خيبة أمل وصدمة في إسرائيل من قرار ترامب الانسحاب من سوريا

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ “القدس العربي”:
كانت ملامح وجه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ولهجته وهو يتطرق لقرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من سوريا كافية لتعبّر بوضوح عن حالة الإحباط من إعلان ترامب عن “الانسحاب الفوري بعد الانتصار على داعش ” وهو “انتصار” وصفته أوساط إسرائيلية واسعة بـ”الهروب”. وكشف أمس أن نتنياهو فشل في إقناع ترامب بالتراجع عن قراره المفاجئ ولاحقا قال بتصريح مقتضب إنه يتم معاينة جودة هذا القرار وتبعاته وتأثيراته على إسرائيل التي ستعرف كيف تدافع عن ذاتها “.
وعبّر الوزير الإسرائيلي، يوآف غالانت عن حالة الضيق جراء القرار الأمريكي بقوله إنه “في أعقاب الانسحاب الأمريكي يجب على إسرائيل أن تبذل جهودا أكبر من أجل وقف العاصفة الشيعية في الشرق الأوسط”. وتوافق عدد كبير من المعلقين الإسرائيليين على اعتبار قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا ضربة لإسرائيل، يبقيها وحيدة مقابل روسيا وإيران في سوريا. وقال رئيس حكومة الاحتلال ووزير الأمن الأسبق إيهود باراك إن ترامب يتخلى عن سوريا، وإيران تحتفل واعتبر القرار لطمة لنتنياهو. وتابع في تصريحات لصحيفة “معاريف” “ترامب لا يعمل لدى نتنياهو، ولا بوتين” وإسرائيل هي المسؤولة لوحدها عن مستقبلها ومصيرها”.

طعنة للأكراد في الظهر

وعلى غرار موقف الأكراد الذين اعتبروا قرار ترامب “طعنة بالظهر” ذهبت بعض التحليلات الإسرائيلية إلى اعتباره دليلا على “ضعف وربما خيانة” من جانب الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة.
واتسمت هذه التحليلات بخيبة الأمل والصدمة، خاصة بعد تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم نتنياهو بأن الولايات المتحدة لن تنسحب من سوريا قبل أن تنسحب القوات الإيرانية منها. واعتبر المحلل السياسي في القناة العاشرة براك رفيد قرار الانسحاب مفاجئا وغير متوقع كقرارات أخرى اتخذها ترامب ويندرج ضمن سياسات الانطواء والانسحاب من المنطقة والتسليم بالهيمنة الروسية. كما اعتبر رفيد أن قرار ترامب خسارة لنتنياهو شخصيا بعدما كان يفاخر بعلاقاته الوطيدة مع الإدارة الأمريكية في عهد ترامب.
ويولي المحلل العسكري لصحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل أهمية إستراتيجية كبيرة لقرار ترامب بالنسبة لسوريا ودول الشرق الأوسط، بما فيها الأردن والسعودية، وعلى معركة النفوذ بين واشنطن وموسكو. يشار إلى أن ترامب كان متحفظا من البداية من استمرار وجود القوات الأمريكية في المنطقة، عندما تحدث عن “أمريكا أولا”، خلال حملته الانتخابية، من خلال تقليص الاستثمار العسكري في الشرق الأوسط. وبعد شهور من تسلمه مهام منصبه، استجاب لطلب قادة الجيش الأمريكي، وأبقى القوات الأمريكية في سوريا، والبالغ عددها اليوم ألفي جندي. وقبل نحو شهرين تحدثت تقارير عن مصادقته على مضاعفة عدد الجنود، إلا أنه يعلن الآن أن الدبلوماسيين الأمريكيين سوف يغادرون سوريا خلال يومين، وأن الانسحاب سيستكمل خلال 100 يوم.

