في منزلها الكائن في حي العباسيين شرق العاصمة السورية دمشق، تجلس جورجيت شلهوب وسط عشرات الصور التي يظهر فيها ابنها شادي شلهوب، وهو شاب ذهب ضحية إصابته بشكل مباشر بقذيفة هاون في ساحة العباسيين في دمشق وذلك قبل حوالي خمس سنوات.
بين دموع وابتسامات تملأ وجهها، وبقلادة ذهبية كبيرة تحمل اسم “شادي” محفوراً داخل قلب، تستذكر السيدة الخمسينية كيف اعتادت تزيين جدار كامل في المنزل على شكل مغارة عيد الميلاد، حيث كانت احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة تشكّل جانباً مهماً من حياتها وحياة زوجها وأبنائها الثلاثة وحتى أصدقاء العائلة، وذلك قبل أن يغيّب الموت بكرها شادي عن عمر 22 عاماً، وهو كان طالباً في السنة الأخيرة في كلية الصيدلة، ومغنياً ومدرّباً للأطفال في جوقة الفرح الكنسية.
“منذ وفاته في شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2013 توقفت تماماً عن وضع أي نوع من أنواع زينة عيد الميلاد سواء كانت الشجرة أو الأضواء أو المغارة، وكذلك عن زيارة الناس وتقديم المعايدات، ليس من باب الالتزام بعادات وتقاليد الحداد والحزن، وإنما لعدم قدرتي بعد على الاحتفال بهذا الشكل” تقول السيدة في لقاء مع “القدس العربي”.
لا تنكر شلهوب فرحها بانتهاء الحرب في دمشق ومحيطها، واقتراب أول عيد ميلاد آمن بعيداً عن أصوات المعارك وتساقط قذائف الهاون والتي احتفل سكان دمشق بأعياد الميلاد ورأس السنة على وقعها منذ العام 2011 “فالعيد هو عودة الأمان. هو فرح الأطفال واحتفالات الناس، فلا يوجد ما هو أجمل من السلام. وبالنسبة لي، لعلّه أول عيد منذ خمس سنوات، أشعر فيه بأنني قادرة على تقبّل رؤية التزيينات أو حضور الاحتفالات الكنسية الموسيقية في هذه المناسبة”.
إلا أن غصّة الفقد لا تزال حاضرة في كل مكان كما تقول: “لننظر حولنا. قبل الحرب كنا نرى جميع نوافذ المنازل مزينة بالأضواء والأشجار. اليوم هناك منزل مضاء بين كل ثلاثة منازل لا نور فيها. عائلات سافرت، وأخرى فقدت أولادها وفقدت معهم فرحة العيد. أما أنا، فعيدي الحقيقي وسلامي الداخلي هو في أن أستمر في الحديث عن شادي وأعلم بأنه حاضر معنا في كل لحظة وأنه سعيد باستمرار الحياة في سوريا التي كان يحبها حتى آخر رمق”.
احتفالات على وقع السلام
للمرة الأولى منذ العام 2011 تستعد دمشق لاستقبال عيد ميلاد السيد المسيح ورأس السنة الميلادية في أجواء من الأمان والسلام، وبتزيينات ملونة من الأضواء وأشجار العيد والتي بدأت تنتشر بكثافة في أرجاء المدينة وخاصة الأحياء المسيحية منذ مطلع هذا الشهر.
السنوات السابقة شهدت احتفالات أقل صخباً وأكثر حزناً، حيث لم تهدأ أصوات المعارك، وكان للمناطق المسيحية وعلى رأسها باب توما والقصاع والتجارة والقصور والعباسيين نصيب كبير من قذائف الهاون والتي كانت تتساقط بشكل شبه يومي مع احتدام القتال في حي جوبر والغوطة الشرقية التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات شرقاً، ما أوقع مئات الضحايا والجرحى.
إلا أن انتهاء هذه المعارك في نيسان/أبريل الفائت، واستعادة القوات الحكومية السيطرة على كامل محيط العاصمة في شهر أيار/مايو، أتاح لسكان دمشق البدء بالتحضير لاستقبال عيد الميلاد دون خوف من قذيفة عشوائية أو رصاصة طائشة هنا أو هناك.
وتبلغ نسبة المسيحيين في سوريا حوالي 10 في المئة من مجموع السكان أي حوالي مليوني شخص، وذلك وفق آخر إحصائيات رسمية صدرت عام 2011. ولا معلومات دقيقة عن عدد المسيحيين اليوم والمقيمين داخل سوريا، إلا أن تقديرات صدرت عن وزارة الخارجية الروسية منتصف العام 2016 تشير إلى انخفاض هذا العدد بمقدار مليون شخص منذ العام 2011 والسبب الرئيسي لذلك هو الهجرة خارج البلاد.
على طول الطريق الواصل بين ساحة العباسيين وساحة باب توما، مروراً بحي القصاع وبرج الروس، وهي مناطق وأحياء تقع شرق دمشق، يتنزه المئات من القادمين من كافة أرجاء المدينة كل يوم مساء، مستمتعين برؤية أشجار كبيرة مزينة، وحبال مضيئة تملأ الحارات والأزقة، وألعاب كبيرة تمثل شخصية بابا نويل العجوز وهو يرتدي بذلته الحمراء الشهيرة ويحمل كيساً من الهدايا للأطفال، أو شباب ورجال يجولون المنطقة وهم متنكرون بهذا الزي لالتقاط صور مع الأطفال والكبار على حد سواء.
وفي حيي القصاع وباب توما بشكل خاص، تمتلئ واجهات العديد من المحال التجارية بأنواع وأشكال مبهرة من التزيينات، بعضها تقليدي كالكرات والنجوم والشموع الملونة والحبال الخضراء وطواقي بابا نويل الحمراء والبيضاء، وأخرى يغلب عليها اللون الأبيض، وهو آخر صيحات موضة العيد هذا العام، كما تقول كارول وهي ربة منزل لها من العمر أربعون عاماً.
شبح الحرب
“نشعر بالشوق هذا العام لوضع زينة جديدة في منزلنا، ففي الأعوام السابقة لم تكن لدينا رغبة كبيرة بالاحتفال، وكان الرعب هو سيد الموقف، فالخروج من المنزل كان يتطلب مغامرة كبيرة مع تساقط عشرات القذائف بشكل يومي وما كنا لنضحي بحياتنا وحياة أولادنا في تلك الظروف، لكننا هذا العام نسينا الخوف ونتوق لاحتفالات تبعد عنا شبح الحرب” تقول في حديث مع “القدس العربي”.
واشترت كارول شجرة جديدة بسعر خمس وسبعين ألف ليرة سورية (150 دولارا أمريكيا)، ومجموعة من الكرات ورجال الثلج والنجوم بيضاء اللون بمبلغ يقارب خمسين ألف ليرة سورية (مئة دولار أمريكي) “قد يكون مبلغاً كبيراً لكن فرحتنا بالعيد أكبر، ولن نستقبله بشجرة وزينة قديمة عفّ عليهما الزمن” تضيف.
بشكل عام، تتراوح أسعار أشجار العيد بين 20 و200 دولار، ويمكن تزيين الشجرة بمبلغ بسيط لا يتجاوز عشرين دولاراً، وصولاً لمئات الدولارات، كما يمكن وضع مغارة تحت الشجرة – وهو تقليد مسيحي يرمز للمكان الذي ولد فيه السيد المسيح في بيت لحم بفلسطين-بتكلفة تتراوح بين عشرين دولاراً ومئة دولار.
أسعار مرتفعة وفق رأي ساندرا (42 عاماً) وهو ما دفعها للاكتفاء بالزينة الموجودة لديها، مع إدخال بعض التعديلات اليدوية عليها.
“صحيح أننا نشعر بالفرح هذا العيد على خلاف السنوات السابقة، لكن انتهاء المعارك لا يعني عودة الأمور لما كانت عليه قبل بداية الحرب. ارتفاع الأسعار يقصم ظهورنا، وبدل أن نشتري بعض الزينة للمنزل نفضّل شراء الحلويات التي نقدمها للزوار والضيوف، كالمعمول والكعك وكيكة العيد التي تزين سهرة الميلاد، والأهم ملابس جديدة للأطفال، وهي مشتريات لن تقل تكلفتها عن عشرات آلاف الليرات السورية”، تقول لـ”لقدس العربي” وقد اكتفت بذكر اسمها الأول.
وارتفع معدل التضخم في سوريا ليبلغ أكثر من 500 في المئة لجميع السلع الاستهلاكية وذلك وفق آخر تقارير المكتب المركزي للإحصاء العام الفائت، مقارنة بحوالي 4.5 في المئة عام 2010. كما انخفضت قيمة الليرة السورية بمقدار عشرة أضعاف خلال السنوات السبع الفائتة، حيث كان الدولار الأمريكي الواحد يساوي حوالي 47 ليرة، في حين يبلغ سعر الصرف اليوم حوالي 500 ليرة. إضافة لذلك يرتفع معدل البطالة في سوريا لأكثر من 35 في المئة، ويعيش أكثر من نصف السكان داخل البلاد تحت خط الفقر.
وتشكّل الأعياد على اختلافها مناسبات أخرى للمزيد من الغلاء في أسعار المستلزمات المرتبطة بها، والتي ترتفع عن أيام السنة الأخرى باعتبار الأعياد موسماً للشراء بكثافة، وازدادت هذه الأسعار بشكل بسيط مقارنة بعيد الميلاد الفائت، وذلك وفق ما رصدته “القدس العربي” خلال جولات على الأسواق.
شجرة الأمنيات
في مقهى صغير يقع في حي القيمرية وسط أحياء دمشق القديمة، يكتب الرواد أمنياتهم للعام الجديد على أوراق ملونة صغيرة، ويعلقونها على شجرة عيد ميلاد عند المدخل، باتت تعرف بشجرة الأمنيات.
تقليد بدأه صاحب مقهى “زرياب” برنار جمعة، منذ ست سنوات، حين كانت أصوات الحرب على أشدها، وكان العيد غائباً بشكل كلي عن دمشق وعن كامل سوريا. “شعرت حينها بالحاجة لبصيص من أمل وضوء في ظل السواد الكامل الذي كنا نعيش فيه، فكانت شجرة الأمنيات لعلنا نكون قادرين على أن نطلب بعض السلام لوطننا” يقول جمعة في لقاء مع “القدس العربي”.
وهذا العام، تختلف الأمنيات المعلقة على الشجرة عن السنوات السابقة. العام الفائت كانت أمنيات رواد مقهى “زرياب” تتمحور حول توقف الحرب في مدينتهم، وكل ما يرافقها من رائحة رصاص وأصوات انفجارات وموت شبه يومي، وأيضاً انتظار مستقبل مجهول. لكن أحلام هذا العام مختلفة بعض الشيء، فكثير منها يتحدث عن الشوق للغائبين، والتوق لحياة أفضل، حياة أكثر محبة وسلاماً.
وعن هذه النقطة يتحدث صاحب المقهى بالقول: “في العام الأول كانت الأمنيات بانتهاء شلال الدم وحلول السلام. في العام التالي تركزت الأمنيات حول توقف موجات الهجرة الجماعية التي شهدتها سوريا ورحل نتيجتها مئات الآلاف. العام الثالث حمل أحلاماً لعشرات الشباب بنهاية سنوات خدمتهم العسكرية المستمرة منذ بداية الحرب وعودتهم لعائلاتهم سالمين، أما هذا العام فمعظم الأمنيات تتحدث عن أمل بمستقبل أفضل لسوريا، بعيداً عن الكذب والمصالح”.
ويشبّه جمعة هذا الاختلاف الذي يميّز أعياد الميلاد ورأس السنة هذا العام بقوله إن مقهى “زرياب” استقبل الأعياد الماضية بالدماء، لكنه يستعد لاستقبال هذا العيد بالدموع، “هي دموع نهاية الحرب وبداية هذه المرحلة الجديدة التي نعيشها”.
مع ذلك، يعتقد الرجل الأربعيني أن فرحة عيد الميلاد هذا العام غير مكتملة، وينقصها أن يصل السلام لكل الأراضي السورية ولكل السوريين داخل وخارج البلاد، “صحيح أن دمشق تتعافى لكن مناطق سوريا أخرى ما زالت تحت وطأة الحرب، وهذا ما دفعني لأعلق على الشجرة ذات الأمنية التي أحلم بها كل عام، أن يتوقف شلال الدم وتنتهي الحرب بشكل كلي ويعيش أطفال سوريا بسلام. أعتقد أنني في العام المقبل سأتمنى ألا تتكرر هذه التجربة المريرة التي عشناها في أي مكان آخر من العالم، فلا أحد يحب الحرب، سواء من عاشها أو اختبر نتائجها، أو حتى من صنعها”.