إسطنبول – «القدس العربي» : تتسارع خطوات التطبيع العربية مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، فعقب زيارة الرئيس السوداني عمر البشير وتصريحات ملك الأردن عبد الله الثاني، وزيارة مسؤول في المخابرات السورية للقاهرة، أعلنت الإمارات رسمياً،أمس الخميس، افتتاح سفارتها في دمشق لأول مرة منذ 7 سنوات، وهو ما فتح الباب مجدداً أمام التكهنات حول الموقف التركي من الاعتراف بشرعية النظام السوري.
التطبيع العربي
وكانت الجامعة العربية، قررت في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، تجميد مقعد سوريا، على خلفية رفض لجوء الرئيس السوري بشار الأسد إلى المقاربة العسكرية لإخماد الاحتجاجات الشعبية المناهضة لحكمه. وفي آذار/مارس 2012، قرر مجلس التعاون الخليجي (يضم السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، والكويت، وقطر، والبحرين) سحب سفراء الدول الست من سوريا.
وأمس الخميس، أعادت الإمارات، فتح سفارتها في دمشق، بعد إغلاق دام 7 سنوات، ووفق بيان لوزارة الخارجية الإماراتية، أوردته وكالة الأنباء الرسمية (وام)، «أعلنت أبو ظبي عودة العمل في سفارة الدولة بالعاصمة السورية دمشق». وبينما أوضحت الخارجية الإماراتية أن «هذه الخطوة تؤكد حرص حكومة الإمارات على إعادة العلاقات بين البلدين الشقيقين إلى مسارها الطبيعي»، اعتبرت أن ذلك «يعزز ويفعل الدور العربي في دعم استقلال وسيادة سوريا ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية ودرء مخاطر التدخلات الإقليمية في الشأن العربي السوري».
بعد افتتاح الإمارات سفارتها أمس في دمشق وزيارة البشير و«مواقف عربية تطبيعية» معه
والشهر الجاري، زار الرئيس السوداني عمر البشير دمشق والتقى بشار الأسد، ليكون بذلك أول رئيس عربي يزور الأسد من انطلاق الثورة السورية قبل 7 سنوات، وهي الزيارة التي مثلت تراجعاً حاداً في موقف السودان، وفسرت على أنها جرت بإيعاز من دول عربية كبرى.
تزامن ذلك، مع ما كشفته القاهرة عن لقاء جمع رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، واللواء علي المملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني بالنظام السوري، حيث بحثا قضايا أمنية وسياسية وسبل مكافحة الإرهاب، حسب المصادر الرسمية المصرية.
الموقف التركي
وبعد أن قام الأردن بفتح المعبر الحدودي الحيوي جابر- نصيب بين البلدين قبل أسابيع، أكد قبل أيام أن العلاقات مع سوريا ستعود كما كانت عليه في السابق، لافتاً إلى أن «الأمور في سوريا تتحسن وأن العلاقات ستكون كما كانت عليه في السابق». وبعد أن زار وزير خارجية النظام وليد المعلم سلطنة عمان في مارس/آذار الماضي، التقى وزير الخارجية البحريني أواخر أيلول/سبتمبر الماضي. والشهر الماضي، أبدت حكومة النظام السوري ترحيبها بأي خطوة عربية باتجاه عودة السفارات إلى دمشق وتفعيل عملها من جديد، بعد سنوات من إغلاق عدد من سفارات الدول العربية بعد بدء الحرب في سـوريا.
تصدرت تركيا منذ بداية الأزمة السورية الدول الداعمة للثورة سياسياً وعسكرياً، وكانت أبرز الدول الداعمة للجيش السوري الحر والمعارضة المسلحة في مسعى للإطاحة بالأسد، بينما تصدر اردوغان شخصياً زعماء العالم المطالبين بضرورة إسقاط الأسد ووصفه مئات المرات بـ»المجرم والقاتل والسفاح» واتهمه بقتل ما لا يقل عن مليون سوري. وعلى غرار التغير الذي شهدته مواقف معظم الدول العالم من نظام الأسد، شهد الموقف التركي تغييراً تدريجياً ظهر على مرحلتين، تمثلت الأولى بتخفيف الرئيس التركي حدة تصريحاته المناهضة للنظام، وفي مرحلة ثانية بدأت تصدر تلميحات إلى إمكانية إعادة العمل مع النظام السوري.
