النخبة الثقافيّة والشارع العربيّ

حجم الخط
0

د. ـشهلا العجيلي لعلّ واحداً من المشاهد السينمائيّة الخالدة في الذاكرة العربيّة مشهد من فيلم (بين القصرين)، للمخرج حسن الإمام، عن رواية نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار يوسف جوهر، إذ تُسلّط الكاميرا على مجموعة من المتنوّرين يقفون وقفة احتجاجيّة ضدّ كلّ من العسف وتعطيل الدستور، ويعلنون الإضراب.

ومن ورائه ثورة 1919، فينطلق الشعب المصري على خلفيّة نشيد (بلادي بلادي) من كلمات يونس القاضي وألحان سيّد درويش، ثم يأتي رجال الدين المسلم والمسيحي ويرفعون شعارات تعلن تضامن الهلال مع الصليب… لقد صنّع ذلك المشهد أفراد نخبويّون، وهو يحيل على ما يحصل اليوم في القاهرة، مع اختلاف الحيثيّات بين رفض الاستعمار وما ينتجه من أوضاع اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة عام 1919، ورفض الاستبداد عام 2011. لكنّ نمطيّة تاريخيّة، تحضر في كلّ من أحداث القرن الفائت، كما تحضر اليوم، وتتجلّى في دور النخبة، التي تتهم اليوم بأنها نائمة، أو قابعة في البيت، أو في برج عاجي وفاقاً للتعبير المعهود، وبأنّ الشارع قد سبقها إلى تحقيق التحرّر. لاشكّ في أنّ مثل تلك العبارات تشير إلى عدم وضوح مفهوم النخبة، وإلى جهل بدورها التاريخيّ. ولعلّي، في مفهوم النخبة، لا أومن سوى بكونه مفهوماً ثقافيّاً، فالنخبة ثقافيّة (إنتلجنسيا)، وليست اقتصادية أو سياسية، وإن كان كلّ من الاقتصاديّ والسياسيّ ينبثق عنها. لا تقبل النخبة أن تكون إديولوجيّة صرف، وإن كانت تستوعب الطيف الإديولوجيّ كاملاً، ولا تقبل أن تكون وحشاً اقتصاديا لأنها تتسم بالطيبة، إنّها في التعريف المبسّط والواقعيّ مجموعة قليلة من المفكّرين، وهم بالضرورة أشخاص متحرّرون، ذوو ذكاء حادّ، وعلى خلق طيّب، هؤلاء الأشخاص يعملون على تكوين الضمير الإنساني.

لا تنفصل النخبة عمّا يسمّى بالعامّة أو بالجماهير أو بالشعب، الذي يشكّل البنية الثقافية الاجتماعية التي تنتمي النخبة إليها، فالنخبة مجموعة من المثقّفين العضويين وفاقاً لـغرامشي، لكنّهم يمتلكون وعياً فرديّاً، يتفوّقون به على وعي الجماعة بالتأكيد، ومن أهمّ ما يميّز النخبة هو أنّها لا تشتغل بالتحكّم عن بعد، فهي ليست بعيدة في الخارج، إلاّ لظروف النفي القسريّ، وليست معزولة في الداخل أيضاً، إنّها تكابد مع الناس يوماً بيوم!

يتشكّل فكر النخبة من الخاصّ الذي ينبض بالعامّ، ففكرها تمثّل لتجارب البشر، ولأفكار النخب عبر التاريخ، مندمجة بالخصوصيّة الثقافيّة لبنيتها الاجتماعيّة، ولابدّ من الإشارة إلى أنّ النخبة لا تظهر فجأة، سواء أكان ذلك في حدث سياسي أم في مظاهرة، أم في حرب، هي موجودة دائماً، ولم تغادر يوماً، وإنّ فكرها فاعل في الشارع في حالة السلم كما هو في حالة الحرب، وفي حالة النظام كما في حالة الفوضى، وإنّ وجودها المستمرّ مع الشارع، والتعايش معه سبب شرعيّتها.

نعود من هنا إلى مصر، وإلى نخبتها التي تتكوّن من المفكّرين والروائيّين والكتّاب والمثقّفين ذوي المواقف الواضحة عبر تاريخهم الثقافيّ، والذين عرفناهم في كلّ حدث، منذ ستينيّات القرن العشرين وسبعينيّاته، منحازين إلى تطلّعات الناس نحو المساواة والعدل والحرية وتكافؤ الفرص، أولئك الذين كابدوا التضييق والسجن والإجحاف، والذين طالما احتجّوا حين الاحتجاج، وتظاهروا حين التظاهر، ولم يهادنوا أو يمالئوا يوماً، ربّما صمتت ألسنتهم حين كمّ الأفواه، لكن أقلامهم لم تكفّ عن نشر القيم الكبرى، قيم التحرر والعدالة والمساواة، ولطالما وجدوا الحيل الفنية أيّام التضييق ليقفوا في وجه الفساد والظلم، ولم يعكفوا على موضوعات أخرى بعيدة عن ثنائية التسلّط والتحرر، ليذهبوا إلى موضوعات ذات بريق خلّبيّ.

إنّ تلك النخبة هي التي عملت على تعبئة الشارع الشاب حتى انفجر، عبّأته طوال عقود بهدوء، وبصبر، وبإيمان بمستقبل أبهى أيقنت بتحقّقه، نتيجة قراءتها الواعية والدقيقة للتاريخ. ولعلّ ما يحدث اليوم في الشارع العربيّ عموماً يكشف السبب الرئيس وراء الحرب التاريخية بين السلطة والنخبة، فالأولى تحارب الثانية تحسّباً للوصول إلى مثل هذه اللحظة التاريخيّة، ففي حين كانت السلطات تتعامل مع الديمقراطية، والتعدديّة، والليبرالية، والحرية، والعدالة الاجتماعيّة، وسيادة الدستور… على أنّها مفردات تحتكرها أو تملكها، أو أنّها نظام خطاب حداثيّ نظريّ، كانت النخبة تتمثّلها فكراً، وكتابة، وسلوكاً، وتتعامل معها بوصفها هدفاً واقعيّاً، لا شعارات يرددها الجمهور، ليسدّ بها حاجته إلى الكلام، وما لم يخطر في بال السلطة يوماً أنّ تلك المفاهيم ستصبح حقيقة، أو أنّها ستشقّ طريقها للتحقّق.

لا يمكن لسلطة سياسيّة أن تحدّد النخبة بأحزاب، أو حتّى بأفراد تقرّرهم وفاقاً لميولها، ولا يمكن لها أن تحاربها أو تصنّف عناصرها إلى تأصيليين أو تغريبيين، كما حدث طوال قرن من التصنيفات وتبادل التهم. وعلى الرغم من أنّ كلّ سلطة سياسيّة أو إعلاميّة هي مجرّدة من حقّ القول بأنّ الشارع سبق النخبة، فالنخبة تقبل بصدر رحب، وبسعادة مطلقة، أن يسبقها الشارع، لأنّها هي التي صنّعته، صنّعته من غير أن تحتكره، بل أطلقته من أسر البصمة الواحدة، لتجدد معه عقد الصداقة التاريخيّة، وما سلوك الشارع سوى مؤشّر لنجاحها أو إخفاقها.

تبدو مهمّة قضاء السلطة على الأفراد النخبويين مهمّة محرجة لكنّها ليست عسيرة، لكنّ المهمّة المستحيلة تتجلّى في محاربة السلطة لمرجعيّات النخبة ولروافدها، فإذا ما تمكّنت السلطة من اغتيال النخبة وحرق الشارع والقضاء على حراكه، فإنّها لن تتمكّن من اعتقال أرسطو، وابن رشد، والحلاّج، والكواكبي، والحصري، وهدى شعراوي، وستندال، ودستويفسكي، وإليوت، وكامي، وغاندي، وباسترناك، وسارتر، والسيّاب، ، والشابّي، وفرجينيا وولف، وهيتشكوك، والشيخ إمام، وسعد الله ونّوس… أولئك الذين تتنقّل أفكارهم على بساط الريح، لا بين الأمكنة فحسب بل بين الأزمنة أيضاً، فتخضع للتخصيب التاريخيّ على يد كلّ مجموعة ثقافيّة وفاقاً لخصوصيّتها، والنخبة هي التي تقوم بتخصيب تلك الأفكار، فتعاني جرّاء ذلك وتتألّم، فالأفكار تؤلم أصحابها، لكن مثلما يؤلم ماء النهر المجرى، وهو ألم لا يقارن بما يسببه الماء ذاته للسدود، التي يحتّها ويعرّيها، وفي لحظة تاريخيّة يحطّمها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية