المثقف الفلسطيني بين الهم الوطني العام وقيود المانحين الغربيين:

حجم الخط
0

المثقف الفلسطيني بين الهم الوطني العام وقيود المانحين الغربيين:

المجتمع الفلسطيني يعاني من ظاهرة المثقف المدجن المنسحب من همومه الوطنية بحثا عن وظيفة اليورو قيمة المثقف تراجعت وغطت عليها صورة البندقية وباتت أخبار ضباط الأمن ووجهاء المجتمع أكثر تداولاً من كتب المثقفينالمثقف الفلسطيني بين الهم الوطني العام وقيود المانحين الغربيين: د. فايز فريجاتہ ليست مصادفة تاريخية ، أن يتزامن الدعم الغربي لمنظمات المجتمع المدني في أوروبا الشرقية، مع دعم مثيلاتها في العديد من البلدان الفقيرة والمناطق الساخنة في العالم. فمع مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي حظيت نقابة التضامن العمالية في بولندا أبرز منظمة مجتمع مدني في أوروبا الشرقية، بدعم غربي واسع النطاق بهدف اسقاط الحكم الشيوعي في بولندا، وفي نفس الحقبة أخذت العديد من الدول النامية في أفريقيا وآسيا وبعض البلدان العربية تشهد حضورا ملحوظا لمنظمات المجتمع المدني المدعومة من البلدان الغربية.بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982 برعاية دولية غربية وترحيل المقاتلين الفلسطينيين الي الجزائر وتونس والسودان، وبعد فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، بدأ البنك الدولي وبعض البلدان الغربية يقدمون مساعداتهم للشعب الفلسطيني من خلال المنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني. وبعد تسلم نقابة التضامن ، الحكم بشكل سلمي في بولندا في حزيران (يونيو) 1989 (والذي تلاه بأشهرقليلة، انهيار حائط برلين، وانهيار النظام الشيوعي في المعسكر الشرقي والاعلان عن انتهاء الحرب الباردة) شهد العالم تحولات كبيرة ومن أبرزها، سيادة الثقافة الغربية كثقافة مثالية تلقفتها العديد من النخب المثقفة في البلدان النامية والفقيرة وأخذت تروج لها من خلال منظمات المجتمع المدني، كبوصلة لرقي شعوبها والقضاء علي تخلفها. فازدادت ظاهرة منظمات المجتمع المدني، والمنظمات الأهلية الغير حكومية انتشارا في العديد من المناطق في العالم، وفي نفس الحقبة أخذ العديد من المنظرين الغربيين ومن بينهم ديفيد ستارك ولاشلو بروشت ينظرون الي تجربة منظمات المجتمع المدني في اوروبا الشرقية في فترة التحول، علي أنها تجربة جديرة بأن تستفيد منها المجتمعات النامية التي تعاني من أنظمة ديكتاتورية، وأن منظمات المجتمع المدني أداة فعالة في تحقيق الديمقراطية والمساواة….الخ. ومع مطلع التسعينات من القرن الماضي استمرت الدول الغربية في تعزيز وتدعيم وتشجيع العديد من منظمات المجتمع المدني وتمكينها في العالم العربي. بعد انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، أخذت كافة الأحزاب والفصائل السياسية الفلسطينية بانشاء العشرات من منظمات المجتمع المدني الممولة من المانحين الغربيين تحت مسميات وشعارات وأهداف مختلفة، منها ما يتعلق بحقوق الانسان ونشر الديمقراطية وتداول السلطة والشفافية، ومنها ما يتعلق بحقوق المرأة، ولجان الدفاع عن الأرض والمياه ولجان الحفاظ علي البيئة………الخ، والمتتبع لتطور منظمات المجتمع المدني الفلسطينية مند 1982 وحتي اليوم، يلاحظ ما يلي: 1 ـ الدعم المالي المشروط، حيث أن الممولين الغربيين يقدمون دعمهم للمشاريع التي لا تتعارض مع سياسة الاحتلال (البعض يقول لا تتعارض مع الجانب الاسرائيلي) وهذا أولا، وأما ثانيا فان الممول هو الذي يحدد الأولويات للبرامج التي يقدمها للشعب الفلسطيني من خلال منظمات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية، مع العلم بأنه في العديد من الأحيان لا تكون هذه البرامج منسجمة مع أولويات المجتمع الفلسطيني. ومن جهة أخري هناك تمييز واضح في تقديم الدعم المالي لمنظمة مجتمع مدني بعينها وحجبه عن منظمة أخري، حيث أن منظمات المجتمع المدني الناشطة في الدفاع عن الأسيرات الفلسطينيات في السجون الاسرائيلية مثلا لا تتلقي أي نوع من الدعم المالي، في حين أن منظمات المجتمع المدني التي تطالب بمساواة حقوق المرأة بالرجل تحظي بدعم كبير، وهو نفس حال اللجان التي تدافع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات التي يحجب عنها كل أشكال الدعم الخارجي، في حين أن المؤسسات الحقوقية الأخري تحظي بدعم كامل.2- تفريغ مدينة القدس من المؤسسات الفلسطينية وممارسة الضغط الشديد علي منظمات المجتمع المدني الفلسطينية العاملة في مدينة القدس المحتلة، مما اضطرها لنقل مقراتها خارج المدينة المقدسة الي مدينة رام الله مقر الرئاسة والوزارات الفلسطينية الرئيسية والمدن الرئيسية الأخري من أجل استمرار الدعم والتمويل الغربي. 3- استقطاب منظمات المجتمع المدني للمثقفين الفلسطينيين، خاصة المثقفين اليساريين من الطبقة الوسطي، وولائهم الواضح للشخصية المحورية في هذه المنظمات التي تعمل وفق املاءات الممولين والمانحين الغربيين. من هنا ظهر في المجتمع الفلسطيني ما يسمي بالمثقف المدجن المنسحب من الاهتمام بالشأن العام والمتنكر لمبادئه السابقة، والذي أخذ يسعي بصورة انتهازية للحصول علي الوظيفة التي تدر عليه الدخل باليورو سواء في منظمات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية الممولة من المانحين الغربيين. وأصبح حاله كحال الأطباء الكمبوديين الذين تركوا العمل كأطباء في المستشفيات الكمبودية والعمل كمترجمين في منظمات المجتمع المدني، بسبب العائد المالي المرتفع نسبيا من عملهم كمترجمين عنه كأطباء. هذا المثقف الذي أخذ يتواجد باستمرار في وظيفته دون انتاج ثقافي حقيقي قد تولد لديه في هذا السياق ازدواجية في الوعي والممارسات والعلاقات سواء مع المجتمع المحلي أو مع المجتمع المدني.اذا كان من الصعب وضع كافة المثقفين الفلسطينيين في كفة واحدة، لاختلاف الانتماءات والتوجهات الفكرية والأيديولوجية وكذلك الامكانيات والقدرات، الا أن الهموم والتطلعات الشخصية عند العديد من المثقفين في مرحلة وباء منظمات المجتمع المدني قد أخذت تطغي علي الهم العام والوطني، وتطغي أيضا علي العطاء والابداع الذي امتاز به المثقف الفلسطيني طوال العقود الماضية، وهذا تأكيد علي صحة المقولة التي تنظر الي الابداع باعتباره تعبيرا عن شقاء الروح والجسد وعن ضيق ذات اليد. الباحث هنا لا يجلد ذاته، ولا يضع زملاءه المثقفين الفلسطينيين في هذه المرحلة في قفص الاتهام، ولا يحكم عليهم مسبقا، لأن الرأي لا يكتمل الا بالرأي الآخر والا بالجدل بينهم.من خلال هذه الدراسة سيحاول الباحث ابراز أهم التحديات التي تواجه المثقف الفلسطيني في قراءة تحليلية للمحاور الرئيسية للصراع العربي الاسرائيلي الذي لا زال يشكل الهم الأكبر للعديد من المثقفين الذين لم تغرهم وظائف منظمات المجتمع المدني، وسيترك الباحث الباب مشرعا للباحثين والمثقفين لاغناء واثراء النقاش حول ظاهرة تراجع الابداع عند المثقف الفلسطيني، ومن هنا سيحاول الباحث أن يطرح بعض التساؤلات التي تتعلق بالآني والمأمول لمثقفنا العربي الفلسطيني، وأبرزها، أين مكانة المثقف الفلسطيني اليوم؟ وكيف وصلت مكانة المثقف الفلسطيني الي هذا الحد من التراجع؟ واين يجب أن تكون مكانة المثقف الطبيعية في مجتمعه الفلسطيني؟ وأخيرا كيف سيعود المثقف الفلسطيني الي مكانته الطبيعية؟الواقع والتحديات: الملاحظ فعلا وعلي أرض الواقع أن المثقف الفلسطيني اليوم عاجز عن قراءة الواقع وعن تحديد الملامح العامة لتوجهات ثقافة المرحلة الحالية من حياة المجتمع الفلسطيني التي امتازت بحمي منظمات المجتمع المدني التي نشأت بموازاة السلطة الوطنية بعد اتفاقات أوسلو. فالمثقف الفلسطيني قد أصبح في حل مع الاجماع الذي سبق أوسلو، فأصبح كل يغني علي ليلاه، وبذات الوقت نجد المثقف عاجزا عن تقديم قراءة منسجمة للواقع الجديد. فهو متقاعس عن فعل الابداع، ومن هنا يقول الكاتب الفلسطيني رجب أبو سرية ما كان يعاني منه المثقف الفلسطيني من تشتت وتوزعٍ بين وطنٍ ومنفي، لم يتحول به فعل العودة إلي فعلٍ إيجابي لكلا الصورتين، صورة العائدين، وصورة المرابطين، فلم يستفد الأولون من العودة لتجاوز حالة التذهين، التي كانت تلف إبداعهم، ثم ما لبثوا أن غاصوا في حالة من الاغتراب، التي جعلت من عودتهم عودة فيزيائية وحسب، كما لم يستفد المرابطون (إن صحّ التعبير بالطبع والتصنيف الذي يجيء بدافع توضيح الصورة والفكرة ليس إلاّ) من الواقع الجديد، لتوسيع الدائرة المعرفية، وتجاوز حالة الحصار، التي كانت مفروضة عليهم وعلي إبداعهم في آنٍ معاً .ويضيف رجب أبو سرية المثقف الفلسطيني عموماً، بات يعاني من آثار التراجع في الوعي المدني العام، للمجتمع الفلسطيني، الذي أخذته صورة العزة علي بيئة البندقية والزي العسكري ورتبة من يرتديه، وتراجعت انتماءاته علي الأساس المدني، في إطار الأحزاب السياسية، والاتحادات النقابية، ليعود إلي التشكل علي الأساس العائلي العشائري، والمناطقي، القروي/ الريفي، بما يضع المثقف في خانة متدنية من التقدير الاجتماعي، ومن القيمة المجتمعية، ويفتح المجال لثقافة هجينة وسطحية، لا انتماء لها، تؤدي دورها في إلحاق مجتمعنا بالتشكيلة الإقليمية، علي شاكلة التشكيلة العولمية. وهكذا تراجعت قيمة المثقف الفلسطيني ـ دوره ومكانته، بحيث باتت أخبار ضباط الأمن ووجهاء المجتمع، أهم وأكثر تداولاً من كتب المثقفين، الذين طالما شكلوا وعينا، وجسدّوا كبرياءنا الوطني . ولعل أهم القضايا التي تحول دون ابداع المثقف الفلسطيني في المرحلة الحالية، هو أولا، احتكار السلطة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994 وحتي نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006 للمجال الثقافي ذي اللون الأوحد (بزعامة حركة التحرير الوطني فتح)، وثانيا عدم فاعلية المثقفين (الموظفين) من خلال مؤسسات المجتمع المدني مع مجتمعهم، وذلك حسب شروط الشخصيات المحورية لتلك المؤسسات الذين يديرون مؤسساتهم وفق أولويات الممولين والمانحين الغربيين، وليس وفق أولويات المجتمع الفلسطيني، ونتيجة لذلك يقف المثقف الفلسطيني عاجزا عن منح المجتمع وعيه الذاتي وشعوره بالتجانس، لذا نراه يقف مشلولا عن الابداع اتجاه القضية المحورية، ألا وهي ادارة الصراع مع الاحتلال الصهيوني الذي لا زال يدخل الي المدن الرئيسية علي مرأي ومسمع السلطة الوطنية المتصارعة علي التشكيلة الحكومية والتي تسحب قواتها الراجلة والمحمولة عند دخول الجيش الاسرائيلي الي وسط المدن الفلسطينية ليقتل وينكل ويدمر كل شيء في طريقه، وربما يكون هذا ضمن اتفاقات أوسلو، فالاحتلال الصهيوني حاليا هو الذي يدير الصراع مع الجانب الفلسطيني، بعد أن نجح الطفل الفلسطيني في انتفاضة الحجارة بادارة الصراع مع الاحتلال.ماذا يريد الشارع الفلسطيني من مثقفيه؟ان استطلاع الرأي الذي أجراه مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت بتاريخ 28ـ2ـ2007، يؤكد أن 53 بالمئة من الشارع الفلسطيني ينادي بانشاء تيار سياسي ثالث يجمع القوي الديمقراطية الفلسطينية، في حين أن اليسار الفلسطيني بكافة فصائله، قد أيدته نسبة 1 بالمئة من المستطلعين. ان تأمل النسب التي وردت في نتائج الاستطلاع تطرح تساؤلين كبيرين، أولهما، هل المجتمع الفلسطيني يسير في الاتجاه الصحيح؟ وثانيهما، هل يرغب الشارع الفلسطيني في أن يعطي مثقفيه فرصة جديدة للنهوض بالمجتمع وحمل لواء التغيير وخلق طريقة ابداعية لادارة الصراع مع الاحتلال؟وللاجابة علي هذين التساؤلين لا بد من تحديد أبرز معالم المرحلة الحالية التي يمر بها المجتمع الفلسطيني كما يراها العديد من المترقبين للشأن الفلسطيني:1 ـ ان الأزمة الحالية التي تشهدها الساحة الفلسطينية هي أزمة نخبة مثقفة مبدعة ذات انتماء أصيل، قادرة علي فعل الابداع للنهوض بالشارع الفلسطيني وتمكينه من ادارة الصراع مع الاحتلال، فالشعب الفلسطيني أصبح اليوم يبحث عن تيار ثالث يستطيع الامساك بزمام المبادرة، قادر علي ادارة الصراع مع الاحتلال لصالح الشعب الفلسطيني لا لصالح فئة أو فصيل سياسي معين.2 ـ ان المصالحة بين الفصائل الرئيسية فتح وحماس واقامة حكومة الوحدة الوطنية يجب أن تكون مسبوقة بمصالحة مع الشعب الفلسطيني الذي دفع ثمن هذا الصراع علي السلطة وتم تجويعه وتعطيل حياته اليومية لنحو عام تقريبا، حتي تدني مستوي الانفاق اليومي للفرد الفلسطيني الي أقل من دولارين في حين أن السبسيديا المقدمة للبقرة الواحدة في المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية تتجاوز خمسة دولارات يوميا.3 ـ انخفاض شديد في نسبة تأييد المتفرجين علي الصراع من فصائل وأحزاب أخري، والذين كانوا يسعون الي جني ثمار سريعة من وراء هذا الصراع علي السلطة، وبنفس الوقت تؤكد هذه النتيجة علي مدي تقدم موقف الشارع الفلسطيني علي مواقف قياداته السياسية المختلفة ونخبته المثقفة.4 ـ تطلع الشعب الفلسطيني الي دور طلائعي يقوده المثقفون الفلسطينيون بعيدا عن الانتماءات الفئوية والحزبية والعشائرية والمصالح الضيقة، وخاصة أن البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تطرحها كافة الفصائل هي واحدة ولكن تحت مسميات وشعارات ومزايدات مختلفة وهذا ما ثبتت صحته في الآونة الأخيرة من التنازلات التي شهدناها لبعض البرامج في سبيل الاحتفاظ بالسلطة لا الاحتفاظ بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.5 ـ تثبت هذه النتيجة أن الخلافات في الشارع الفلسطيني ليست علي البرامج المطروحة، بل علي المصداقية والممارسة الصحيحة للقيادات الرئيسية سواء السياسية أو قادة المجتمع المدني، وهو يعني استمرارية الرؤية الشعبية التي تجلت بوضوح في الانتخابات التشريعيـــــــة السابقة والتي كانت موجهة ضد الفساد بكافة أشكاله، ولهــــذا يأمل الشارع الفلسطيني بدور جديد يطلع به المثقف الفلسطيني.ادارة الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي تحتاج الي ابداع المثقف الفلسطيني:اذا يقف المثقف الفلسطيني اليوم أمام تحديات داخلية وخارجية ضخمة وجهها الأوحد ادارة الصراع مع الاحتلال الذي كان ولا زال المبادر الرئيسي في ادارة الصراع. ان ادارة الصراع في المرحلة المقبلة تتطلب رؤية ابداعية وثاقبة، تنسجم مع طبيعة المرحلة الحالية من حياة الشعب الفلسطيني. وعلي هذا المثقف الفلسطيني أن يدرك أولا، أن اسرائــــيل (الطرف، الأقوي في المنطقة في حسابات القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية ) اليوم تواجه ثلاثة تحديات رئيسية، فاما السلام مع الفلسطينيين والقبول بدولة فلسطينية علي كافة الأراضي المحتلة عام 1967 ومجاورة للدولة اليهودية، واما القبول بدولة ثنائية القومية، أو الاستمرار في الصراع.ان ما يجري علي أرض الواقع يثبت أن اسرائيل قد تبنت التحدي الثالث، ألا وهو استمرار الصراع، لأنه حسب توقعات القيادة العليا الاسرائيلية، ستكون اسرائيل الطرف الرئيسي الخاسر في أية عملية سلام قادمة، وهذا يعني أن اسرائيل وقيادتها السياسية والعسكرية والعقائدية لا زالت غير ناضجة أو جاهزة بما يكفي لصنع السلام مع الفلسطينيين، أي أنها ليست شريكا حقيقيا في عملية السلام كما يظن الموهومون عربيا واقليميا وفلسطينيا بالتوصل الي السلام مع الاسرائيليين، فاسرائيل ومنذ اتفاقات أوسلو تنهج نهجا زئبقيا فتوهم العالم بأنها تريد السلام، وبنفس الوقت تستمر في اختلاق المبررات الكافية للعالم أنها في حالة الدفاع عن النفس. وهكذا نجحت اسرائيل في تأجيل استحقاقات أوسلو وتوجيه الأنظار في العالم الي القضية الأمنية علي حساب القضايا القومية والوطنية والحقوقية للشعب الفلسطيني، تهربا من الضغوط والجهود الدولية الرامية الي تحقيق السلام في الشرق الأوسط، فاسرائيل ترتعب من السلام أكثر من ارتعاب جنودها في الحرب، لأنها دوما تقيس عملية السلام بميزان الربح والخسارة وذلك للأسباب التالية:1 ـ أن السلام سيقزم أحلامهم وأوهامهم وحدود دولتهم التي يحلمون بها (اسرائيل الكبري من النيل الي الفرات) الي حدود 1967، أي أن القبول بدولة فلسطينية مجاورة لدولة اسرائيل سيعني اقامة حدود لدولة ليس لها حدود وسيضطر الاسرائيليون للتنازل عن الأراضي التي أحتلت عام 1967.2 ـ السلام سيضع حدا للسيطرة الاسرائيلية علي الموارد المائية السطحية والجوفية، فاسرائيل تستنزف نحو 705 ملايين متر مكعب من مياه نهر الأردن مباشرة عبر الناقل الوطني الاسرائيلي، يذهب منها 20 مليون متر مكعب للمستوطنات الاسرائيلية، عدا عن ملايين الأمتار المكعبة من المياه التي تستولي عليها من خط تقسيم المطر الذي يمر في الضفة الغربية، من خلال مصائد المياه الاسرائيلية، وكذلك فان اسرائيل تستنزف نحو 580 مليون متر مكعب من المياه الجوفية في الضفة الغربية، تحول منها 487 مليونا الي داخل اسرائيل و 93 مليون متر مكعب للمستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية، ولهذا فان اسرائيل غير مستعدة للاعتراف بالحقوق المائية للفلسطينيين أو الدول العربية المشاطئة لنهر الأردن، ففي حالة السلام فان علي اسرائيل أن تعيد 80بالمئة من المياه الفلسطينية الي أصحابها الشرعيين، علاوة علي التعويضات عن استخدام اسرائيل المياه الفلسطينية لعدة عقود من الاحتلال، وهذا يعني ضربة موجعة للمشاريع الاقتصادية والعمرانية الاسرائيلية، بل ضربة موجعة لكل مشاريع البنية التحتية في المستعمرات اليهودية المقامة في الضفة الغربية لاستقبال واستقطاب المهاجرين اليهود سنويا، وهذا الأمر لن توافق عليه القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية بسهولة، ولن تتخلي أيضا بسهولة عن أحلام الحركة الصهيونية حتي قبل قيام دولة اسرائيل، عندما ضغطت الحركة الصهيونية علي فرنسا وبريطانيا أثناء توقيع اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 لضم جنوب لبنان الي فلسطين، من أجل أن تضمن مصادر المياه في الجنوب اللبناني عندما تصبح دولة يهودية في المنطقة.3 ـ يتكون نسيج المجتمع الاسرائيلي منذ 1948 وحتي اليوم من موجات متواصلة من المهاجرين اليهود من قوميات عرقية واثنية مختلفة، تعمل الدولة العبرية علي ادماجهم في هوية واحدة وتستخدم الصراع مع العرب والفلسطينيين كأداة فعالة في ادماج اليهود المقيمين والقادمين من مختلف القوميات وتوحيدهم في هوية واحدة واظهارهم دوما بأنهم مستهدفون من اعدائهم العرب والمسلمين وهكذا تولد لديهم الشعور القومي اليهودي بغض النظر عن الاختلافات الاثنية والعرقية لليهود المهاجرين الي اسرئيل. وهذا نجده جليا اذا عرفنا أن النمو الديمغرافي داخل المستعمرات الاسرائيلية المقامة علي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية يتوزع بنسبة 34 بالمئة من النمو الديمغرافي الطبيعي مقابل 66 بالمئة من الهجرة القادمة الي اسرائيل.لقد استخدمت الحركة الصهيونية الصراع مع العرب منذ وقت مبكر سواء لادماج اليهود في هوية واحدة أو حتي لجلب المهاجرين اليهود من العديد من الدول العربية، مثلما حدث مع اليهود في العراق، وكذلك اليهود الجزائريين، حين قامت الحركة الصهيونية باستفزاز مشاعر المسلمين الجزائريين بكب النفايات علي مساجدهم وتحطيم قبورهم، مما أدي الي هرب الكثير من اليهود الجزائريين الي أوروبا ومن ثم الي اسرائيل في عقد الخمسيـــنات من القرن الماضي.وما دامت اسرائيل تسعي الي تهجير يهود العالم اليها، فلن تستغني عن الصراع مع العرب كأداة فعالة لحماية الهوية اليهودية، فكلما استمر الصراع مع العرب والمسلمين، زاد تدفق اليهود المهاجرين وخاصة الأرثوذوكسيين منهم، وازداد حجم المتعاطفين مع اسرائيل في العالم، ومن هنا تنظر اسرائيل الي عملية السلام مع الفلسطينيين كخـــــطر يهدد نسيج المجتمع الاسرائيلي لأن الصراع يوحدهم والسلام يفرقهم.4 ـ علي الرغم مما ارتكبته وترتكبه اسرائيل من جرائم انسانية وأخلاقية وبيئية ضد العرب والفلسطينيين، الا أنها استطاعت أن تسوق نفسها الضحية الأولي في منطقة الشرق الأوسط، ومن خلال سيطرتها علي العديد من وسائل الاعلام العالمية، تظهر نفسها أنها المشروع الحضاري والديمقراطي الأول في المنطقة وأن هذا المشروع الرائد مهدد بالخطر من العرب والفلسطينيين، ولهذا علي العالم المتحضر دعم المشروع القومي اليهودي الحضاري في فلسطين التاريخية، وهكذا فان اسرائيل (الضحية) تحصد سنويا مليارات الدولارات كمساعدات للدفاع عن نفسها من الخطر الفلسطيني والعربي ، ولهذا فان التوصل الي السلام بين اسرائيل وجيرانها العرب سيبطل مبررات هذا الدعم الخارجي، ومن هنا فان اسرائيل تنظر أيضا للسلام كخطر يهدد الدعم المالي الضخم الذي تحصده سنويا من أصدقائها في العالم.5- يصل معدل النمو الديمغرافي الطبيعي في فلسطين الي نحو4،5 بالمئة في حين لا يتجاوز النمو الديمغرافي الطبيعي في اسرائيل1،5 ـ 2،5 بالمئة وهذا يعني تفوق الفلسطينيين ديمغرافيا علي الاسرائيليين، ولهذا تري اسرائيل أنه لا بد من استمرار تدفق الهجرة اليهودية الي اسرائيل من أجل الوصول الي سيطرة ديمغرافية اسرائيلية في المنطقة، فنسبة العرب في اسرائيل داخل الخط الأخضر بعد اقامة الدولة اليهودية عام 1948 لم تتجاوز 18.5 بالمئة والآن وبالرغم من تضاعف عدد السكان العرب داخل الخط الأخضر حتي وصل عددهم الي أكثر من مليون ومئتي الف مواطن عربي حسب احصائيات عام 2000، فان نسبتهم لا زالت تراوح مكانها ولا زالوا يشكلون نسبة 18.5 بالمئة، وذلك بسبب قيام اسرائيل باستقدام مهاجرين جدد مقابل أي زيادة طبيعية في الوسط العربي، وهذا أيضا ينطبق علي مدينة القدس التي أحتلت عام 1967 والتي شهدت تحولات ديمغرافية كبيرة منذ احتلالها قبل أربعة عقود، حيث قامت اسرائيل بضخ مئات الآلاف من اليهود في المدينة، مما أدي الي تدني نسبة المقدسيين العرب اليوم الي 18.5 بالمئة وخاصة بعد أن أحاطت المدينة بجدار الضم والتوسع وطردت الآلاف من أبنائها الي خارج الجدار. ومن جهة أخري فان تعداد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة سيصل عام 2020 الي نحو سبعة ملايين نسمة وهذا يعني في حسابات الاسرائليين، أن هذه الأعداد المتزايدة ستحتاج الي مزيد من الموارد الطبيعية وعلي رأسها الأرض والمياه، ومعلوم أن مساحة الأراضي المستغلة في الزراعة لا تتجاوز 6% من الأراضي الزراعية التي تستهلك حاليا نحو 174 مليون متر مكعب من المياه، منها 89 مليونا تستعمل في الزراعة المروية في الضفة الغربية، ولهذا وفي خطوة مسبقة أقامت اسرائيل جدار الضم والتوسع، لالزام الفلسطينيين مسبقا بواقع جغرافي جديد من جهة، ومن جهة أخري فان هذا الجدار يعتبر رفضا مسبقا لدولة ثنائية القومية قد تكون خيارا لحل الصراع العربي الاسرائيلي، لأن الغالبية من سكان الدولة الثنائية القومية ستكون من الفلسطينيين. أيضا فان النمو الديمغرافي المتزايد في الجانب الفلسطيني المحاصر بالجدار سيظل مصدرا للصراع المستمر الذي هو أوكسجين الحياة للدولة العبرية.الخلاصة:وبناء عليه توصي هذه الدراسة بما يلي:أولا: وفقا للحقائق الموضحة أعلاه، علي المثقف الفلسطيني أن يشكل حضورا قويا، وأن ينزع بفكره الخلاق كمامة أوكسجين الصراع الدي تحيا به الدولة العبرية، ويظهر للعالم أن اسرائيل هي التي ترفض السلام، لا الشعب الفلسطيني التواق للحرية والسلام.ثانيا: ان التيار الثالث المقترح شعبيا والذي يجمع القوي الديمقراطية الفلسطينية، هو دعوة شعبية صريحة الي المثقف الفلسطيني المكبل بدولارات منظمات المجتمع المدني المدعومة من المانحين الغربيين، أن يطلق العنان لفكره المبدع، مستقرئا تجربة الانتفاضة الأولي، تجربة انتفاضة أطفال الحجارة التي أكدت علي التوجهات الحقيقية للشعب الفلسطيني والتي حققت للمجتمع الفلسطيني أكثر مما حققه العقداء والجنرالات العرب والفلسطينيون. أيضا علي المثقف الفلسطيني أن يستقريء بعمق تجربة جنوب أفريقيا، وكيف انتصرت الأغلبية السوداء علي الأقلية البيضاء.ثالثا: اليوم أصبح المجتمع المدني، ضرورة ملحة في حياة كل الشعوب، وأداة حقيقية لتحسين شروط التعاقد بين الحكومات وشعوبها، وأداة فاعلة من أجل تحقيق الديمقراطية وتداول السلطة، خاصة اذا اعتمدت علي التمويل الذاتي وابتعدت عن التوسل باسم شعوبها عند المانحين الغربيين.رابعا: التحولات المتسارعة عالميا، والتحديات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي تواجه شعبنا العــــــربي من المشرق الي المغرب ومن المحيط الي الخلــــيج تفرض بالضرورة خلق اطار شامل ومستقل، يجمع المثقفين العرب لتداول همومهم والتحديات التي تواجه بلدانهم.ہ محاضر في جامعة القدس/ فلسطين7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية