انفصال مبارك عن المصريين قد يحسم مصيره

حجم الخط
0

القاهرة ـ من جوناثان رايت: في مواجهة احتجاجات حاشدة تطالب بتنحيه على الفور رد الرئيس المصري حسني مبارك المتشبث بالسلطة بنفس الازدراء الذي ميز حكمه الممتد منذ 30 عاما. ويصم مبارك (82 عاما) أذنيه فيما يبدو عن الغضب الذي يزلزل الشوارع منذ أسبوع فعين رئيس جهاز المخابرات العامة نائبا له وأجرى تعديلا وزاريا وقدم التعهدات الاقتصادية المعتادة وكأن الأمور يمكن أن تعود الى طبيعتها الى حد ما. ولثلاثة عقود تمتع بمساندة ثابتة من الولايات المتحدة واسرائيل وأوروبا واعتبرته كلها ضامنا للاستقرار والسلام وحائط الصد للوقاية من الإسلاميين.

لكن حتى واشنطن التي أغدقت على مصر مساعدات بمليارات الدولارات معظمها عسكرية وعلى الرغم من مقاومة مبارك لضغوطها من وقت لآخر لإجراء تغييرات سياسية فإنها تقول إن استجابته للاحتجاجات غير كافية. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبز امس الاثنين ‘الأمر لا يتعلق بالتعيينات. الأمر يتعلق بالأفعال’. ولم تكن هناك مؤشرات علنية على تخلي الجيش عن مبارك لكنه قال إنه لن يطلق النار على المحتجين الذين يأملون في حشد مليون شخص الثلاثاء واعترف ‘بمشروعية مطالبهم’. ولخص احمد حلمي (45 عاما) وهو أحد المتظاهرين الذين أمضوا ليلتهم في ميدان التحرير بوسط القاهرة متحدين حظر التجول الحالة المزاجية ‘الشيء الوحيد الذي سأقبله منه هو أن يستقل طائرة ويرحل’. تولى مبارك الحكم عام 1981 حين اغتال إسلاميون سلفه أنور السادات أثناء عرض عسكري.

وعلى مدى العقود الثلاثة التالية وعلى الرغم من عشرات الوعود لم يفعل مبارك شيئا لوضع إطار عمل مؤسسي من أجل انتقال سلمي وديمقراطي للسلطة في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. لكنه أنشأ نظاما خانقا لا وجود فيه للسياسة التقليدية تقريبا ويدير البلاد بالأمر كأنها جيش أو شركة.

وفي برقية مسربة للسفارة الأمريكية وصف مبارك بأنه دكتاتور. فاز مبارك بأربع ولايات رئاسية في استفتاءات على مرشح واحد وفاز بسهولة بأول انتخابات رئاسية تعددية أجريت عام 2005 . لم يتنازل قط ليعقد مناظرة مع منافسه الرئيسي المحامي الليبرالي أيمن نور الذي صدر فيما بعد حكم بسجنه خمسة أعوام بتهمة التزوير وقد ثارت شكوك حول هذه الاتهامات.

وتوقع الكثير من المصريين ان يخوض الانتخابات لولاية سادسة في أيلول سبتمبر هذا العام أو أن يحل ابنه جمال محله في رئاسة البلاد. كانوا يعلمون أنهم لا حول لهم ولا قوة في اختيار رئيسهم القادم. لكن ما هي القشة التي قصمت ظهر البعير؟

فاز الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم بنحو 90 في المئة من مقاعد البرلمان في انتخابات تشرين الثاني نوفمبر التي شهدت فقد جماعة الإخوان المسلمين جميع مقاعدها الثمانية والثمانين.

ويدين مبارك بدخول الساحة السياسية للسادات الذي اعتبره مرؤوسا مخلصا وعينه نائبا لرئيس الجمهورية عام 1975 في الوقت الذي كان فيه قائدا للقوات الجوية ولم تكن له اي طموحات سياسية. في البداية ساعد أسلوبه الثابت والحذر في تهدئة المصريين الذين صدمهم اغتيال السادات وهالهم العنف الذي لجأ اليه الإسلاميون المتشددون الرافضون لمعاهدة السلام التي وقعتها مصر مع اسرائيل.

ولكن بمجرد توليه الحكم لم يقدم مبارك رؤية تتجاوز التنمية الاقتصادية في إطار نفس النظام الاستبدادي الذي ورثه عن ضباط الجيش الذين أطاحوا بالملك فاروق عام 1952. وقد حكم مصر لمدة أطول من اي أحد غيره منذ محمد علي باشا الألباني الذي أسس في أوائل القرن التاسع عشر العائلة الملكية التي سقطت في ثورة عام 1952 . في عام 2005 قال مبارك إن حكم مصر ليس نزهة أو مسألة سهلة فالموارد محدودة ومعدل النمو السكاني مرتفع ومتطلبات الشعب كبيرة. من وقت لآخر تحدث عن الديمقراطية لكنه لم يفعل شيئا يظهر أنه يستوعب مفهوم وضع احتمال التقاعد او فقد السلطة في اعتباره.

ويفضل مبارك الحديث عن الأمن والاستقرار ويصور نفسه كأب كريم يحمي مصر من أعدائها. وحتى التنمية الاقتصادية كانت بطيئة وغير منظمة الى أن جاء ابنه جمال المصرفي السابق وأقنعه بضم رجال أعمال واقتصاديين من الليبراليين الجدد للحكومة. وزاد النمو ليصل الى 7.2 في المئة في العام المالي 2007 ـ 2008 لكن الفوارق في الثروة زادت وظل التضخم مرتفعا ويشكو الفقراء من أن هذا لم يعد عليهم بأي فائدة.

وعلى الجبهة السياسية لم يتغير الكثير. تقدم أصدقاء جمال مبارك والمقربون منه من رجال الأعمال الى الصفوف الأولى للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم أحد الأهداف الرئيسية للانتفاضة الحالية. ومع تزايد حالة الرضا عن نفسه وتناقص قدرته على التخيل بفعل التقدم في العمر تغاضى مبارك عن او تجاهل سيادة القانون مما جعل انتقال السلطة بسلاسة وبطريقة تحظى بالقبول على نطاق واسع اكثر مراوغة.

وتقول جماعات معنية بمراقبة الشفافية إن الشرطة مارست التعذيب دون أن يلحق بها العقاب ضد من يتحدى السلطة وتلاعب ساسة فاسدون بالانتخابات وعدلوا القواعد لاستبعاد جميع المنافسين. ويقول مسؤولون إن الانتخابات نزيهة وإنهم يحققون في أي حالات تعذيب.

ويبلغ عدد سكان مصر 80 مليون نسمة ويعيش خمسهم على أقل من دولار في اليوم. ولم يعرف معظم جيل الشباب من المصريين رئيسا آخر سوى مبارك. وغفل مبارك فيما يبدو عن المخاطر. وحين سئل العام الماضي عمن سيحكم مصر بعده قال إن الله وحده يعلم من سيخلفه وإنه يفضل من يفضله الله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية