التطبيع مع العرب يبدأ بالفلسطينيين

حجم الخط
0

مؤخراً تشغل بال المؤسسة السياسية ـ الأمنية في إسرائيل مسألتان إسرائيليتان مركزيتان: هل التقارب مع الدول العربية السُنية، والذي يستند إلى تماثل متعمق للمصالح، يؤدي إلى تطبيع بين الطرفين على نحو منقطع عن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وهل يمكن ربط الدول العربية للضغط من الخارج على السلطة الفلسطينية كي تلطف حدة مواقفها وتقبل عناصر «صفقة القرن» التي بلورتها إدارة ترامب.
إن الخوف من تطلعات الهيمنة الإيرانية والحاجة إلى مكافحة الإرهاب والإسلام المتطرف تبينا في السنوات الأخيرة كدافع عظيم القوة في عملية التقارب بين إسرائيل والأنظمة العربية، المؤيدة لأمريكا. فالانشغال بهذه التحديات العاجلة دفع جانباً التزام الدول العربية التقليدي بوضع الموضوع الفلسطيني في مركز جدول الأعمال الإقليمي.
من خلف الكواليس، عمقت الأنظمة العربية السنية التعاون مع إسرائيل بشكل غير مسبوق، مثلما صرح رئيس الوزراء، وغير مرة لا تتردد حتى في الإعلان عن العلاقات معها. فقد أجرى رئيس الوزراء زيارة رسمية إلى سلطنة عُمان وعزف «هتكفا» في مباريات الجودو في أبو ظبي، واجتمع وزراء إسرائيليون علناً مع محافل عربية رسمية، ورئيس الأركان منح وسيلة إعلامية سعودية مقابلة صحافية أولى من نوعها. إضافة إلى ذلك ووفقاً لتقارير في وسائل الإعلام، تجري اتصالات لإقامة علاقات مع البحرين والسودان، واستضاف الرئيس السيسي نتنياهو في زيارة سرية إلى مصر في شهر أيار من هذا العام، والدول العربية معنية بالتكنولوجيا والاستهدافات الإسرائيلية، بما في ذلك في المجالات الأمنية.
وتعكس العلاقات المتوثقة مع الدول العربية تغييراً في مكانة إسرائيل كحليفة في المنطقة وتثير قلقاً عميقاً في السلطة الفلسطينية التي تخشى من تآكل مكانتها كمن تمسك بمفتاح التطبيع ولا يزال. إن أساس التعاون مع الأنظمة العربية يجري «من تحت الطاولة» ومن شريحة ضيقة للغاية من المستويات الرسمية العليا؛ أما العلاقات الشعبية فنادرة؛ فالشارع وطبقة المثقفين العرب، ولا سيما في دولتي السلام مصر والأردن، معاديان لإسرائيل، واللقاءات غير الرسمية (Track 2) تلغى أكثر من مرة.
على المستوى الرسمي، فإن عمق العلاقات بين الطرفين متدن اليوم عن مستواه في ذروة سنوات المفاوضات مع الفلسطينيين، حين عملت مكاتب مصالح وتجارة في عدة دول في الخليج، وحل مسؤولون إسرائيليون ضيوفاً في وضح النهار في القاهرة والتقوا علناً الرئيس مبارك في وجبات سمك في شرفة قصره، ومع القيادة الأمنية المصرية. ومنذ الهجوم على سفارتها، تعمل إسرائيل دون مبنى سفارة في القاهرة، والعلاقات مع الأردن شهدت هي الأخرى سلسلة من الصدمات.
على المستوى السياسي، في أثناء زيارة مبعوثي الرئيس، كوشنير وغرينبلت إلى دول المنطقة، التقيا زعماء عرباً يتمسكون علناً بموقف الفلسطينيين: حل الدولتين في حدود 67 مع شرقي القدس كعاصمة الدولة الفلسطينية.
أما الوحيد الذي اتخذ صورة من يبدي الاستعداد للخروج عن الصف العربي والضغط على أبو مازن فكان ولي العهد السعودي، بن سلمان، ولكن هو أيضاً «دعي إلى النظام» من أبيه وتراجع ليسير على الخط مع الموقف التقليدي لباقي الدول العربية. ومنذئذ، في أعقاب قضية خاشقجي، وصمت بالعار واهتزت جداً مكانته في العالم، وفي داخل المملكة، وقل دراماتيكياً الاحتمال المتدني أصلاً، في أن يتمكن من أن يدفع إلى الأمام في المدى المنظور مواقف مرنة أكثر بالنسبة للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، أو الخروج عن بنود المبادرة العربية/السعودية، فما بالك تعديلها؟
في نظرة إلى المستقبل، يبدو أن زعماء العرب لم يكونوا مستعدين للتطبيع مع إسرائيل، في غياب مسيرة مع الفلسطينيين، خوفاً من رد الرأي العام وعلى استقرار حكمهم. فالخوف العميق من «الشارع» العربي، عاد ليتجسد في تجند كل الدول العربية لمنع قرار في الأمم المتحدة، حتى ضد حماس.
في السطر الأخير، فإن جوانب التطبيع بين إسرائيل والدول العربية اليوم، أضيق مما كانت في الماضي، ولا سيما العلاقات والتعاون معها تجري سراً من تحت السطح. وحسب قواعد اللعب في الشرق الأوسط، فإن قيمة ما يقال في «الغرف المغلقة» متدنية مقارنة بالتصريحات والبادرات الطيبة العلنية، ومن شأنه ألا ينجو من الانعطافات الإقليمية. وبالتالي فإن علاقات تطبيعية كاملة فقط ستؤدي إلى تعميق وتعزيز وترسيخ علاقات سلام حقيقية ومستقرة. وهذه ستصطدم بـ «السقف الزجاجي» الفلسطيني، طالما لا توجد، على الأقل، مسيرة سياسية مع السلطة الفلسطينية، التي بخلاف حماس تتمسك بطريق السلام وتبقي على تعاون أمني عظيم القيمة مع إسرائيل.

عاموس جلعاد واودي افنتال
افتتاحية يديعوت 19/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية