عن إنكار المحرقة وإنكار جرائم دارفور

حجم الخط
0

عن إنكار المحرقة وإنكار جرائم دارفور

عن إنكار المحرقة وإنكار جرائم دارفورد. عبدالوهاب الأفندي في الأسبوع الماضي أدانت محكمة سويسرية سياسياً تركياً بتهمة إنكار جريمة الإبادة الجماعية ضد الأرمن في تركيا. وفي نفس الأسبوع أصدرت لجنة تابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تقريراً يحمل إدانة دامغة للحكومة السودانية في استمرار جرائم العنف ضد المدنيين في إقليم دارفور، أردفها بإدانة للمجتمع الدولي لما وصف بأنه تقصير في التصدي بحزم كافٍ لتجاوزات الحكومة السودانية بينما بدأ المجلس يوم الجمعة الماضي مناقشة التقرير بهدف إصدار إدانة رسمية للسودان.في الأسبوع الماضي أيضاً انعقد في لندن اجتماع ضم عدداً من المنظمات الإسلامية البريطانية كان محوره الحديث عن تقصير المسلمين في التصدي لأزمة دارفور، وهو تقصير ضاعف من حجمه تصدي جهات عالمية أخري كثيرة للمسألة، إضافة إلي أن كل الضحايا في دارفور من المسلمين حيث لا تخلو دارفور (بخلاف معظم كل أقاليم السودان الأخري) من أي وجود غير إسلامي.الذي يجمع بين كل هذه الوقائع هو أن التهمة توجه فيها ليس لمن يعتقد أنه مرتكب الجريمة، أو حتي المتواطئ فيها، وإنما لمن سكت أو قعد عن التصدي للجريمة والفاعل. وهذا يفترض بالضرورة وجود قدر من الإجماع علي وقوع الجريمة، وحجمها وفظاعتها، والمسؤول عنها. ومن هنا تتحدد مسؤولية الساكت والقاعد أو، في حالة السياسي التركي، المنكر. هناك فرق جوهري رغم ذلك بين ما يحدث في دارفور وبين الوقائع الأخري مثل مجازر الأرمن ومحرقة اليهود علي أيدي النازيين ومحنة مسلمي البوسنة وكوسوفا علي أيدي الصرب وحتي أحداث رواندا. ويتركز ذلك الفرق أولاً في أن تلك الأحداث أصبحت في ذمة التاريخ، بمعني أن الجريمة وقعت في الماضي، بينما الدعوي الأساسية هي أن أحداث دارفور ما تزال مستمرة. ولهذا فإن التركيز في دارفور حالياً، بخلاف القضايا الأخري، هو علي إيقاف المأساة قبل المحاسبة. ويرتبط بهذا كذلك أنه في كل الوقائع الأخري (باستثناء صربيا) فإن الحكومة المسؤولة عن ارتكاب الفظائع قد ذهبت بدورها في ذمة التاريخ. أما في حالة السودان فإن الحكومة المتهمة ما تزال قائمة وفاعلة، مثلما أن الفظائع المدعاة ما تزال مستمرة.هذا بالطبع يدخل بعداً جديداً ومختلفاً في المشكلة. ولكن لب المسألة في أمثال هذه الأحداث المأساوية هو أنها تكتسب مكانة في الوجدان الجمعي العالمي يجعلها تتمتع بما يشبه القداسة حتي بعد مرور قرابة عقود علي وقوعها شأن المحرقة أو الهولوكوست (أو قرن علي وقوعها، كما هو الحال في مجزرة الأرمن في تركيا). ويتأتي هذا من خصائص الواقعة نفسها. ففي كل الحالات المشار إليها، هناك مئات الآلاف من الضحايا، جلهم من المدنيين العزل، بمن فيهم النساء والأطفال. وقد اتسمت المعاملة في حقهم بقسوة ووحشية منهجية، وبصورة منظمة، غالباً من قبل الدولة أو من يقوم مقامها. فحجم الكارثة، وكونها أحادية الجانب بمعني أن الضحايا لم يكونوا محاربين كما لم تكن لهم قدرة علي المقاومة، أو حتي أي رغبة في مقاومة النظام الذي تولي تدميرهم، هو الذي يميز مثل هذه الوقائع عن بقية الأحداث التي يروح فيها ضحايا كثيرون. ففي الحربين العالميتين ذهب عشرات الملايين من الضحايا (فاقوا الخمسين مليونا في الحرب العالمية الثانية) ولكن الاستبشاع الأخلاقي تركز علي هذين الحدثين (مجازر الأرمن ومحرقة اليهود) لاختلافهما الجوهري عن معظم بقية الحوادث التي راح ضحاياها في القتال أو المجاعات. حتي في حرب البوسنة مثلاً نجد أن الرأي العام العالمي ظل يحتمل قدراً كبيراً من الفظاعات متمثلة في التقتيل والتهجير والاغتصاب إلي أن عبرت الفظائع حواجز جديدة من البشاعة (كما في قصف سوق سراييفو وإعدامات سريبرينيتسا)، أو إلي أن أظهر الإعلام بعض معالمها، كما في صور أسري الحرب التي ذكرت الأوروبيين بمعسكرات الاعتقال النازية. وفي كوسوفو أيضاً كانت عملية التهجير الجماعي هي نقطة اللاعودة. الإعلام المعاصر بالطبع يلعب دوره في تشكيل الوجدان الجمعي تجاه هذه الفظائع، ولكن الملاحظ هو أن أهم هذه الجرائم (خاصة أحداث الأرمن والمحرقة) ارتكبت في صمت وبعيداً عن أعين المراقبين، ولم يتضح حجم الفظائع إلا بعد أن اكتملت الجريمة، وفي حالة مجزرة الأرمن، لم تكتمل الصورة إلا بعد عقود. أحداث رواندا أيضاً أدركها الإعلام بعد أن وقعت الواقعة، وكان جل ما فعله الإعلام هو تصوير الجثث التي طفحت بها الأنهار والبحيرات، أو امتلأت بها الشوارع والمباني. في دارفور أيضاً ظهر الإعلام علي الساحة بعد أن اكتمل تهجير معظم من هجروا، وقضي من قضي من الضحايا قتلاً أو موتاً (من الجوع أو المرض أو العطش).الصراع إذن بين من يريد أن يثبت الواقعة ومن ينكرها هو صراع علي التاريخ والحقيقة. فمن جهة هناك أدلة متراكمة من الروايات والصور والشهادات والأدلة، وحتي الحقائق القائمة مثل معسكرات النزوح المكتظة، ومن جهة أخري هناك الشك (أو اليقين) بعدم كفاية هذه الأدلة. وهناك بالطبع تضارب المصالح والهويات والقراءات. ولكن أهم ما يميز الطامة من نوع واقعة دارفور هو أنها تجب ما قبلها وتقلب الموازين، كما حدث في رواندا التي تحول فيها الضحايا بين عشية وضحاها إلي قتلة، كما يقول الأكاديمي الافريقي المعروف محمود ممداني (والذي ورد خطأ في خبر في القدس العربي الأسبوع الماضي أنه من الآسيويين الذين طردوا من يوغندا، وفي حقيقة الأمر فإنه ظل يدرس في يوغندا، وقبلها في تنزانيا إلي عام 1996، ثم انتقل إلي جنوب افريقيا ومنها إلي جامعة كولومبيا في نيويورك حيث يعمل الآن) في كتابه الجريء الذي صدر عن مأساة رواندا عام 2001. وفي ذلك الكتاب انتقد ممداني ما وصفه بالنظرة اللاتاريخية لمثل هذه الأحداث التي تعتبرها المبتدأ والمنتهي وتغفل عن خلفياتها ومسبباتها. وقد كرر نفس الانتقاد لتناول أحداث الحادي عشر من سبتمبر في كتابه المسلم الطيب والمسلم الخبيث (2005).وفي مداخلة أخري هذا الشهر طبق ممداني منهجه علي كارثة دارفور في مقالة صدرت في لندن ريفيو أوف بوكس انتقد فيها التبسيط والتسطيح الذي ميز التناول الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً للأزمة، متناسياً تعقيداتها وخلفياتها جرياً وراء فرز مريح للخبيث من الطيب. ولكن هذا هو تحديداً تأثير هذا النوع من الطامات الكبري، وهي أنها توقف عجلة التاريخ، وتمنع، بل تحرم، السؤال عما كان قبلها. فهي من طبيعتها من ذلك النوع الذي يرفض أي تبرير، ومما يحبط كل أعمال خيرة سبقتها. ففي تلك اللحظة التي أصدر فيها رادكو ملاديتش القائد العسكري لصرب البوسنة القرار بتصفية ثمانية آلاف أسير في سيريبريتنسا، وبدأت آلته العسكرية في تنفيذ هذا العمل الوحشي بقسوة وبرود، فإن كل دعاوي الصرب وقضاياهم (إن كانت لهم قضايا) تبخرت وأصبحت هباءً منثوراً. وبالمثل فعندما بدأ الهوتو مجازرهم الوحشية ضد الهوتو، سقطت فجأة ظلامتهم التاريخية من كونهم الأغلبية التي ظلت مضطهدة من أقلية متسلطة. بل بالعكس، أصبح تسلط الأقلية الآن هو الناتج الشرعي الوحيد المقبول لدي العالم، ولم يعد أمام الهوتو إلا أن يحنوا رأسهم خجلاً لأجيال قادمة ويمسكوا في المستقبل المنظور عن طرح أي دعوي لإعادة حقهم المسلوب في السيادة في وطنهم.المسألة لاتتعلق إذن بالجدل حول أعداد الضحايا أو التفاصيل الأخري، بل إن مثل هذا التناول (مثله مثل الإنكار) قد يفسر علي أنه استخفاف بآلام الضحايا وعذاباتهم. وفي الغالب الأعم فإن إثارة هذه القضايا تبدو كأنها تقول ان الضحايا يستحقون ما وقع لهم، أو أن أمرهم غير ذي أهمية. صحيح أن بعض الجدال والمراجعات قد تضيف معلومات مهمة تؤثر في النظرة إلي الحدث، مثل النقطة التي أثارها ممداني حول وجود طرف آخر في الصراع، هو حركات التمرد. كذلك فإن هناك بعض التفاوت في النظرة حتي إلي الأحداث التي قد تبدو متشابهة، مثل أحداث دارفور وأحداث الكونغو، أو دارفور والعراق. ويتوقف الأمر كذلك علي الجهات التي تدعم القضية، وقدرتها علي تسويق رؤيتها للمسألة المعنية. وبالمثل فإن اضفاء ما يشبه القداسة علي أحداث معينة بحيث لا تراجع ولا تناقش قد يصبح حجراً علي حرية الفكر والبحث والتقصي.ولكن الأمر ليس سباق دعاية أو معركة علاقات عامة. فلكي تصل قضية معينة إلي موقع في الوجدان الجمعي البشري يجعلها تكتسب خصوصية تشبه القداسة، لا بد من أن تكون هناك وقائع فعلية ذات حجم وأبعاد محددة. ولا بد كذلك من وجود جهة واضحة تتحمل المسؤولية (حرب الكونغو مثلاً كانت تتصارع فيها طوائف لاحصر لها). هذه الجهة أيضاً لا بد أن تخلو من كل صفة خيرة أو عذر يشفع لها من جرم الجهة المتقصدة. ولا بد كذلك أن تتكاثر الشواهد حول جرمها، وتتواتر وتضطرد بحيث لا يصبح هناك مفر من تصديقها. ومن الصعب أن تتوفر كل هذه العوامل وتكون الجهة المتهمة بريئة. ولو كانت هناك جهة بريئة وسمحت لنفسها بأن توضع في هذا الموضع فإنها إما أن تكون غاية في الغباء أو معدومة الحظ، أو الاثنين معاً. ذلك أن مثل هذه المكانة لم يحتلها في التاريخ منذ أيام فرعون إلا أربع أو خمس جهات أشرنا إلي بعضها. ولهذا السبب تحديداً يتحول الإنكار نفسه إلي جريمة، لأنه يضيف إلي الجريمة التي ثبتت عند العامة بتواتر الشهادات الاستخفاف بالجرم ومظنة الإصرار علي ارتكابه وتكراره. وهذا هو المقصود حين يستنكر البعض إنكار المنكرين لجرائم عظام وقعت، أو حتي مجرد السكوت علي الجرم المشهود المعلوم.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية