إسرائيل اليوم. هذه ليست مفاجأة. ليس هناك أحد في الساحة السياسية أو القضائية لا يعرف بأن رئيس وزراء إسرائيل لن يتردد في إحراق النادي على سكانه.. وفي محيط المستشار القانوني فإن للحكومة وعياً بذلك. فهم يعرفون الزبون تماما،ً ويعرفون بأن كل الوسائل مشروعة. حتى تلك غير المشروعة. وقد بدأ هذا مع محققي الشرطة، وتسلق إلى المفتش العام، ثم انتقل إلى محكمة العدل العليا، والآن جاء دور المستشار القانوني. كل من له عينان في رأسه وإحساس شم في أنفه يعرف بأن يأجوج ومأجوج هم لا شيء مقارنة بما سيكون هنا في الأشهر المقبلة. لا يمكن أن نتوقع من نتنياهو أن يفعل ما فعله أولمرت، الذي استقال حتى قبل توصية الشرطة. أما نتنياهو فسيقول: فليستقيلوا هم.
وبعد أن قلنا كل هذا ومع أن كل شيء مرتقب، فلا يمكن للمرء إلا أن يسقط عن كرسيه بعد أن يقرأ العنوان الرئيس في «إسرائيل اليوم»، (بوق البيت في شارع بلفور)، صباح يوم الخميس. في نظرة إلى الوراء أجد أنه كان من الخير أني حفظته عن ظهر قلب لأنه بعد وقت قصير جداً امتدت يد طويلة وغيرته. من جهة أخرى، فإن الخطوط الحمراء هي أيضاً لم تعد ما كانت عليه. فرئيس وزراء إسرائيل يقودنا إلى مطارح لا لجام فيها. وهو يحاول أن يحاكي دونالد ترامب. تعالوا نأمل بألا ينجح. ففي حالة ترامب، يمكن لأمريكا أن تسمح لنفسها أن تدفع الثمن. أما إسرائيل..؟ فأنا لست متأكداً على الإطلاق.
رئيس الوزراء يقول لمقربيه: «لن أعتزل من أي سيناريو»، هكذا صوت صاخب من بلفور، في صباح يوم الخميس، في العنوان الرئيس، ولكن العنوان الفرعي أهم منه: «في محادثات مغلقة صرح نتنياهو: القانون واضح، حتى إذا رفعت ضدي لائحة اتهام، فلن أرحل. هدد: إذا نشر مندلبليت قراره قبل الانتخابات فإنه سيتعرض للهجوم بلا رحمة». كان مناسباً لو أن اسم الصحيفة تحول ولو لمرة واحدة من «إسرائيل اليوم» إلى «إسرائيل أيوم» (تهديد). رئيس وزراء يهدد المستشار القانوني للحكومة بلغة محفوظة لأعداء إسرائيل. «يهاجم بلا رحمة». كما قال بيغن في حينه: «احذر يا افيحاي، إمسلم وريكلين بأنتظارك!». خسارة أن ليس له ضد حماس مثل هذا التصميم.
ولكن بعد بضع دقائق فهم أحد ما خطورة الموضوع. أحد ما أعطى التعليمات وإذا بالعنوان يعدل، وبدلاً من كلمة «يهدد» أدخلت «في الليكود يهددون». بمعنى أنه ليس هو. ماذا تريدون من نتنياهو المسكين؟ فهذا «في الليكود». اذهبوا وأنزلوا باللائمة على الليكود. هذه هي حرب بنيامين نتنياهو على البيت (الوطن) التي من شأنها أن تكلفنا خرابه.
الساعة الجنائية: هناك احتمال أن يكون أحد ما في محيط رئيس الوزراء (أو هو نفسه) بأن هذا تسجيل لهدف على الذات. فمندلبليت هو جنجي (أحمر) بطبيعته. شعره ليس مصبوغاً بألوان متغيرة. فقد ولد «جنجياً» (شعره أشقر). يخيل إلي أنه بات يفهم ماذا يحصل هنا وعلى وعي بعظمة الساعة (أو صغرها). صادم النظر إلى كبار مسؤولي الليكود، الحزب الفاخر الذي كان هائجاً ذات مرة، ومليئاً بالحياة، والمواجهات، والزعماء والحبكات. هم يعرفون أنهم اختطفوا. هم يصلون لأن يعلن أحد ما عن «نظام هنيبعل»، فتقع معجزة، فتهبط وحدة ما من السماء لتنقذهم، هم الرهائن البؤساء الذين يضطرون لأن يلعبوا أدوار الحيوانات الأليفة في صفوف جوقة المشبوه المواظب من بلفور.
مهزلة المساء تتجسد في رد فعل رئيس الائتلاف، النائب دودي امسلم، الذي تنكر من التهديدات على المستشار القانوني بدعوى أن «هذا ليس أسلوبنا». فهذا لم يعد مضحكاً. وفي المساء ذاته تبين بأن قبر والد المستشار، ميكي مندلبليت الراحل، البيطاري الفخور والمخلص، أفسد بمطرقة. أول من سارع إلى الإعراب عن صدمته هو رئيس الوزراء، كما أنه «أمر بالتحقيق»، بالطبع.
من يعتقد أن اصطلاحاً «اختطافاً» أمر مبالغ فيه، ها هو تذكير قصير: قبل بضعة أسابيع، بعد استقالة افيغدور ليبرمان من وزارة الدفاع، طلب نفتالي بينيت المنصب وطرح إنذاراً على نتنياهو. والأمر الأخير الذي أراده بيبي هو أن يعطي بينيت، كريه روحه، الكوشان على السترة الحربية الرسمية وأن يشاهده يصور مع مقاتلي الجيش.
وبخلاف مؤسسة رئيس الأركان فإن «مقاتلي الجيش» لا يزالون علامة تجارية إسرائيلية مطلقة. ما الذي فعله نتنياهو كي يوقف بينيت؟ ألقى خطاب «الدم، العرق والجموع» إياه يوم الأحد في الثامنة مساء، 18 تشرين الثاني، وألمح هناك إلى تحديات أمنية خفية، وإلى مخاطر فظيعة و«تضحية» ستكون مطلوبة منا قريباً. باختصار، في مثل هذه الأزمنة لا تطرح إنذارات ولا تحل حكومات، أيها الأولاد. أنا الراشد المسؤول، دعوني أعمل.
في صالح بينيت يقال إنه لم يتمترس على الشجرة وتراجع بسرعة. وبقي نتنياهو وزير الدفاع. ونجا الائتلاف كي نتمكن من الوقوف معاً في وجه الكوارث المقتربة. وكان ما يختبئ خلف تلميحات رئيس الوزراء هي أنفاق حزب الله في الشمال.
أما هذا الأسبوع، عندما قرر نتنياهو، للتو، الطيران إلى الانتخابات، فقد سحقت كل هذه المخاطر لتصبح غباراً. جمع الكابنت، وخرج إلى جولة في الشمال، وفي ختامها أعلن للجميع بأن كل شيء على ما يرام. انتهى الأمر. يمكن العودة إلى الحياة العادية. انتصرنا. أي يمكن الركض إلى الانتخابات.
الفارق الوحيد بين العويل في خطاب 18 تشرين الثاني وصافرة التهدئة هذا الأسبوع هو حقيقة أن نتنياهو فهم بأن الجدول الزمني اختصر وأن المستشار القانوني يوشك على الإعلان عن حسمه. في تلك اللحظة أجرى الأمن القومي لدولة إسرائيل التفاتة حدوة حصان حادة. نتنياهو الذي أحب تعريف النشاط ضد أنفاق حزب الله كـ «حملة»، اقتبس فجأة كمن يدفع الجيش إلى شطب اصطلاح «حملة» عن جدول الأعمال. فهذه هي مجرد أنفاق، وعلامَ الانفعال؟
بن كسبيت
معاريف 28/12/2018