تحت عنوان “حمية يو يو الأمريكية في الشرق الأوسط”، كتب المعلق في مجلة “بوليتكو” إيلان غولدنبرغ أن قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا هو آخر قرار كارثي تتخذه الولايات المتحدة في المنطقة.
وقال إن القرار “خطأ” و “على خلاف الكثير من قراراته السيئة فإن هذا القرار مقنع ومتساوق مع الخيارات السئية للرؤساء السابقين”. وقال إن السياسة الخارجية السابقة في الشرق الأوسط وخلال العشرين عاما الماضية تشبه “حمية يو يو” وهي نظام لتخسيس الوزن يعود بمنافع وقتية على من يتبعها.
فعادة ما تكتشف الولايات المتحدة أنها استثمرت كثيرا في المنطقة وتريد والحالة هذه التركيز على ما هو أهم، الصين وبدرجة أقل روسيا. وعادة ما يعزز القرار الإستراتيجي بالسياسات. فالرأي العام الأمريكي مل من الحروب في الشرق الأوسط التي لا معنى لها وتكلف الأموال ولا علاقة لهم بحياتهم اليومية. ولكن المشكلة مع أمريكا أنها ذهبت بعيدا وتمارس “الحمية كثيرا وسريعا” بشكل عرض الأمريكيين للخطر خاصة الهجمات الإرهابية وأمور أخرى تحتل صفحات الأخبار. ولهذا ردت الإدارة مرة أخرى بجلب القوات حتى يحين موعد الحمية الأخرى من الشرق الأوسط. ويقول الكاتب إن باراك أوباما أقام حملته الإنتخابية على فكرة سحب القوات الأمريكية من العراق ودعا في عام 2012 إلى إعادة ميزان القوة مع آسيا. إلا أن الخروج من العراق وعدم التدخل بالحرب السورية في أيامها الأولى منحت فرصة لتنظيم الدولة. وأدت أفلام قتل الأمريكيين على يد تنظيم الدولة واحتلال الموصل إلى زيادة الضغط على أوباما. ومن هنا ردت أمريكا على الوضع بإعادة القوات الأمريكية من جديد بسبب التهديد الحقيقي من تنظيم الدولة والحاجة الداخلية التي تطالب بالرد والتحرك.
السياسة الخارجية الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط وخلال العشرين عاما الماضية تشبه “حمية يو يو” وهي نظام لتخسيس الوزن يعود بمنافع وقتية على من يتبعها
أما جورج دبليو بوش فقد أقام حملته الانتخابية عام 2000 على أجندة التنافس مع الدول العظمى ووقف الأنظمة المارقة بدلا من التركيز على الدول الفاشلة والإرهاب. ولم تنظم إدارته في الأشهر الاولى من تسلم السلطة ولا أي لقاء عن الإرهاب. إلا أن هجمات أيلول (سبتمبر) 2001 غيرت كل هذا حيث أطاحت أمريكا بنظامي طالبان وصدام حسين في العراق وقضت الثماني سنوات الأخرى وهي تنفق التريليونات وترسل الجنود متجاهلة بقية الأولويات الأخرى.
وكرر ترامب نفس الأشكال حيث تجاوزت استراتيجيته الأولويات المتعلقة بالتنافس الدولي. وكان يعد بإنهاء تنظيم الدولة والخروج من الشرق الأوسط منذ عام 2016. إلا أن انسحابه الأخير من شرق سوريا التي يرابط فيها الفي جندي لن تكون نهايتها جيدة لأنها النسخة الأخيرة من حمة يو يو السريعة. والسبب هو أن جيوب تنظيم الدولة الإسلامية لا تزال موجودة في شرق سوريا مع ظهور إشارات عن عملية إحياء لها. وقد تستفيد من الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة ويعيد تجميع نفسها. وقد نرى عودة الهجمات على بروكسل ولندن والتي تركت أثرا سلبيا على السياسة الأوروبية وصعود الأحزاب القومية المحلية وظواهر غريبة مثل البريكسيت البريطاني من الإتحاد الأوروبي. وربما حاولت إيران وروسيا الإستفادة من الوضع والسيطرة على الشرق الروسي. ولا نعرف إن كان لديها القدرات الكافية لاستعادة مناطق شاسعة بدون قتال قبيح لا يؤدي لخلق المناخ الذي ينتعش فيه تنظيم الدولة. وحتى لو حدث هذا فالرسالة الأمريكية للحلفاء العرب وإسرائيل أن الحملة المشتركة ضد إيران قد تعرقلت. ويرى الكاتب أن شركاء أمريكا في الشرق الأوسط ليسوا بدون عيوب، مذكرا بقتل جمال خاشقجي ويجب أن لا تعرض أمريكا مصالحها لخدمة مصالحهم. ولكنهم عندما يرون شريكا أمريكيا لا يمكن الإعتماد عليه أو الوثوق به تصبح تصرفاتهم متقلبة وعدوانية وتخلق صداعا للأمريكيين و “من يلومهم”.
وفي وجه كل هذه السلبيات النابعة من قرار خطأ، فالسؤال هو هل سيجلس الرئيس ساكتا أمام هجوم إرهابي قادم؟ بالطبع لا، مما يعني أن الولايات المتحدة ستجد نفسها أمام تجربة جديدة ونخب آخر في الشرق الأوسط.
التحدي الأكبر أمام واشنطن يتعلق ببقائها في الشرق الأوسط دونما التزامات مفرطة
ويرى الكاتب أن التحدي الأكبر أمام واشنطن يتعلق ببقائها في الشرق الأوسط دونما التزامات مفرطة. وكيف يمكن رسم استراتيجية مستدامة ضد الإرهاب والدول الفاشلة التي تمنح ملاجئ للإرهابيين. فقد أثبتت الخمس عشرة السابقة أن وجود 150.000 جندي يخوضون حربا تقليدية عملية مكلفة ولا تحظى بدعم من الرأي العام الأمريكي، كما أن الانسحاب يعرض الأمريكيين للخطر كما أثبتت تجربة العراق عام 2011. ويعتقد الكاتب أن النموذج الذي بدأ في عهد أوباما للرد على تنظيم الدولة والتحديات الأمنية الأخرى وواصلت إدارة ترامب تطبيقه يبدو ناجعا. ويقوم هذا النموذج على اربع دعائم: الأولى نشر عدد محدود من القوات الامريكية لتدريب جماعات محلية وتسليحها. وتوفير نوع من الدعم اللوجيستي ومنح وزن سياسي للعملية من أجل الحصول على الدعم الدولي. وتقديم خدمات إعمار ومساعدة مستدامة تمنع من تكرار الخطأ وظهور التهديدات من جديد. ومن أجل نجاح النموذج على الولايات المتحدة إجراء تعديلات منها قبول واشنطن أنها لن تنهي الحروب الأهلية التي تعاني منها المنطقة. فهي تستطيع إدارة واحتواء الجوانب السيئة من النزاع بطريقة لا تؤدي لانتشار الإرهاب وتدفق اللاجئين إلى دول الشرق الأوسط بل وإلى أوروبا. ويجب إعادة تشكيل القوة التي ترسل إلى المنطقة بطريقة تكون قليلة الثمن حتى تبقى لمدة طويلة. وسيقلل هذا من النظام الذي يجهد الجيش خاصة قوات العمليات الخاصة والتي يقع عليها العبء الأكبر.
ويكون التغيير في هذا السياق من خلال خلق وحدات مهمتها تدريب القوى المحلية وتسليحها. وأخيرا يجب على الولايات المتحدة العثور على مدخل أقل كلفة لاستخدام السلاح المستخدم في العمليات الحالية. فالحروب هذه لا تحتاج إلى طائرات مكلفة مثل أف-22 واف- 35 كما ولا تستطيع الولايات المتحدة استخدام الطائرات بدون طيارو والاستطلاعية كلها في الشرق الأوسط على حساب التركيز على آسيا وأوروبا. وفي النهاية يظل الجواب النهائي للشرق الأوسط هو البقاء ولكن بعدد قليل ولسنوات قادمة. والاحتفاظ بقوات في شمال – شرق سوريا والمناطق الساخنة في الشرق الأوسط. والهدف لن يكون تحقيق النصر ولكن احتواء وإدارة الأزمة.