسعاً.
استئناف المسيرة السياسية
من المهم التعاطي مع سياقات ثلاثة أخرى للأحداث: الأول هو الصراع بين السلطة الفلسطينية ـ وفي أساسها حركة فتح ـ وحماس على قيادة المعسكر الفلسطيني. فرئيس السلطة، محمود عباس، يفرض عقوبات اقتصادية على القطاع وعلى حكم حماس في المنطقة، بينما تمنح حماس بدورها المصالحة الفلسطينية الداخلية عقب عدم استعدادها للتنازل عن بنيتها التحتية العسكرية واحتكارها للقوة في القطاع، وإلى جانب ذلك تحاول ضعضعة سيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية من خلال التصعيد في الوضع الأمني؛ والثاني هو دور وتأثير إيران وتركيا على التطورات في الساحة الفلسطينية؛ والثالث هو الحاجة إلى تفكير شامل حول معاني المواجهة الموازية في الجبهات الثلاثة ـ قطاع غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان.
لقد وقعت أحداث الأسبوع الأخير على خلفية جهد إحباطي متواصل يقوم به جهاز المخابرات والجيش الإسرائيلي. وعلى حد قول رئيس المخابرات، ففي العام 2018 أحبطت نحو 480 عملية إرهابية، بما فيها شبكات عسكرية لحماس. ويشهد الجهد الإحباطي وحجم الإحباطات على إمكانية تصعيد قائمة كل الوقت، وعلى دافعية عالية لمنفذي الإرهاب ولا سيما حماس. ويترجم الجمود في المسيرة السياسية إلى جانب اليأس العميق للسكان الفلسطينيين في مناطق السلطة وخيبة الأمل من القيادة السياسية وأدائها، إلى تطرف في المزاج العام. وقد وجدت هذه المشاعر تعبيرها في سلسلة استطلاعات أجريت في الآونة الأخيرة في أوساط الجمهور الفلسطيني في الضفة (هكذا مثلاً، وفقاً لاستطلاع أجراه معه واشنطن، فإن 57 في المئة من سكان الضفة الغربية أعربوا عن تأييدهم لإعطاء إمكانية لحماس لاستئناف نشاطها العسكري هناك؛ التأييد لاستئناف الكفاح المسلح ضد إسرائيل قدر بـ 25 في المئة، مقابل 25 في المئة فقط لتأييد استئناف المسيرة السياسية؛ وأعرب 63 في المئة من سكان الضفة عن تحفظهم من التعاون الأمني مع إسرائيل). وأشارت النتائج إلى ارتفاع في تأييد فكرة الدولة الواحدة، على حساب التآكل في تأييد حل الدولتين.
في المفترق الحالي، فإن إسرائيل ملزمة بأن تتناول سلسلة أسئلة هي في قلب مفهومها الاستراتيجي: السؤال الأول هو هل يمكن الإبقاء على العزل بين الضفة الغربية وقطاع غزة؟ فأحداث الأشهر الأخيرة تثبت بأنه لا يمكن تحريك مسيرة دولية واسعة وهامة لإعادة بناء قطاع غزة دون مشاركة السلطة الفلسطينية. ليس هذا وحسب، بل إنه لا يمكن بلورة تفاهمات مع حماس دون حساب آثار التجربة ونتائجها على مكانة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. سؤال الأسئلة في هذا السياق هو هل ستسلم إسرائيل بتآكل الردع حيال حماس بينما «تتمتع» المنظمة بثمار الهدوء في القطاع وبالمقابل تبادر إلى عمليات إرهابية في الضفة الغربية. من هنا ينبع أيضاً رفع الرأس وتعزيز الدافعية للعمليات لدى محافل إرهابية أخرى. السؤال الثاني ذو صلة بالهدف الاستراتيجي الإسرائيلي في الساحة الفلسطينية. فهل يجب مواصلة تقديس الوضع الراهن، وبالتواصل مع ذلك ـ من هو الشريك المرغوب فيه لإسرائيل.. السلطة الفلسطينية أم حماس، وإذا لم يكن مفر من التعاطي مع الاثنين، فكيف يكون صواباً عمل ذلك. في التفاهمات مع حماس، التي تحققت في تشرين الثاني، أشارت إسرائيل إلى أنها تفضل «إغلاق الأمور» مع الجهة التي تستخدم القوة ضدها. أما السؤال الثالث فيرتبط بقوة العلاقة بين الساحة الفلسطينية والساحة الشمالية. وحسب تعريف حكومة إسرائيل، فإن الساحة الشمالية هي الساحة الأساسية من ناحية جهاز الأمن، أما الساحة الفلسطينية فهي ثانوية (وبالتالي فإن إسرائيل تفرض على نفسها قيوداً في استخدام القوة في هذه الساحة). أما إيران وحزب الله من جهتهما فيشجعان عناصر الأمن في الساحة الفلسطينية لتصعيد الأحداث ضد إسرائيل، على أساس التقدير بأن هز الاستقرار في هذه الساحة سيجعل من الصعب على إسرائيل العمل في الساحة الشمالية. وعليه، فإن إيران تساهم في تعزيز شبكات حماس العسكرية بالمال وبالمعرفة وتساعد صالح العاروري، زعيم حماس الذي يقود خلايا حماس في الضفة الغربية من تركيا ومن لبنان.
وأخيراً، فإن موجة الإرهاب تتغذى وتتأثر أيضاً من البنية التحتية النفسية للجمهور الفلسطيني، والتي تتشكل من خلال التحريض المنهاجي المتواصل. ففتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يعرضون الإرهابيين كأبطال («شهداء»)، يقاتلون من أجل الشعب الفلسطيني. وقد دعت حركة فتح الفلسطينيين إلى تصعيد المواجهات في أرجاء الضفة احتجاجاً على موت ثلاثة فلسطينيين قاموا بالعمليات، ولمنع إسرائيل من الحصول على أي معلومات من كاميرات المتابعة وعدم نشر معلومات في الشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، أعربت السلطة الفلسطينية عن معارضتها للعنف ولكن أيضاً لـ «إرهاب المستوطنين»، وادعت بأنه يجب وقف التحريض. من المهم أن تجري إسرائيل حواراً مع السلطة الفلسطينية على السبل لتقليص التحريض، وإلا تكتفي بالرسائل الإعلامية والسياسية «لعرض الوجه الحقيقي للسلطة الفلسطينية».
التوصيات لإسرائيل
إن الأجوبة على الأسئلة التي عرضت كفيلة بأن تشير إلى الحاجة إلى تغيير نمط التفكير القائم الذي يحتمل أن يكون قد استنفد، وتبني نمط تفكير جديد يكون فيه ما يقدم جواباً مناسباً لمصالح إسرائيل الاستراتيجية، وليس فقط للمصالح الفورية في كل لحظة يتجدد فيه التصعيد.
على خلفية التطورات التي سجلت في السنة الأخيرة، لا يمكن لإسرائيل بعد اليوم أن تستند إلى مفهوم «الوضع الراهن»، الذي لم يعد ثابتاً عملياً، وإلى التفكير بأنه من خلال تحسين شروط المعيشة للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وفتح المعابر لدخول البضائع والمنتجات الأساسية إلى قطاع غزة، ستتمكن من الحفاظ على الهدوء الأمني وكسب الوقت كي تتهرب من اتخاذ القرارات اللازمة في القضية الفلسطينية، دون تحديد أهداف سياسية واضحة وفي ظل الامتناع عن المفاوضات. فالفراغ السياسي يسمح لرؤساء الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية للضغط على الحكومة لتنفيذ خطوات، تعتبر مسرعة للضم، تمس بنسيج الحياة المعقول للسكان الفلسطينيين في المنطقة وفي جودة التنسيق مع أجهزة أمن السلطة الفلسطينية.
فمساهمة الأجهزة في الاستقرار النسبي على مدى الزمن ليس مشكوكاً فيها بل وثبتت كناجعة للغاية في الأيام الأخيرة حين قمعت مظاهرات التأييد العنيفة لحماس والتي جرت في مدن الضفة.
في الرؤية الاستراتيجية، ليس صحيحاً التمسك بسياسة الرد وتفضيلها على المبادرة لتصميم واقع أكثر استقراراً لإسرائيل. من المهم أن نفهم بأنه حتى في ظل غياب إعلان إسرائيلي رسمياً عن تفضيل حل الدولة الواحدة وحتى في غياب خطوات حقيقية لضم مناطق في الضفة الغربية، فإن الواقع المتحقق هو واقع الدولة الواحدة. ومن أجل وقف الانزلاق إلى هذا الواقع فإننا نقترح «خارطة طريق استراتيجية» تعتمد على أربعة أضلاع: الحفاظ على حرية العمل الأمني في كل المنطقة، ولكن في ظل التقليص الهام لإمكانية الاحتكاك مع السكان الفلسطينيين؛ واستمرار التعاون الأمني مع أجهزة الأمن الفلسطينية والمساعدة في تحسين قدرة حكم السلطة الفلسطينية. عرض أفق سياسي ـ الاستعداد للدخول في مفاوضات مع السلطة على تسويات انتقالية، والمعالجة في البداية لمسائل قابلة للحل والتطبيق الفوري للاتفاقات؛ والمساعدة من جانب إسرائيل للمساعي الدولية والإقليمية لإعادة بناء قطاع غزة، بشرط أن تتم من خلال السلطة الفلسطينية مع استئناف سيطرتها في المنطقة. إن المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل هي سلطة فلسطينية مستقرة تؤدي دورها وتكون عنواناً مسؤولاً، وسيكون الخطأ من جانب إسرائيل السماح لحماس بتنفيذ الإرهاب في الضفة وفي الوقت نفسه أن تتمتع بالهدوء وبإمكانية التعاظم في القطاع.
كوبي ميخائيل واودي ديكل
الملحق الاستراتيجي 18/12/2018