بدأ عام 2018 بقنبلة تتعلق بدونالد ترامب الذي يبدو أنه آلف منذ أعوامه الثلاثة في الحكم افتعال المعارك والشجارات الساخنة في أمريكا أو الساحة الدولية، وكان موضوع عدة كتب أهمها “النار والغضب: في بيت ترامب الأبيض” الذي قدم فيه مايكل وولف، رؤية عن الفوضى والغضب في داخل البيت الأبيض. وانتهى العام تقريبا بكتاب آخر عن حالة الفوضى التي يعيشها ترامب والحصار في كتاب بوب وودرود “غضب” وهو توبيخ آخر وشهادة من صحافي مخضرم كان وراء الكشف عن فضيحة ووتر غيت. وبين الكتابين لم تتوقف الكتب عن ملاحقة الرئيس وحروبه المستمرة مع نفسه والعالم.
ولكن ذاكرة عام 2018 خلت تقريبا من الكتب التي تتحدث عن الخاسرين في العام خاصة تنظيم “الدولة” الذي تقلصت حظوظه وانتهى بعدد من الجيوب الصغيرة على الحدود السورية-العراقية. فعلى مدى الأعوام الأربعة الماضية رصدنا سلسلة من الإصدارات المتعلقة بالتنظيم الذي وصف بأنه أثرى تنظيم في العالم وحكم خلافة مساحتها تعادل مساحة بريطانيا وسكانها يتجاوزون السبعة ملايين.
إلا أن الثورة المضادة على الربيع العربي حظيت بكتاب مهم كتبه مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” ديفيد دي كيرباتريك، “في أيدي العسكر: عن الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط” وهو رحلة في انتفاضات الربيع العربي والنهايات الحزينة لآمال الملايين من المتظاهرين العرب الذي خرجوا إلى ميدان التحرير في القاهرة وميادين العواصم العربية مطالبين بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والتي انتهت عندما تعاونت الدولة العميقة في مصر والمال الخليجي على إسقاط التجارب الديمقراطية وإضعافها وتحويل ساحات الحرية إلى ساحات للجوع والدم.
وكتاب “في أيدي العسكر” هو رحلة صحافي راقب الانتفاضات وصعودها وانتصارها ثم الفوضى التي تبعت انهيار القيادة وتدخل العسكر. والغريب أن معظم المحللين اعتبروا عام 2018 نهاية للربيع العربي. وفيه استأسدت الديكتاتوريات على صناع الحرية وكتابها. وكانت لحظة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده صورة عن جرأة ووحشية الديكتاتورية العربية ممثلة في شخص محمد بن سلمان، ولي العهد المتورط في عملية قتل الصحافي وجيل الحكام الذين تعاونوا على وأد الربيع العربي.
ربيع براغ
والمفارقة أننا ونحن نتحدث عن مصير الربيع العربي تذكر العالم مصير ربيع آخر وهو ربيع براغ (رغم أن أحداثه جرت في الصيف) الذي سحقته دبابات الاتحاد السوفييتي في عام 1968. فقبل خمسين عاما زحفت 2000 دبابة و250.000 جندي إلى عاصمة تشيكوسلوفاكيا لوقف إصلاحات رئيس الوزراء ألكسندر دوبيك للنظام الشيوعي في بلاده أو ما أطلق عليها اشتراكية دوبيك بوجه إنساني. وخشيت موسكو تحت ظل ليونيد بريجنيف من خسارتها سلطتها على دويلاتها في المعسكر الشرقي وفقد صبره من إصلاحات دوبيك ولهذا قرر تدمير التجربة التي كانت مختلفة عن عام الثورات التي شهدتها الكرة الأرضية. وتم قمعها تحت جنازير الدبابات السوفيتية والتي أدت لاحقا لرحيل ما يقرب 300.000 تشيكي إلى الغرب.
وبعد خمسة عقود من ربيع براغ وعقدين من نهاية المنظومة السوفييتية نحن أمام ظاهرة إحياء لليسار في بريطانيا وأمريكا، يقود الأولى زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن والثانية السيناتور المستقل بيرني ساندرز، ومآلات هذه الظاهرة لا تزال محل امتحان لكنها تبدو القوة الموازية أمام صعود الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
لكن عام 2018 لا يكون عاما بدون جوائز وفضائح، ففي هذا العام قررت لجنة جائزة نوبل للآداب حجب جائزة هذا العام بسبب فضائح جنسية تتعلق بجين كلود أرنو، زوج كاترينا فروستينسوس، المؤلفة وعضو الأكاديمية السويدية التي تمنح الجائزة. وقالت الأكاديمية أنها ستؤجل منح الجائزة لهذا العام وستمنحها في العام المقبل لمؤلفين في وقت واحد.
أحسن الروايات
وما دمنا نتحدث عن الأدب فقد كان العام حافلا في مجال الرواية. فالرواية الجميلة لا تزال تدير خيالاتنا وتنقلنا إلى عوالم جديدة وعام 2018 مثل غيره من الأعوام لم يخل من روايات جميلة مثل رواية جوناثان كو “ميدل إنغلاند” التي تلاحق جذور الانقسام المر داخل بريطانيا من خلال حياة أبطالها. “صابرينا” رواية مصورة من تأليف نيك درانسو، تبحث في الشائعات ونظريات المؤامرة التي تغلف اختفاء امرأة. ومن خلالها تبحث في قضايا متعددة مثل الأخبار المزيفة والسعادة وحالة الولايات المتحدة. رواية فاطمة فرحين ميرزا “مكان لنا” عن حياة عائلة أمريكية-ام وأب وابنتين وولد بعيد عن العائلة. وهي قصة أمريكية عن عائلة في منطقة في سان فرانسيسكو تكشف عبر التحضير لزفاف البنت الكبرى عن حيوات الأطفال والاضطرابات التي تواجهها العائلة المهاجرة والتوزع وما يريده الأطفال من حياة أمريكية وتوقعات آبائهم منهم. الكاتب الأسترالي بيتر كيري والحائز على جائزة بوكر البريطانية مرتين يخوض في تجربة روائية جديدة عن معنى أن تكون استراليا في “طريق موحش من البيت” ويكشف من خلال العمل عن التاريخ المخجل لمعاملة السكان الأصليين.
ويقود الحديث عن بوكر البريطانية إلى رواية “بائع الحليب” لآنا بيرنز التي نالت الجائزة الكبرى وهي عن فتاة عمرها 18 عاما في مدينة بدون اسم في ايرلندا الشمالية (المؤكد أنها بلفاست) في أثناء الاضطرابات من سبعينات القرن الماضي. وهي فتاة لا تحب السياسة وتهرب من القرن العشرين إلى قراءة كتب القرن التاسع عشر. وتحاول الهروب من النمطيات المجتمعية. والرواية في مضمونها عن المرأة وضعفها وعزلتها وحالة الهجران.
مذكرات
في سير هذا العام كتاب ليندزي هيلسام، عن حياة الصحافية الأمريكية ومراسلة صحيفة “صاندي تايمز” ماري غولفين “تطرف: حياة وموت المراسلة الحربية ماري غولفين”. وعملت غولفين كمراسلة للصحيفة البريطانية من عام 1985 لحين وفاتها في “عرين الثورة” السورية حمص عام 2012.
وأصبحت معروفة بعصابتها التي ارتدتها بعدما فقدت عينها في أثناء تغطيتها للحرب في سريلانكا عام 2001، وأصبحت عصابتها رمزا عن الشجاعة. وتكشف هيلسام أن حياة غولفين دفعهتا للبحث المتطرف في شخصيتها وعملها، وتمزج بين الشجاعة والتهور وكل هذا من أجل البحث عن الحقيقة. وتزامن صدور الكتاب مع فيلم وثائقي عن حياتها “حرب خاصة”.
ومن المذكرات كتاب الصحافي الاستقصائي سايمون هيرش، “مراسل: سيرة ذاتية” ويذكر فيها أن الصحف الأمريكية بمجملها في عام 1969 كانت ترفض نشر تقاريره عن فظائع القوات الأمريكية ضد المدنيين الفيتناميين في ماي لاي. ولكنه وجد من ينشرها بعدما بدأت الحرب تقارب على الانتهاء.
ومن السير المهمة تلك عن الشاعر التشيلي “نيرودا: الشاعر ينادي” من تأليف مارك أينزر يبحث عن أصول حياة “شاعر الشعب” كما أطلق على نفسه. والذي أكد على أهمية الشعر في البحث عن أرضية في زمن التغيرات المصيرية. فالشاعر الذي جاء من أصول برجوازية كان قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية يقرأ شعره في القاعات الحاشدة والملاعب المزدحمة بالجماهير لسماع شعره. وقال مرة “الشاعر الذي يقرأ شعره أمام 130.000 شخص، ليس الرجل نفسه ولا يمكنه مواصلة الكتابة بالطريقة نفسها”.
ولا يزال نيرودا شاعرا شعبيا حتى اليوم، لكن أفضل ما كتبه عندما كان شابا في “عشرون قصيدة وأغنية يأس”. وفي هذا السياق مرت خمسون عاما على وفاة الروائي الأمريكي جون شتاينبك مؤلف “عناقيد الغضب” و “فئران ورجال” و”شرق عدن” و”شارع السردين المعلب” التي جعلته من أهم كتاب الرواية الأمريكية في القرن العشرين. وفي هذه المناسبة ستصدر سيرة عن حياته في العام المقبل تحت عنوان “غاضب على العالم”.
سياسة وإسلام
لم يختف الاهتمام بالوضع السوري، ففي كتاب “المعركة من أجل سوريا: التنافس الدولي في الشرق الأوسط الجديد” يقدم كريستوفر فيليبس، تحليلا جديدا للدور الذي لعبته القوى الخارجية في الحرب السورية. ويرى أن الحرب شكلتها منذ البداية القوى الإقليمية لا المحلية بناء على منظور التراجع الأمريكي في الشرق الأوسط، وبالضرورة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في هذا النزاع الدموي. وفي كتاب فواز جرجس “صناعة العالم العربي: ناصر وقطب والصدام الذي شكل الشرق الأوسط” يقدم الباحث دراسة في العلاقة الشخصية بين ناصر وسيد قطب وكيف جمع بينهما المسار الفكري والسياسي وفرقهما بصورة لا نزال نرى آثارها حاضرة اليوم في ما يجري الآن في مصر والعالم العربي بشكل عام. ويناقش جرجس أن ناصر كان قوميا وإسلاميا واعترف بأهمية الدور الذي يلعبه الإخوان المسلمون في الحياة الاجتماعية والسياسية المصرية. وهو كتاب مهم في سياق مآلات الربيع العربي. ومن الكتب الأخرى كتاب “بيت الإسلام: تاريخ عالمي” لإد حسين عن التطرف. كما وحظيت حركة النهضة التونسية بكتاب صدر عن دار نشر جامعة كامبريدج للباحث في الحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا “النهضة بين السياسة والدعوة”. وفيه رصد الكاتب التحولات الأخيرة في فكر وتوجهات حركة النهضة. وهي دراسة ميدانية تحليلية قابل فيها الكاتب صناع الرأي فيها.
راحلون
رحل في هذا العام كتاب مثل الروائي الأمريكي فيليب روث والبريطاني فيشا نايبول الروائي ومؤلف كتب الرحلات. وستان لي صانع معجزة مارفل والأبطال الخارقين من سبايدر مان إلى سوبرمان وبقية العائلة. وتوفي كاتب كتب الطبخ المعروف وصاحب العلاقة بالشرق الأوسط أنتوني بوردين. وكذا الفيزيائي المعروف ستيفن هوكينغ الذي عاش مقعدا معظم حياته وبقي يسبح في الكون وصدر بعد وفاته كتابه الذي حظي باهتمام كبير وهو آخر كتبه بعنوان “أجوبة موجزة للأسئلة الكبيرة” والذي زعم فيه أنه لا يوجد إله ولا حياة بعد الموت ولم يخلق أحد الكون. وفيه أجاب على أسئلة مثل من أين جئنا؟ وكيف سننجو على الأرض؟ وكيف سنغزو الفضاء؟ وتوفي الكاتب والروائي الأمريكي توم وولف المعروف بالصحافة الجديدة. وغادر الحياة المؤرخ البريطاني عن قرن من الزمان برنارد لويس صاحب كتب “أصول الإسلامية” و”تشكل تركيا الحديثة” و “العرب في التاريخ” والمعروف بمناظراته مع الراحل الناقد اداورد سعيد. والمؤرخ الذي وضع كتاباته وتجربته في خدمة اليمين المحافظ في أمريكا.
وتوفيت الروائية اللبنانية والناشطة النسوية المعروفة إميلي نصر الله وأحمد خالد توفيق مؤلف روايات الرعب وفتنازيا الخيال العلمي والروائي الأردني جمال ناجي صاحب “الطريق إلى بلحارث”. وتوفي المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين صاحب كتاب “الأمة العربية: القومية وصراع الطبقات” من بين عشرات المؤلفات التي خلفها. ومحمود السمرة الناقد والأكاديمي الأردني صاحب “أدباء الجيل الغاضب” و”أدباء معاصرون من الغرب”. واسماعيل فهد إسماعيل، مؤسس الرواية في الكويت وصاحب “البقعة الداكنة” و “الحبل” و “الضفاف الأخرى”.
عربيا
فازت رواية “حرب الكلب الثالثة” للروائي والشاعر إبراهيم نصر الله بجائزة البوكر العربية متفوقة على قائمة من الروايات لكتاب مثل عاطف أبو سيف وأنطون الدويهي ووليد الشرفا وديما ونوس. وأصدر علاء الأسواني رواية “جمهورية كان” وعادل عصمت “الوصايا” وأمير تاج السر “جزء مؤلم من الحكاية”.
ومن الكتب العربية المهمة التي صدرت كتاب الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن “ثغور المرابطة: مقاربة أئتمانية لصراعات الأمة الحالية” وفيه يتناول الفيلسوف المعروف قضايا سياسية مثل مركزية القدس في الوعي العربي وكيف فرط العرب فيها وحروب العرب الداخلية ونفسية الصراع الإسرائيلي مع الأمة العربية وطبيعة التنافس السعودي-الإيراني ودور المثقف. وكذا أصدر الباحث التونسي كمال الساكري دراسة عن “الظاهرة السلفية بالعالم العربي في القرن العشرين” وحاول فيه كشف الغموض عن مسمى السلفية وإن كانت حركة دينية أم دعوية أو حركة سياسية بمفهوم آخر. واحتفت العاصمة القطرية الدوحة بصدور المعجم التاريخي للغة العربية وهو مشروع أطلق عام 2013 وأشرفت عليه لجنة من الباحثين في علم اللغة واللسانيات العرب.
وفي النهاية إن قسنا النشاط الثقافي في العالم العربي بالمهرجانات ومعارض الكتب وما يقذفه إعلام الدولة الرسمي، فهو في النهاية نشاط يفتقد الحرية والاختيار. ووصف صحافي لبناني حالة الثقافة في بلده عندما أراد أن يعمل جردة لعام 2018 بأنه “لا يستحق الكتابة عنه” وعبر عن أمله في أن تكون في العام المقبل ثقافة أكثر. ونزيد نريد “أدبا يحترم حق الإنسان في الحياة وقول ما يريد دون أن يخشى من منشار يقطعه أو رجال أمن ملثمين يأخذونه للمجهول”.
اليسار الآتي
من القضايا التي شغلت النقاش هذا العام وألمحنا إليها في البداية تتعلق بحالة الإحياء الجديدة لليسار. وهناك أسئلة يطرحها كتابان يناقشان الدور الذي يمكن أن يلعبه كوربن والسيناتور ساندرز في دفع اليسار للأمام.
ورغم الفروق بينهما إلا أنهما ينحدران من التقاليد الاشتراكية. فكوربن ينتمي إلى اليسار العمالي الذي مثله توني بن، أما ساندرز فينحدر من مجلس الشباب الاشتراكي. وكلاهما مخضرمان ينتميان لليسار الحالي وذلك الذي شهدته فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وحافظا على مبادئهما خلال المرحلة الثاتشرية والريغانية والبليرية والكلينتنية. وكلاهما محوري في حالة الإحياء التي تشهدها الاشتراكية في بلديهما. وفي الوقت الذي تتجاوزهما اللحظة الاشتراكية التي تحتوي على عناصر لا تهتم بهما أو معادية لهما، إلا أنهما يظلان محوريان في منظورها. وتعبر مجموعة مقالات أصدرها جون ماكدونال، وزير خزانة الظل في حزب العمال تحت عنوان “اقتصاد للجميع” وكتاب ساندرز أو مذكراته “إلى أين نذهب من هنا: عامان في المقاومة” عن الكفاح السياسي منذ عام 2016.
ومهما كان موقفك من كوربن أو ساندرز، فالقوى التي دفعا بها وأعطياها الإلهام متطورة، ولم تعد في طور الكمون بل ونجحت في الخروج من دائرة الهامش إلى دائرة التيار الرئيسي. ولكنها لم تحصل على السلطة الكافية لوضع الأفكار محل التطبيق وربما سيحين الوقت قريبا.
وحتى لو اختفت الكوربنية غدا فإن ما حققته يعد تقدما. وعندما فاز كوربن بقيادة حزب العمال عام 2015 تحدث توني بلير عن نهاية الحزب. وبعد ثلاثة أعوام لا يزال كوربن على رأس القيادة في حزب العمال الذي يعيش صحة جيدة وبعيدا عن الإبادة التي حذر منها بلير بل وانتعش. وشهدت عضوية الحزب زيادة بمعدلات كبيرة حيث وصلت إلى 350.000 عضو وتضاعف حجم الحزب ثلاثة أضعاف. وشهدت انتخابات عام 2017 أكبر نمو للحزب منذ عام 1945. وكشفت الكوربنية عن مصداقية البرنامج السياسي العمالي الواضح، البرنامج الذي يهاجم التقشف وتفوق رأس المال.