سلطنة عمان: مسقط تستقبل نتنياهو وسط صمت الجيران

حجم الخط
0

مسقط-“القدس العربي”:لعل ما ميّز سلطنة عمان في عام 2018 استقبال مسقط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة علنية للمرة الأولى لمسؤول إسرائيلي رفيع إلى هذه الدولة الخليجية التي تشكل جزءاً من مجلس التعاون الخليجي وتلتزم بقراراته، لكنها تريد بالتوازي أن تحتفظ لنفسها بموقع خاص يعطيها القدرة على التحرك في سياستها الخارجية.

وجهة نظر سلطنة عُمان أن الزيارة التي شهدت صمتاً حولها سواء من الجيران الخليجيين والعرب، أو من جارتها إيران وحلفائها، لم تكن خطوة في إطار تطبيع العلاقات العُمانية – الإسرائيلية، بل جاءت في إطار المساعي لإحداث خرق في الجدار المسدود على مستوى عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، أقله في الجزء المعلن من أسباب الزيارة التي سبقتها محادثات مطوّلة أجراها السلطان قابوس بن سعيد مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي زار السلطنة، وأقيمت له كل مراسيم الاستقبال الرسمي بحفاوة شعبية.

زيارة نتنياهو لمسقط أحدثت  صدمة لدى الشارع الفلسطيني الذي اعتبرها نافذة جديدة للتطبيع العربي مع تل أبيب، وانتكاسة جديدة للقضية الفلسطينية، لكن لدى السلطنة مقولة أنه إذا كان الجميع في الأزمات يغلق الأبواب، فلا بد لأحد أن يترك نافذة مفتوحة. ما تريده السلطنة هو أن تكون “النافذة على الجميع”، بعد ما سعى قابوس منذ توليه الحكم إلى إرساء معادلة عدم التدخل في شؤون الغير وعدم تدخل الآخرين في شؤون بلاده، في مقابل معادلة داخلية ارتكزت على بناء المواطنة وتعزيز حياة الإنسان العماني وتوفير الفرص أمامه ونقله إلى مصاف الدول المتقدمة عبر التنمية والانفتاح والتقدم مع الحفاظ على الجيد من الموروث العماني، من أجل أن يكون مساهماً في نهضة بلاده وتطورها.

 تسير عُمان بخطى بطيئة ولكن ثابتة لتفادي الخطوات المتسرعة وغير المدروسة ولتواكب مسار التطور في البيئة المجتمعية المحلية. وتسعى إلى الاستفادة من موقعها الجغرافي للعب دور اقتصادي مميز، حيث أن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، الواقعة جنوب العاصمة والتي يجري العمل على تنفيذها، تُعتبر الأكبر في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وتصنَّف ضمن المناطق الاقتصادية الكبرى في العالم. ومن شأن هذا المشروع الهادف إلى تنشيط الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل غير النفطية، أن يشكل نقطة ربط، عبر الميناء وسكة الحديد وشبكة طرق النقل البري، مناطق السلطنة المختلفة ودول مجلس التعاون، ومنطقة الشرق الأوسط، وشرقي افريقيا، وجنوب شرقي آسيا.

حين تنتقل العدسة إلى دور السلطنة في الجوار، تتبلور أكثر معالم “سياسة النوافذ المفتوحة” التي تنجح فيها مجسدة دور الدولة المحايدة في خضم المنطقة الملتهبة. تحولت مسقط مكاناً للمفاوضات خلف الأبواب الموصدة في المسائل الشائكة، لاسيما في ما خص المفاوضات بين إيران وأمريكا حول الاتفاق النووي الأول. هي دون شك، تشكل نافذة لإيران التي لها معها علاقات تحالفية متقدمة ومصالح مشتركة. تلعب “دور المحفّز” تارة و”دور الوسيط” تارة أخرى. تستمر السلطنة ملاذاً لإيران كلما تعقدت مسائلها ووصلت إلى الحائط المسدود.

وعلى رغم ميزة السرية التي تتمتع بها عمان، فإن الاقتناع السائد يوحي بوجود تحرك عُماني على خط طهران – واشنطن من أجل منع وصول الأمور إلى “نقطة اللاعودة”. الأكيد أن لقاء نتنياهو – قابوس تعدى مسألة الملف الفلسطيني إلى العلاقة بين إسرائيل وإيران، بعدما تحولت طهران إلى جارة لتل أبيب ما دامت حاضرة على الحدود الشمالية لإسرائيل من خلال أذرعها العسكرية المتمثلة بـ”حزب الله” الذي تزوده بصواريخ عالية الدقة، وما دامت موجودة في سوريا وتسعى إلى  تكرار نموذج “حزب الله” على حدودها الشمالية الشرقية. فالمحادثات تناولت أيضاً، وفق البيان الرسمي، قضايا تتعلق بتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

هل كسرت زيارة نتنياهو إلى مسقط حاجزاً نفسياً لدى العرب؟ التطورات التي ستشهدها المنطقة في الأشهر المقبلة كفيلة برسم الإجابة. ذهب وزير الشؤون الخارجية يوسف بن علوي إلى القول “إن إسرائيل دولة موجودة في المنطقة ونحن جميعا ندرك هذا، والعالم أيضا يدرك هذه الحقيقة، وربما حان الوقت لمعاملة إسرائيل بالمثل وتحملها نفس الالتزامات”.

الرؤية التي تريد السلطنة ترسيخها نهجاً دائماً لها تقوم على اعتماد الحوار سبيلاً لحل الخلافات، والعمل من أجل إرساء السلام بين شعوب المنطقة. ما أسره صديق لعمان بأن السلطان قابوس الذي أحدث نقلة نوعية في بلاده على مرّ العقود الماضية منذ أن تولى الحكم عام 1970، يريد أن يترك “إرثا” له في أذهان شعوب المنطقة يرتبط باسمه كـ”صانع السلام”. فهل في زمن الحروب المستعرة اليوم، وطموحات التوسع والسيطرة، ومنها الإسرائيلية، هناك فرصة لصناعة السلام؟

.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية