يبدو أن جنود الزوارق الإسرائيلية الذين أطلقوا النار على الأطفال الأربعة من عائلة بكر على شاطئ بحر غزة، وهم عاهد وزكريا وإسماعيل ومحمد ـ أكبرهم عمره 11 عاما ـ كانوا على ما يــــبدو لتوهم، أي الجنود، قد أنهوا قراءة رواية «دون كيشوت» للكاتب الإسباني سرفانتس، فاعتقدوا كما اعتقد بطل الرواية أن طواحين الهواء التي اصطدم بها، ما هي إلا عمالقة ومردة يريدون به الشر.
فأخذ باستعمال سيفه ورمحه لمحاربتها ومنازلتها، نظرا لتوهماته وهلوساته واعتقاداته الخاطئة، لذلك عندما رأوا الأطفال الأربعة يلهون على الشاطئ، اعتقدوا أو مثلوا حالة اعتقادية، كونهم يملكون فائض قوة مفرطة وصلفا وإنكارا شديدين؛ ان الأطفال ربما كانوا ينصبون كمائن لهم، وإنهم ربما كانوا من مردة المقاومين، لذلك فإنهم أطلقوا القذيفة الأولى، ثم أتبعوها بالقــــذيفة الثانية القاتلة، ليتحول الأطفال إلى أشلاء متناثرة على الشاطئ.
كان من الممكن البحث عن أسباب وطبقات من الكذب والروايات «المفبركة» للجريمة، كالضباب الذي حجب الرؤية على الشاطئ ـ على سبيل المثال ـ أو أخطاء في المعلومات الاستخبارية، أو أن الأطفال ربما أطلقوا وابلا من الحجارة على الجنود، مع أنهم يبعدون عنهم مئات الأميال، أو أنهم مثلوا ذلك، أو أنهم وببساطة، ربما أطلقوا النار على أنفسهم إلخ .. من الأباطيل والأكاذيب والفبركات التي يجيد جيش الاحتلال الإسرائيلي اختراعها وإطلاقها وترويجها، إلا أن وجود مجموعة من الصحافيين الأجانب في الفندق المقام على الشاطئ، الذي كان الأطفال يلعبون بالقرب منه، ومشاهدتهم بأم عيونهم وبأم عيون كاميراتهم ما جرى وما حدث، أحبط وقلل من الرواية التي كان يمكن للإعلام الإسرائيلي تأليفها وروايتها. مع ذلك فإن صلف القوة المتغطرسة وإعلانها، أفاد بأنه سيجري تحقيق في أسباب وقوع الحادث. وربما كان الأمر مجرد خطأ في المعلومات الاستخبارية! وهي حجة استنسخت نفسها أو استنسخت مئات بل آلاف المرات، ليكون حصيلة ذلك قتلا ومجازر وضحايا كثرا. وما داموا من الطرف الآخر الفلسطيني، فإن قوات الاحتلال «لها الحق في الدفاع عن نفسها»، حسب الإعلان المنحاز. أما الضحايا فإنهم يمارسون «إرهابا» منقطع النظير.
بيت في بستان أبو لين
وإذا ما كان الشيء بالشيء يذكر، فإنه لا بأس بنا من انتزاع ورقة من مسلسل المجازر الذي توالى ويتوالى ارتكابه ضد أبناء الشعب الفلسطيني، منذ بدايات إقامة المشروع الصهيوني في فلسطين وحتى اليوم. الغريب أن الوقائع وتصنيفات بشاعة ما حدث أطلقها تنظيم صهيوني على ممارسات تنظيم صهيوني آخر منذ عام 1947. وقد جاء في الواقعة المنوه عنها في كتاب «المجازر الإسرائيلية في القرن العشرين» ما يلي: «ليس هناك أي مبرر لقتل الشيوخ والأطفال الأبرياء» وهذه خلاصة الافتتاحية التي كتبتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بعد قتل عائلة فلسطينية بأكملها ليلة 15/8/1947 في بيت يقع في بستان «أبو لبن»، الذي كان يحاذي الطريق بين تل أبيب وحيفا من قبل «الهاغاناه» وهو احد التنظيمات الصهيونية المسلحة، التي تحولت إلى جيش رسمي بعد إنشاء الكيان الصهيوني، مع أن البيت تم تفتيشه ولم يتم العثور على أحد فيه.
يومها علقت الإذاعة السرية التابعة لمنظمة «الأرغون» التنظيم الذي قاده مناحيم بيغن في 3 كانون الأول/ديسمبر 1947، فانتقدت نفاق الهاغاناه ورياءها، وأعلنت: دعهم لا يقصون القصص عن الأساليب التي يستخدمونها لمعاقبة «المذنبين»، فالعالم بأسره يعلم أن هذه ما هي إلا أساطير ونفاق».
نعم العالم يعلم أن ما يردده الإعلام الصهيوني ما هو إلا أكاذيب وترهات، إلا أن المصالح المتشابكة مع هذا الكيان الصهيوني تدفع البعض إلى تكرار زعم «له الحق في الدفاع عن نفسه»! أما الضحايا فلا مصالح لديهم تغري أو تفيد، ولا بأس إن استمروا ويستمرون بصفتهم تلك (ضحايا)!.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