بعد إعلان ترامب المفاجئ عن خروج الجيش الأمريكي من سوريا، سمعت أصوات توجت تركيا وإيران بأنهما الرابحتان الأساسيتان من الخطوة. في أنقرة وفي طهران لم يكن هناك سبب يدعو بالأسف إلى مغادرة الجيش الأمريكي، ولكن المنتصر الأساس في جولة المواجهة التي تنتهي في سوريا هي على ما يبدو روسيا.
إن رهان بوتين في إدخال الجيش الروسي في المعمعان المتلظي للحرب الأهلية في سوريا والرهان بكل القوة على حفظ حكم الأسد، تبين صحيحاً. فانتصار الطاغية السوري على الثوار ما كان ليكون مزاحاً دون الروس، وحين تنتهي مرحلة القتال الأساسية، يمكن للكرملين ان يسجل إنجازاً عظيماً: فقد حقق لنفسه دولة مرعية في المكان الأهم في الشرق الأوسط. فالإدارة الأمريكية السابقة أجازت دخول الروس إلى الساحة، والآن، بعد انسحاب القوات الأمريكية من تلك الأجزاء في سوريا التي لم تكن حتى الآن في متناول يد موسكو، ستصبح روسيا القوة العظمى الحصرية في المجال السوري.
إن حقيقة أن الخروج الأمريكي يترك الأكراد في سوريا تحت رحمة الأتراك، تدفعهم إلى حضن روسيا. فمن الآن فصاعداً يمكن للروس أن يدخلوا إلى الفراغ الناشئ وأن يعرضوا الرعاية على الأتراك. ومقابل الحماية الروسية من التهديد التركي سيكون الأكراد مطالبين بالتخلي عن حلم السيادة والحكم الذاتي وأن يعيدوا المناطق التي تحت سيطرتهم إلى حضن الحكم المركزي في دمشق. وسيحاول الروس اتخاذ خطوة تغيير دستورية في سوريا بحيث يتحسن وضع الأكراد وباقي الجهات المستاءة من الأسد، ما سيعزز فقط مكانة روسيا كمقررة للمصائر في سوريا.
هذا لا يعني أن ليس لموسكو ما تخشاه، فإذا كانت النواة المتبقية مما بقي من داعش ستعيد تنظيم نفسها من جديد إلى قوة قتالية حقيقية، فسيتعين على الروس العودة مرة أخرى إلى ساحة القتال بشدة أكبر. سيكون في ذلك حرج كبير بعد أن كان بوتين نفسه أعلن مرتين على الأقل عن استكمال أهداف القتال هناك. فضلاً عن ذلك، يفهم الروس بأن المسؤولية عن سوريا تستوجب البحث عن مصادر تمويل لإعادة بناء الدولة المرعية وليس لديهم المقدرات المتوفرة لذلك.
مع كل المشاكل المحلية، ففي المواجهات الدولية بين واشنطن وموسكو، يرى الروس في خروج الأمريكيين من سوريا انتصاراً رمزياً هاما ًلهم. وشدد المحللون الروس على نحو خاص على تخلي ترامب عن دور الشرطي الأقليمي. وأملهم هو أن تكون هذه البداية فقط وأن يترك ترامب لرحمة موسكو مناطق أخرى، أولاً وقبل كل شيء في مجالات النفوذ التقليدية على مقربة من الحدود الروسية.
على خلفية التعاظم الروسي في حدودنا الشمالية، فإن شبكة العلاقات الحساسة التي بنيت بين إسرائيل وروسيا بقيادة رئيس الوزراء نتنياهو، تتلقى الأهمية. ويعرف نتنياهو كيف يتحدث مع الكرملين في الشكل الذي يحترمه الروس. فقوة إسرائيل واستعدادها لاستخدام هذه الخطوة أوضحت للجانب الروسي بأن التسوية في سوريا ليست ممكنة إلا إذا ضمنت المصلحة الأمنية للدولة. وخطوة ترامب لم تقلل من القدرات الإسرائيلية ولعلها عززت فقط مكانة إسرائيل في نظر موسكو.
أرئيل بولشتاين
إسرائيل اليوم ـ 26/12/2018