اردوغان: نظام مجرم
لكن الموقف التركي ظل طوال السنوات الماضية محكوماً بأمرين هامين، الأول يتعلق بتغير اهتمامات تركيا وأولوياتها في الملف السوري لا سيما في تحول أولوية أنقرة من اسقاط النظام إلى إنهاء خطر إقامة كيان كردي انفصالي على حدودها، وهو ما ولد أصواتاً داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في البلاد تؤيد خطوات باتجاه نظام الأسد تساعد في النهاية في إنهاء خطر إقامة كيان انفصالي كردي.
أما الأمر الآخر، فمتعلق بالتوجهات الشخصية للرئيس التركي الذي لا يرى مصوغاً يمكنه من تبرير أي تقارب رسمي علني مع نظام الأسد، كونه من تصدر الهجوم الإعلامي والمطالبات بإسقاط الأسد طوال السنوات الماضية. وقبل أيام، أثار وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو جدلاً واسعاً بعدما قال إن بلاده مستعدة للعمل مع نظام الأسد إذا فاز في انتخابات ديمقراطية، ولاحقاً برر الوزير تصريحاته بالقول: «كنت أجيب على سؤال هل ستعملون مع الأسد في حال فوزه بانتخابات نزيهة؟ فأجبت بالقول إذا جرت هكذا انتخابات فالكل سيراجع مواقفه (..) لم أقل شيئاً يعني أننا سنعمل مع الأسد أو أننا نصوّب ما يفعله»، مضيفاً: «لم نقل في أي وقت أننا نصوب ما فعله الأسد، ولن نقول».
وعلى الفور، عمد اردوغان على تجديد موقفه من النظام السوري عبر القول: «إن الشخص الممسك بمقاليد السلطة في سوريا (بشار الأسد) يسعى للحفاظ على موقعه والبعض يعينه على ذلك، رغم مقتل مليون مسلم في هذا البلد»، وهو التصريح الذي كان بمثابة تأكيد غير مباشر على عدم تغير الموقف الرسمي من النظام السوري. وفي تصريحات أخرى، عاد وزير الخارجية التركي لتأكيد الموقف التركي من النظام السوري عبر القول إن «تركيا مستعدة للتعاون مع الجميع في مكافحة تنظيم «داعش» الإرهابي، باستثناء نظام الأسد والتنظيمات الإرهابية الأخرى»، وذلك رداً على سؤال حول خطة تركيا للتعامل مع الأطراف في سوريا عقب الانسحاب الأمريكي المتوقع. وفتح الانسحاب الأمريكي المتوقع من سوريا الباب واسعاً أمام احتمالات تتعلق بإمكانية قبول انتشار النظام السوري في مناطق النفوذ الأمريكي مقابل ضمان محاربة وحدات حماية الشعب الكردية وضمان عدم إقامة كيان انفصالي على حدودها.
وقبل يومين، شدد حليف اردوغان زعيم حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهتشيلي على أنه «لا يؤيد إقامة تركيا حوارًا مع نظام بشار الأسد في سوريا «تحت أي ظرف من الظروف»، معتبراً أن «عملية مكافحة الإرهاب التي نفذتها تركيا كان لها تكلفة اجتماعية عالية، ومن المعيب جدًا والخسارة بالنسبة إلى الجمهورية التركية وضع هذه المكافحة رهن إرادة الأسد».
وترغب تركيا من خلال مباحثات أستانة ومحاولات تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد أن تتمكن من التوصل إلى دستور جديد يمهد الطريق أمام انتخابات يشارك فيها جميع السوريين داخل وخارج البلاد في محاولة للإطاحة بالأسد بطريقة ديمقراطية بعدما تعذر الإطاحة به عبر المعارضة المسلحة بسبب تراجع الدعم الدولي والعرب للمعارضة السورية منذ سنوات، وهو ما يشكك الكثيرون في إمكانية نجاحه.