انتصار شر من هروب

وعلل ترامب قراره بانتهاء الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد انهيار التنظيم وانتزاع أكبر مدينتين سيطر عليها، الموصل في العراق والرقة في سوريا. وفي المقابل، فإن قادة الجيش، وعلى رأسهم وزير الدفاع، جيمس ماتيس، يعتبرون أن الهدف من تواجد القوات الأمريكية في سوريا مغايرا، وأنه يجب إبقاؤها كحاجز أمام النفوذ الإيراني في منطقتين أساسيتين: شمال شرقي سوريا، ومنطقة التنف القريبة من القاعدة الجوية الأمريكية في الجنوب على الحدود مع العراق والأردن، الأمر الذي صعّب على إيران إقامة ممر بري فاعل من أراضي إيران إلى سوريا ولبنان عن طريق العراق.
وكان مسؤولون كبار في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد تحدثوا، في الأسابيع الأخيرة، عن أهمية من الدرجة الأولى لبقاء القوات الأمريكية هناك، حتى في ظل الضغوط الروسية على إيران لتقليص عمليات نقل الأسلحة إلى حزب الله عن طريق سوريا. ويشير هرئيل لقدرة نتنياهو بلوغ ترامب والتأثير عليه منذ انتخابه واعتبر أن جملة من القرارات التي اتخذها ترامب، مؤخرا، تبدو كأنها مطالب حزب “الليكود”، وبضمنها التعامل المتساهل مع السعودية بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران. وأشار إلى أن إسرائيل اعتبرت تواجد القوات الأمريكية في التنف كورقة مساومة، بحيث لا تخرج منها إلا في إطار اتفاق يقضي برحيل القوات الإيرانية من سوريا. وفي حال تبين أن انسحاب القوات الأمريكية ليس جزءا من اتفاق شامل مع روسيا، فإن ذلك سيبقي الهيمنة الروسية على سوريا. وبالنسبة لإسرائيل، بحسب هرئيل، فإن لذلك معنيين: الأول هو عزلها كما كانت في السابق وانفرادها في الجهود لإبعاد الإيرانيين من سورية، في ظل التوتر القائم مع روسيا منذ إسقاط الطائرة الروسية “إيليوشين 20” في أيلول/سبتمبر الماضي، والثاني هو أن ترامب اتخذ قرارا يتعارض مع موقف نتنياهو. وبرأي هرئيل يطرح ذلك تساؤلات بشأن المستقبل، خاصة وأن ترامب قلق، في الفترة الأخيرة، من الحرب التجارية مع الصين، ومن الملاحقة القضائية في الداخل بشأن التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص، روبرت مولر، في قضية التدخل الروسي على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل سنتين.

إيران وحزب الله

في المقابل، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مصادر سياسية إسرائيلية قولها إن الحديث يدور عن “ضربة لإسرائيل”، خاصة وأن نتنياهو كان قد صرح، في تموز/يوليو الماضي، خلال زيارة لموسكو أن الولايات المتحدة لن تغادر سوريا قبل أن تغادرها إيران. وأوضحت الصحيفة أن قرار الانسحاب الأميركي يأتي في توقيت سيئ جدا بالنسبة لإسرائيل، فالعلاقات مع روسيا لم تعد إلى مسارها بعد إسقاط الطائرة الروسية، وأنه رغم تهديدات أنفاق حزب الله، فإن الولايات المتحدة تواصل تسليح الجيش اللبناني، كما أنها ليست على استعداد لممارسة الضغط عليه. وترى الصحيفة أن القرار استجابة لمطالب دمشق وطهران وموسكو برحيل القوات الأميركية وتقول إنه بعد وقت قصير من التصريح الأمريكي، فإن وزارة الخارجية الروسية أصدرت بيانا قالت فيه إن “تواجد الجيش الأمريكي في سوريا غير قانوني، ويعرقل عملية السلام “.
أما المحلل السياسي في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، شمعون شيفر فيرى بالقرار الأمريكي إشارة إلى تحول خطير في مكانة إسرائيل، وأن “هذا القرار المتسرع سيكون على حسابها”. واعتبر أن ترامب لم يتمكن من تصفية قائد داعش، أبو بكر البغدادي، كما أن القرار لا يتماشى مع ادعاءات نتنياهو بأن “ترامب الرئيس أكبر صديق لإسرائيل منذ أجيال”، وأن “قادة دوليين، مثل ترامب وبوتين، يرقصون على إيقاعاته “. ويضيف شيفر “بوتين هو الذي فرض قيودا على إمكانية دفاع إسرائيل عن نفسها في سوريا من التمركز الإيراني قرب الحدود، وترامب هو المسؤول عن التخلي عن إسرائيل مقابل العدوانية الإيرانية في المنطقة”.

مصير الجولان

ويقول متسائلا إنه طالما أن “روسيا هي التي تقرر، وفي ظل عدم وجود ردع أمريكي في سوريا، فمن يمنع حزب الله وإيران من تحويل الجولان إلى موقع أمامي؟ لافتا إلى أن المظلة الإستراتيجية التي وفرتها الولايات المتحدة لإسرائيل تضعضعت، بعد أن كانت “تتمتع” بالقدرة على التلويح لـ”أعدائها” بأنه من الأفضل أن يأخذوا بالحسبان أن واشنطن إلى جانبها. وعلى غرار محللين آخرين يرى شيفر قرار ترامب دليلا على ضعف، وربما خيانة واشنطن لحلفائها، وأولهم الأكراد في سوريا. وكشف أن إسرائيل أيضا تشعر بالقلق، حيث أن نتنياهو تجنب التدخل في الحرب في سوريا، واعتمد على الأمريكيين في ضمان مصالح إسرائيل عندما تنتهي الحرب. ويتابع ” لكن يبدو الآن أن سوريا أصبحت بيد ألد أعداء إسرائيل، دون أن يكترث أحد لمصالحها”.

خطوة “متسرعة” و”بصقة في وجه إسرائيل”

مراسل “هآرتس” في الولايات المتحدة، حيمي شاليف اعتبر الخطوة الأمريكية “متسرعة” و”بصقة في وجه إسرائيل”. وفي محاولة للمقارنة بين الرئيسيين يضيف “لو كان الرئيس باراك حسين أوباما هو الذي يترأس الولايات المتحدة اليوم لقالوا عنه “جبان ومهزوم.. يهرب وينسحب مهزوما.. يطوي ذيله.. يتخلى عن إسرائيل.. يخون الأكراد ويغرز سكينا في ظهر معارضي الطاغية الأسد.. يعزز قوة إيران.. يمنح روسيا نصرا ساحقا.. يلقي طوق النجاة لبقايا داعش ويشجع الإسلام الراديكالي”. وينبه شاليف، إلى أنه نظرا لأن ترامب هو متخذ القرار، فإن إسرائيل تتقبل ذلك بتفهم، وتحترم القرار، و”تنتقد بصوت خافت، وتصلي كي تتبدد مخاوفها من الإجراءات الأمريكية “.

خنوع وتملق

ووجه سهام نقده إلى نتنياهو مؤكدا أنه راهن على خطوات رمزية، مثل نقل السفارة إلى القدس وتحصين المستوطنات، على حساب التهديد الخطير والفوري القائم في الشمال. مضيفا أن هذا مصير من “علق في حفرة لزجة من الخنوع والتملق إلى درجة أنه فقد القدرة على الاختلاف مع الرئيس الأمريكي علانية، أو تجنيد الكونغرس والرأي العام ضده “. مشددا على أن التراجع الأمريكي يعني منح الهيمنة المطلقة لموسكو وتوقع أن تؤدي خطوة ترامب إلى تسريع الحملة العسكرية التي أعلنت عنها تركيا في شمالي سوريا لافتا الى ان الأكراد الذين سلحتهم الولايات المتحدة سيبقون لوحدهم في مواجهة الجيش التركي الكبير والقوي. ويتفق شاليف مع من يعتبرها خطوة خطيرة على المستوى الاستراتيجي بالنسبة لاسرائيل بقوله إن انسحاب القوات الأمريكية لا يوجد له دلالة عسكرية فحسب، وإنما رمزية أيضا، فهي تعني بالنسبة لإسرائيل “حلوا مشاكلكم لوحدكم. واجهوا لوحدكم الكرملين وآيات الله والأسد.. لم يعد ذلك يعنينا.. خسارة على الأموال التي ننفقها هناك عليكم.. نحن مع الولايات المتحدة أولا، وليس كما تعتقدون الولايات المتحدة وإسرائيل أولا”.

قرار ترامب يمس بشكل خطير بأمن إسرائيل، ولكنها ستتقبل عقابها بحب

وخلص للقول “إن نتنياهو صرح أن إسرائيل تعرف كيف تدافع عن نفسها. ولكنها ستفعل ذلك من موقع ضعيف، حيث لا يقف خلفها الأخ الأكبر، خاصة بعد أن تقلصت قدرتها على المناورة بشكل جدي بعد إسقاط الطائرة الروسية. قرار ترامب يمس بشكل خطير بأمن إسرائيل، ولكنها ستتقبل عقابها بحب. ويجب عليها أن تقسم الآن أن البصقة من البيت الأبيض هي أمطار بركة “.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية