«سوريا كلها لك»، قال ترامب لرئيس تركيا اردوغان، وكأنه كان سلطاناً عثمانياً يمنح أحد ضباطه الكبار ضيعة ليديرها. إسرائيل كانت ستفرح بالحصول على تصريح كهذا، لكن حتى لو أنها أعطيت تصريحاً كهذا لما كانت له أهمية حقيقية. لأن من يحدد مجال نشاط إسرائيل في سوريا هو روسيا وليس الولايات المتحدة، ومن موسكو تتلقى عدداً من الإدانات التهديدية. حسب رأيها، قرار ترامب بسحب قواته من سوريا لا يغير الواقع، ليس لإسرائيل فحسب، بل إن قراره لا يغير النظام العالمي. التدخل العسكري الأمريكي الذي بدأ بتأخير كبير بعد قتل حوالي نصف مليون شخص وهروب حوالي 8 ملايين لاجئ من بيوتهم، لم ينجح في وقف خطط تركيا وإيران، وبالأساس روسيا. منذ ولاية اوباما ورغم الحرب ضد داعش، أبعدت الولايات المتحدة نفسها عن الانشغال بالخطوات السياسية التي استهدفت إيجاد حل دبلوماسي للحرب.
القناة السياسية التي فتحت في مؤتمرات جنيف، وجهود السعودية لإقامة تحالف للمليشيات يملي الحل المطلوب، كانت قد فشلت وأهملت. بدلاً من ذلك، فتحت روسيا قناة بديلة سمتها «قناة الأستانة» على اسم عاصمة كازاخستان التي جرت فيها المحادثات لإدارة الأزمة.
في محل التحالف الغربي الذي حاولت الولايات المتحدة رئاسته حل محور ثلاثي شاركت فيه تركيا وروسيا وإيران وقرروا إقامة مناطق أمنية. تركيا أخذت المسؤولية عن منطقة إدلب وشمال سوريا، إيران وافقت على الابتعاد قليلاً عن الحدود مع إسرائيل ولكنها تستمر في تدخلها في منطقة دمشق، حزب الله يدير منطقة الحدود بين سوريا ولبنان، وسوريا انتقلت من القتال والإشراف على قواتها والقوات السورية إلى إعادة ترميم مكانة الأسد في الساحة العربية والدولية كجزء من العملية السياسية الشاملة.
عودة الأسد إلى الجامعة العربية يتم بحثها هذا الأسبوع، وحتى الآن لم يتخذ قرار نهائي، لكن حتى شهر آذار، وفي موعد مؤتمر القمة العربية في تونس ستتواصل جهود روسيا لإقناع زعماء الدول العربية بالموافقة على عودة العضوة التي تم طردها في العام 2011. ليس صدفة سفر رئيس السودان عمر البشير إلى دمشق هذا الأسبوع، وهو المطلوب للمحاكمة في محكمة الجنايات الدولية بتهمة جرائم ضد الإنسانية، وقد جرى بواسطة طائرة روسية أعادته أيضاً.
ولكن اللقاء الأهم جرى يوم الأحد بين علي مملوك، رئيس الأمن القومي السوري واليد اليمنى للأسد، والمسؤول عن جهاز الاستخبارات في سوريا مع رئيس المخابرات المصرية عباس كامل. الإعلام المقتضب الذي صدر من مصر قال: إنهما تباحثا حول مواضيع ثنائية تتعلق بالوضع في المنطقة. ولكن محرر الصحيفة الرسمية المصرية «الأهرام»، جمال عفيفي، شرح مطولاً بأن «تهديد الأمن القومي لسوريا يشكل تهديداً للأمن القومي في مصر».
عفيفي يعبر عن توجهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي قبل سنة قال: إنه مستعد لمساعدة الجيش السوري. خلافاً لموقف السعودية فقد صوتت مصر في الأمم المتحدة مع مشروع القرار الروسي الذي رفض إدانة سوريا. هل ستذهب مصر خطوة أخرى وتؤيد إعادة سوريا إلى الجامعة العربية؟ إذا كانت مصر حتى الآن قد تحفظت من الدوس على وتر حساس للسعودية، يبدو أنه في أعقاب قضية جمال الخاشقجي والضعف الذي أصاب مكانة السعودية، سواء عربياً أو دولياً، فإن تردد مصر لن يكون صعباً بشكل خاص.
مثل الأردن أيضاً، مصر ستفضل دمشق داخل الجامعة حيث إن طردها لن يسهم في تغيير سياسة الأسد. إيران عززت قوتها أمام التحالف العربي وتركيا، عدوة مصر والسعودية تحولت إلى صاحبة بيت في المنطقة الشمالية في سوريا.
المصلحة الروسية في إعادة الأسد إلى الحضن العربي لا تستند فقط إلى الرغبة في أن تحقق له شرعية عربية، وبعد ذلك دولية، بل أيضاً من أجل موازنة تأثير إيران وتركيا في سوريا، وهو هدف لم تنجح أمريكا فيه، ويبدو أنها لم تكن تنوي تحقيقه.
العجز الأمريكي تم التعبير عنه في تصريحات جيمس جفري، المبعوث الأمريكي للشؤون السورية، الذي أوضح بأن إخراج إيران من سوريا سيتم بوسائل دبلوماسية وليس عسكرية. وهو لم يفصل من سيدير الجهود الدبلوماسية وأي وسائل ضغط سياسية ستكون في أيدي الولايات المتحدة. جس النبض لدى زعماء الدول العربية، جاء أيضاً على خلفية الاشتعال المتوقع على الحدود السورية ـ التركية بين الجيش التركي والمليشيات الخاضعة له وبين القوات الكردية. أول أمس هدد ابراهيم كالين، المستشار الكبير والمتحدث بلسان اردوغان، بأن «تركيا ستدمر العالم على رأس سوريا إذا قامت قواتها بمهاجمة القوات التركية». هذه التهديدات لن تستقبل بشكل جيد في موسكو، التي تدرك أنه يجب عليها أن تقرر ما هو طول الحبل الذي هي مستعدة لمنحه لأردوغان.
ولكن نية توسيع الاحتلال التركي داخل سوريا لم تحدث بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة من سوريا. تركيا ترى في واشنطن حليفة للأكراد، وهي لم تتردد في احتلال مدينة عفرين الكردية في شهر آذار رغم المعارضة الأمريكية.
يبدو أنه حتى لو بقي الـ 2000 جندي أمريكي في سوريا فإن تركيا لن تعتبرهم عائقاً. نسيج المصالح والخطوات على الأرض تطور بدون صلة بوجود القوات الأمريكية.
في المقابل، الذعر الكردي المبرر والخوف على أمنهم هو على الأكثر «ضرر بيئي» لا يمكنه أن يغير سياسة روسيا وتركيا أو إيران. الأكراد يستعدون لمواجهة عنيفة، لكن يبدو أنهم سيضطرون إلى البحث عن ملجأ لدى النظام السوري والاستعانة بروسيا.
تسفي برئيل
هآرتس 27/12/2018