في جزيرة الشهوات

حجم الخط
0

في جزيرة الشهوات

عزت القمحاويفي جزيرة الشهواتصارت لدي نسخة من رواية الفهد . وكان قد أثار شهيتي إليها وحملها إلي لاحقاً الصديق الشاعر خيري منصور. والنسخة التي صرت أمتلكها صورة ضوئية مصورة عن نسخة في مكتبة عامة، حيث لم يجد الصديق نسخة أصلية بعد أن تورط في الوعد، وهو ما ضاعف امتناني له وفرحي بالرواية التي أخذت أتحين الفرص لقراءتها دون جدوي علي مدي أشهر، طالتني فيها ألسنة لهب مسرح محترق وغمرتني فيها الأمواج التي أغرقت عبّارة نقل المصريين إلي الآخرة، وأخيراً جاءت الفرصة مع اجتياح إنفلونزا الطيور التي تستدعي البقاء لأطول فترة ممكنة بعيداً عن هواء ملوث بكل ألوان الفيروسات والأدخنة المؤذية، ولم يكن ينقصه سوي الفيروس الجديد الحقير. وهكذا تكومت في كنبة دافئة أتأمل تاريخ النشر الذي يعود إلي العام 1973. وشرعت أتخيل شكل المتعة المحتملة في خط الثلث المتقن الذي كتب به عنوان الرواية، وفي وضوح خط النسخ الذي كتب به اسم المؤلف الغامض: جوزبي تومازي دي لامبيدوزا، وفي اسم المترجم عيسي الناعوري الذي أهدي المكتبة العربية العديد من الترجمات، ومن بين عطاياه الجميلة هذه الترجمة لرواية وحيدة مؤلفها هو أمير لجزيرة لامبيدوزا الإيطالية نشرت عام 1958 بعد وفاته بعام. هيأت مكمني الذي سأقيس فيه قدرة الرواية علي الإمتاع والمؤانسة بمدي نجاحها علي انتشالي من سياق شديد الإيلام، وملمس اللامسؤولية واللاحياء الذي يتبدي من حولي، ويحيل نومي إلي كوابيس تحاكي في سخافتها سخف الواقع وقسوته، فتشييع الجنازات الذي احترفناه في الصحو لم يعد يتوقف في أحلامي، بحيث لم أعد أعرف أين تنتهي اليقظة وأين يبدأ النوم، باستثناء أن جنازات الأحلام يشهدها راحلون سبق أن سرنا في جنازاتهم في الصحو!ولم تخفق الرواية في الاختبار؛ إذ أخذتني تفاصيل الحياة ـ الموصوفة بكلاسيكية تنتمي إلي حساسية القرن التاسع عشر لا العشرين ـ إلي قاعات رحيبة في قصر النبيل الإيطالي والآلهة اليقظي في رسوم السقف المرتفع، وتعرفت إلي أبناء أسرة سالينا بفخامة المظهر واللهجة المهذبة المميزة لطبقتهم، وبؤس الأعماق الذي يشتركون فيه مع العامة. وأخذت أبحث لنفسي بين كل هؤلاء عن جسد وحياة أحل بهما بديلا عن جسدي وحياتي البائسين، مستبعداً منذ البداية أن أكون الملك الذي يبدو دوره شاحباً تماماً في الرواية، كما استبعدت الأمير الدونجوان فابريتسيو، ليس ترفعاً عن مضاجعة البغايا في باليرمو، ولكن لأن كل ملذاته انتهت إلي لاشيء وجاءه الموت الذي كان يظنه شيئاً لاستهلاك الآخرين، كما لم يعجبني أن أكون ابن اخته وربيبه الذي يحارب ضد ملك لا يهش ولا ينش ولا يدينه الراوي بشيء. وليس لمن اكتوي بفوضي الجمهورية أن يشعر بأي إعجاب تجاه شاب نفّاج يسعي إلي تقويض الحكم الملكي لمجرد الرغبة في الاختلاف مع طبقته. ومع ما تنطوي عليه مهنة كاهن الاعتراف من ميزة الاستمتاع بآثام الآخرين دون أن يحمل وزر ارتكابها، لم أجد في نفسي الرغبة لأن أكون الأب بيّرونة الذي يعيش رهن حماقات الأمير المغفورة سلفاً، وقد أصر هذا الأخير علي أن يصحبه في رحلته إلي باليرمو، ليكون علي بعد خطوة واحدة من موضع الإثم، دون أن يتمكن الأب من معارضته!ليس بين أبطال الرواية من هو أفضل حالاً مني؛ أنا المحكوم بالاطلاع علي كل الآثام دون قدرة علي منعها. ولذلك فقد تمنيت صادقاً لو أكون الكلب بنديكو فهو الوحيد الذي يتصرف بحرية، ويعبر عن نفسه بصراحة في هذا القصر؛ تهيجه الروائح الشهوانية للحديقة فيشرع في تفتيت القرنفل والحفر تحت السياج وهدم قنوات الماء!ومع التقدم في الرواية كنت أستزيد اقتناعاً بخياري، فلا خيانات الأمير للأميرة المسكينة جلبت له السلوي، ولا ابن أخته الضابط تانكريدي استمر في مناهضته الاستعراضية للنظام؛ بل تحول إلي ضابط في جيش الملك، ولم تكن تفاهته في الحب بأقل من تفاهته في الحرب، فقد قضي أسبوعاً مع خطيبته أنجليكا في رحلات عديمة الجدوي لاكتشاف الأجنحة المهملة والحجرات المهجورة من قصر العائلة الريفي المترامي الأطراف. وبعد نصف نهار يعودان إلي الآخرين في الجزء المأهول من القصر مغبرين بالتراب تفوح منهما رائحة الشهوة غير المشبعة، دون أن نعرف كيف يستطيع الضابط العائد من نزهاته الثورية التحكم في نفسه؛ رغم أن الراوي يصف الخطيبة الريفية بأوصاف تجعل منها خلطة عبقرية من نانسي عجرم وهيفاء وهبي!زادتني قلة همة الضابط اقتناعاً بقراري، واستقرت روحي في الكلب بنديكو. ومثل بنديكو حقيقي أخذت أتقافز لأنجز مع أنجيليكا ما تقاعس عنه تانكريدي الضابط المترفع عن كل فرص النصر. لكن جسمي كان قد حفر لنفسه في الكنبة خندقاً، وحملني الدفء إلي غفوة لذيذة، يتعتعها بين الحين والحين رنين التليفون الذي نسيته قبل أن أشرع في رقدتي المباركة. وبين كل جرس غير مجاب والذي يليه أعود إلي غفوة برزخية تغلف وجودي كطبقة جيدة العزل؛ لا يكتمل الصحو فتستبد بي فظاعات الواقع، ولا أتعمق في النوم فأصل إلي الأعماق المعتمة لبحار الكوابيس المخيفة. وكأن عفريتاً طيباً حملني وتركني هناك؛ تحت الشمس اللذيذة لجزيرة لامبيدوزا. وتمنيت أن أظل هناك بعيداً عن البلد الغارق؛ لكن جرساً اخيراً لحوحاً أيقظني ولم يترك لي خيار العودة إلي جزيرة الشهوات. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية