اليسار الإسرائيلي يبتعد عن الصهيونية

حجم الخط
0

لم يقدر مؤسسو هذه الحركة التي لا تزال تسمى «ميرتس» بأن تتدحرج إلى ما هي عليه اليوم. فقيمة «الصهيونية» شطبت من برنامجها السياسي ومن رؤياها. وتوقفت عن كونها حزباً صهيونياً. عن وعي، قرر قادتها بأنهم إذا كانوا يريدون ضم العرب إلى الحركة، فإن عليهم أن يكفوا عن تأييد جدول الأعمال الصهيوني.
ما زلت أذكر كيف ولد هذا الحزب. كانت فيه ثلاثة مركبات: مبام، حزب العمال الموحد، الذي في بداية طريقه، قبل سنوات طويلة، وقف على رأسه ضمن آخرين يعقوب حزان ومئير يعاري، أناس رائعون رأوا في الاستيطان اليهودي قيمة عليا. شولاميت الوني كانت الضلع الثاني في المثلث، أما الضلع الثالث فشكله البروفيسور أمنون روبنشتاين، وفي وقت لاحق انضم يوسي بيلين. كلهم خطوا على علمهم قيماً هامة في مجال حقوق الإنسان ولم يتنكروا قط للقيمة الأسمى: كون إسرائيل دولة أقيمت على أسس صهيونية.
لم أسمع مؤخراً موقفاً من بيلين أو روبنشتاين عما حصل لمنتوجهما، ولكني استمعت إلى مقابلة مع رئيس فرع ميرتس في كفار سابا، طبيب أسنان عربي، الذي على حد قوله إنه ما كان لينضم إلى حزب صهيوني. فقد قال: «أنا مواطن في دولة إسرائيل. ولكن الفكرة الصهيونية غريبة علي. أريد أن تقوم دولة فلسطينية بلا يهود، في المناطق التي احتلت في 1967. دولة تعددية، غير يهودية في تعريفها، بدلاً من دولة إسرائيل». حنين الزعبي ما كانت لتصوغ هذا على نحو أفضل.
لم أتفاجأ، بالطبع من مواقف المتحدث من كفار سابا ـ مدينة ستكون، بالمناسبة، من أوائل المدن التي ستعاني إذا ما مرت الحدود على طول أحيائها الشرقية ـ وذلك لأنني أعرف أن هذا هو موقف كل العرب الذين تلقوا مواطنة إسرائيلية في الدولة اليهودية. بصعوبة، في نظري، يمكن أن أتفهمهم، وإن كنت سأسأل من أجريت معه المقابلة سؤالاً قصيراً استفزازياً: إذا كانت الحال سيئة لكم بهذا القدر، فلماذا لا توافقون على تبادل سكاني.
إلى جانب ذلك كنت سأسأل قادة ميرتس: ما لكم بكنيست إسرائيل؟ هذا هو المجلس التشريعي للدولة اليهودية. وثيقة الاستقلال تتحدث عن إقامة دولة يهودية وقيمها الصهيونية هي أساسها المركزي. خمس مرات تظهر هذه الكلمة في الوثيقة التأسيسية لدولة إسرائيل. وعليه، فقد أقر في القانون الأساس للكنيست بأن من يرفض وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية لن يسمح له بأن يتنافس في الانتخابات، وهذا بالضبط ما تروج له ميرتس.
من الصعب أن نرى، بالطبع، المحكمة العليا ترفض ميرتس. ومع ذلك أفترض بأن هناك في الحزب محافل في خفاء قلبها تأمل منذ الآن بأنه ذات يوم سيتفكك النسيج الصهيوني وستنهار الدولة اليهودية من الداخل. وذلك بالمناسبة، هذا هو أمل العرب على جانبي الخط الأخضر. هذا الأمل زرعه نصر الله فيهم، في حينه، بعد الانسحاب من جنوب لبنان. فقد وصف المجتمع الإسرائيلي كخيوط بيت العنكبوت الذي يمكن أن يتفكك في كل لحظة تحت ضغط العمليات.
مهما يكن من أمر، ستبقى حركة ميرتس حزباً صغيراً وغير ذي صلة حتى إذا انضم إليه عرب آخرون، وذلك لأن يهوداً غير قليلين سينفرون من هذه الصيغة الجديدة. ولكن ما يزعجني مع ذلك هو الربط المحتمل بين ميرتس وحزب العمل. لقد سبق لهذا أن حصل في حيفا، حيث ارتبط العمل بحداش الذي ليس بينه وبين ميرتس في هذه الأيام أي فرق أيديولوجي. وهذا يحصل في واقع الأمر هذه الأيام في الكنيست، حين يرتبط قادته بأولئك الذين يسعون إلى إلغاء قانون القومية الذي جاء لإعطاء تعبير للقيم الصهيونية.

د. حاييم مسغاف
معاريف 23/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية