يبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صانع الأحداث الكبرى، والأكثر تأثيراً في العالم لسنة 2018. هو الذي ختم سنة 2017 بالإعلان عن قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. قرار لم يجرؤ رئيس أمريكي على تنفيذه رغم أنه كان على الدوام بندا رئيسيا في الحملات الرئاسية الأمريكية. وحده السيّد الحالي لـ “البيت الأبيض” فعل ذلك، لا بل اتسم بالمغالاة في الذهاب بعيداً بقراراته في 2018، وفي المجاهرة بعقلية إدارة سياسة الدولة العظمى بمنطق “التاجر” الذي لا يُعير القيم أي أهمية، بل ينطلق من المفهوم الخالص للمصالح. ما يميّزه عن غيره أنه يُعلن ذلك على الملأ، فيما الآخرون ينتهجون السياسة نفسها إنما بصورة مجمّلة تُخفي قبح الخيارات التي تنعكس بشكل أو بآخر على المنطقة.
وضَعَ ترامب في العام 2018 قراره نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس قيد التنفيذ. وجاء التوقيت في 14 أيار/مايو مستفزا وفجا باختيار مصادفته مع الذكرى السبعين لنكبة فلسطين وسط عجز دولي وعربي قاتل، ليواصل فريقه وعلى رأسه مستشاره وصهره جاريد كوشنر رسم خطوط “خطة السلام الفلسطيني – الإسرائيلي” والتي باتت تُعرف بـ “صفقة القرن”، تمهيداً لإطلاقها في الفصل الأول من العام 2019 علّها تشق طريقها إلى حيز الواقع!
معارك عدة طبعت سنته الرئاسية التي استخدم فيها “العصا والجزرة”. ضرب ترامب ضربته تجاه طهران. انسحب في 8 أيار/مايو من الاتفاق النووي الإيراني وأعاد فرض العقوبات عليها، منهياً إرث سلفه الديمقراطي باراك أوباما الذي كان ثمنه باهظاً جداً على العرب بفعل غض الطرف عن تمدّد إيران وأذرعها العسكرية في دول المنطقة. لم يأبه للتحفظات الأوروبية والروسية، فقدّم شروطه لصفقة جديدة مع إيران وأعلن استراتيجية مواجهتها بهدف “تغيير سلوك نظامها”، وفق أجندته الراهنة التي قد تتطوّر إلى قرار الإطاحة بالنظام، الذي يعيش ضغوط الشارع المأزوم معيشياً وحياتياً.
ترامب وكوريا الشمالية
“عصا” العقوبات الاقتصادية التي أضحت السلاح الأكثر فعالية من الحروب، إذا لم تكن صورية، أراد ترامب لكوريا الشمالية أن تكون مثالاً يحتذى مقابل “جزرة” المكتسبات. “المثال – النموذج” إنجاز يصبّ في مصلحة الرئيس الأمريكي حتى الآن، بعدما نجحت العقوبات في إحداث خرق في هذا الملف الشائك عبر مقايضة تخلي “الزعيم الديكتاتور” كيم جون أون، عن السلاح النووي بضمان الحفاظ على حكمه وحمايته ورفع العقوبات وإنعاش اقتصاد الدولة الواقعة في النصف الشمالي من شبه الجزيرة الكورية التي ارتبطت بالسوفييت، فيما ارتبطت كوريا الجنوبية بالأمريكيين. مشهد لقاء الزعيمين الأمريكي والكوري الشمالي الذي عُقد في سنغافورة في حزيران/يونيو شكَّل حدثا تاريخيا، وسبقه لقاء تاريخي هو الآخر بين زعيمي الكوريتين الشمالية والجنوبية في نيسان/أبريل على الحدود الفاصلة بين الدولتين على طريق إنهاء حال الحرب المستمرة منذ خمسينات القرن الماضي.
اردوغان و”كابوس” حلم الأكراد
وشهد العام 2018 في الصيف أزمة غير مسبوقة في العلاقة بين ترامب ورجب طيب اردوغان الذي أعيد انتخابه رئيسا لتركيا في حزيران/يونيو، لكنه أقفل على تغييرات مفاجئة بين الرجلين لم يُعرف بعد المدى الذي يمكن أن تصل إليه، وما يمكن أن تؤول إليه من نتائج وانعكاسات وتداعيات على المنطقة، لا سيما في سوريا، بعد قرار الرئيس الأمريكي سحب قواته من شرق الفرات وإعلانه أنه ينسق تلك الخطوة مع نظيره التركي الذي يراهن على وضع نهاية لـ “كابوس” حلم الأكراد في حكم ذاتي في الجوار السوري ستمتد شرارته مستقبلاً إلى بلاده.
كانت حالة التوتر بين أمريكا وتركيا هي السائدة بين البلدين على خلفية رفض واشنطن تسليم الداعية التركي فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بضلوعه في محاولة انقلاب 15 تموز/يوليو 2015 من جهة، واحتجاز تركيا القس الأمريكي آندرو برونسون بتهمة التجسّس والإرهاب والمرتبطة بمحاولة الانقلاب. توتر يحوطه اختلاف في الرؤى السياسية حيال الكثير من الملفات، بدءاً من الموقف من الإخوان المسلمين، مروراً بالدعم الأمريكي للأكراد في شمال سوريا، وصولاً إلى موقع أنقرة على خريطة التحالفات في المنطقة جراء تقارب – روسي – تركي – إيراني يلقي بظلاله بقوة، وتقاطع المصالح الروسية – التركية الذي أفضى في أيلول/سبتمبر 2017 إلى إبرام أنقرة صفقة للحصول على منظومة الدفاع الصاروخية الروسية المتطورة “إس 400″، وسداد الدفعة الأولى من العقد، فيما عمل “البنتاغون” – وفق تقارير صادرة في آذار/مارس الماضي- على إقناع الدولة الشريكة في حلف شمال الأطلسي بضرورة الامتناع عن شراء منظومات الدفاع الجوية الروسية، مقابل عرض ترامب على اردوغان بيع بلاده منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكي “باتريوت”.
على أن العلاقة بلغت ذروتها في التوتر خلال شهر آب/أغسطس بعدما أصابت “التغريدات” الترامبية الليرة التركية واقتصاد البلاد في مقتل في ضوء تطوّر قضية القس برونسون سلباً. ولم تظهر ملامح انفراج في العلاقة إلا بعد حادثة اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشجقي في قنصلية بلاده في اسطنبول.
كثيرة هي التكهنات حول أسباب انفراج العلاقة التركية – الأمريكية، بعض الروايات تتحدث عن صفقة جرت بين استخبارات البلدين، حيث أبلغت وكالة الاستخبارات الأمريكية “سي.آي. أي” المخابرات التركية عن العملية التي تحضّر لها المخابرات السعودية في ما خص خاشقجي. ما يُكسب الرواية قدراً من الصدقية هي التسريبات التركية منذ اللحظة الأولى عن تفاصيل عملية القتل، والتي ظهرت لاحقاً دقتها، ما دفع دوائر سياسية واستخباراتية عدة إلى الاقتناع بأن الأجهزة التركية قد هيأت مسبقاً لرصد تفاصيل العملية من خلال اختراقها للقنصلية. وجرى إدراج إطلاق أنقرة المفاجئ لسراح القس الأمريكي في إطار أثمان الصفقة. وقعت المخابرات السعودية في “فخ” مُحكم ارتد سلباً على صورة السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان الذي واجه اتهامات عن مسؤوليته في مقتل خاشجقي.
خاشقجي “شخصية العام 2018”
لم يكن خاشقجي الذي عُرف بتعاطفه مع الإخوان المسلمين، والذي اختار أن يستقر خارج بلاده ليتوقع أن يصبح هو الخبر، وأن تختاره مجلة “تايم” الأمريكية، من بين صحافيين آخرين، لنيل لقب “شخصية العام 2018”. لم يخطر في باله أنه سيتقدم على ولي عهد بلاده الذي احتل صدارة استفتاء قرّاء المجلة ذاتها بوصفه الشخصية العالمية الأكثر تأثيراً في العام 2017، وأنه سيهز عرش الأمير الشاب، ويعرّض المملكة لضغوط دولية لا تزال تحت وقعها!
بوتين يواصل البقاء في الصدارة
في مشهد العام 2018، يواصل بعض اللاعبين البقاء في الصدارة. “القيصر” فلاديمير بوتين واحد من هؤلاء. تربع على عرش روسيا في ولاية رابعة لسنوات ست جديدة. عينه على أزمات الداخل، وعلى حدائقه الخلفية، لا سيما أوكرانيا، التي يلعب فيها الخصوم. يُقارع من أجل ترسيخ نفوذ له في الشرق الأوسط من بوابة سوريا، التي أراد أن يكون “العرّاب” فيها. خطى وترامب إلى هلسنكي، فكانت قمة ثنائية في 16 تموز/يوليو، تقدمتها سوريا وخطة لعودة اللاجئين بقيت معلقة في انتظار إنجاز الحل السياسي على أسس “جنيف 1” وليس أستانا، فيما أرسى واردوغان “اتفاق إدلب”، بعد توافق أمريكي – روسي – إسرائيلي – أردني في شأن جنوب سوريا أنهى المعارضة المسلحة لمصلحة النظام السوري، وآل إلى ترتيبات أمنية أبعدت إيران وميليشياتها عن الحدود الإسرائيلية – السورية إلى عمق 120 كلم باتجاه دمشق.
بدا أن مسار الاتفاقات في سوريا قفز عن النقاش حول بقاء الرئيس السوري بشار الأسد على رأس النظام. خرق الرئيس السوداني في الشهر الأخير من السنة عزلة الأسد بزيارة دمشق كأول رئيس عربي منذ اندلاع الثورة السورية. والرهان أن تحمل السنة الجديدة زيارات مسؤولين عرب آخرين، وربما أوروبيين، إلى دمشق، وإعادة فتح السفارات في العاصمة، إيذاناً بتعويم الحليف الروسي – الإيراني الأمين، وعودة “سوريا النظام” إلى الجامعة العربية بعدما تم تعليق عضويتها، ومشاركة الأسد القمة العربية المقبلة حيث ستكون حدث العام 2019، إذا حصلت.
كأن وجه دمشق لم يحمل الخير للبشير، إذ ما أن عاد إلى الخرطوم حتى هبّت تظاهرات شعبية في المناطق السودانية احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية تطالب بالرحيل، في مشهد يٌذكّر ببدايات “الربيع العربي” قبل أن تصبح “السترات الصفراء” ملهمة للشعوب. تلك السترات التي ارتداها الفرنسيون ونزلوا فيها إلى شوارع باريس والمدن الرئيسية بشكل كثيف في عطلة الأسبوع على مدى أسابيع خمسة تعبيراً عن الغضب لزيادة أسعار الوقود، لتتحول رمزاً جديداً للاحتجاجات ليس فقط في الاتحاد الأوروبي بل في بغداد وبيروت، عاصمتي الدولتين المتشابهتين في تكوينهما التعددي وفي نزاعهما المذهبي السني – الشيعي وفي سقوطهما في دائرة النفوذ الإيراني، والأهم المحاصصة الطائفية للسلطة التي يُصدّرها لبنان إلى دول الجوار ذات المجتمعات التعددية بطوائفها ومذاهبها وإثنياتها.
فعلى الرغم من أن العراق ولبنان شهدا سنة 2018 انتخابات برلمانية تجديداً للحياة السياسية، فإنهما يستمران ساحتين للصراع والتعايش بين أمريكا وإيران، ينزفان بحكم فائض قوة الميليشيات على حساب الدولة ومؤسساتها، وتغلغل الفساد في لعبة تقاسم المغانم، والانقسامات وسط غياب مفهوم المواطنة والانخراط في مشاريع إقليمية.
سجّل عام 2018 خروج رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من تركيبة الحكم، نتيجة صراع النفوذ الداخلي والخارجي، رغم ما تحقق خلال وجوده في رئاسة مجلس الوزراء وقيادة القوات المسلحة من انتصار في الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي كان استولى في حزيران/يونيو 2014 على محافظة الموصل التي أعلن منها أبو بكر البغدادي “دولة الخلافة” وأعقبها تمدد التنظيم إلى محافظات أخرى ذات غالبية سنيّة، قبل أن يُعلن المرجع الديني في النجف آية الله السيستاني “الجهاد الكفائي” لوقف زحف التنظيم إلى بغداد. خرج العبادي من المشهد ليدخل عادل عبد المهدي الشخصية التي قيل أنها قادرة على أن تشكل تقاطعاً أمريكياً – إيرانيا قيد الاختبار.
ولعل الحدث الذي حملته السنة كان زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العلنية إلى مسقط، وهي زيارة حصلت من دون ضجيج وصخب اعتراضي كان ليملأ الساحات والشاشات لو قُدّر له أن يحصل في بلد عربي آخر، لكن التعامل الهادئ عكس دفء العلاقة التي تنسجها سلطنة عُمان مع الآخرين و “دور الوساطة” الذي تقوم به في أكثر من ملف وعلى أكثر من جهة على ضفتي المتصارعين، وحيث هناك حاجة أمريكية أو إيرانية أو خليجية أو عربية، وحيث ترى أن ثمة حاجة إلى “واقعية ما” و “اعتراف صعب” و “تنازلات مكلفة” بحثاً عن السلام!