ما الذي يُميز السيرة الذاتية عن الأنواع القريبة منها؟… عن الزمن وأنا الكتابة وأثر الواقعي

■ شكل التعريف الذي أعطاه فيليب لوجون للسيرة الذاتية مرحلة تدشين داخل نظرية النوع، وسمح بتسليط الضوء على مختلف السمات المخصوصة التي تُميز السيرة الذاتية عن باقي أشكال الأدب باستعمال ضمير المتكلم، أي قدم «الوصف النظري للنوع وللأشكال التي يستعملها، فهو، من خلال الميثاق السيرذاتي، يميز بين السيرة الذاتية وباقي الأنواع القريبة من الكتابة الذاتية، مثل المذكرات، والسيرة، والرواية الشخصية، واليوميات والبورتريه. وهذا الاختلاف يُفسر نفسه، بحسب لوجون، بالحاجة إلى الميثاق السيرذاتي، مثلما إلى الميثاق المرجعي الذي يكفل صعوبة فصل «ذات التلفظ وذات الملفوظ بضمير المتكلم»: إننا، بالفعل، بصدد مشكلة الزمنية داخل الحكي السيرذاتي، وداخل كتابة الذات بوجه عام.

تمثيل الحياة

يتجه الشطر الأول من تعريف لوجون للسيرة الذاتية، «حكي استرجاعي نثري يقوم به شخصٌ حقيقي عن وجود الخاص»، صوب ما يُوحد السيرة الذاتية ويُفرقها عن النوع الأدبي الأقدم الذي اشتُق منه اسمها، ألا وهو السيرة، التي ظهرت، بحسب مؤرخي العصور القديمة، من العادة التي أحاط بها الرومان (الرجال العظام) للثناء عليهم وتخليد ذكراهم. ويعتبر مشروع بلوتارخوس، كما رأينا، أشهر السير القديمة. وهو يتقاسم ومشروع روسو في (الاعترافات) الطموح الأساسي بـ«جعل حياة إنسانية حقيقية موضوعَ كِتاب». إلى جانب ذلك، فإن حياة الفرد التي يشعر بها الآخرون كمتواليةٍ من الأحداث المرتبطة بهذا الشخص، ينبغي أن تتخذ عبر اللغة شكْلَ حكيٍ استرجاعي في السيرة، كما في السيرة الذاتية، مع أن النظام الكرونولوجي لن يحترم بدقة دائمًا. لكن مسعى السيرة الذاتية وميزتها الخاصة في أنها تختلف عن الأولى إذ تتضمن تطابق المؤلف وموضوع الكتاب، فنجدها تغوص في عالم ذكريات الأنا السيرذاتي الخاصة وحساسيتها الخاصة؛ وهو ما يقودنا إلى الحديث عن مقتضى الكتابة السيرذاتية الذي يستعمل الكتابة وسيلةً لتمثيل الحياة كما عاشتها الذات التي تكتبها. وهذا أمرٌ بديهي من وجهة نظرية، لكنه يستتبع مشكلات إبستيمولوجية تُثار أثناء ممارسة الكتابة.

تسمح السيرة الذاتية لمؤلفها ليس بتمثيل الأحداث المهمة والعامة التي عَينت وجوده في الغالب وحسب، بل كذلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت هذه الأحداث.

فخلافًا للسيرة، تسمح السيرة الذاتية لمؤلفها ليس بتمثيل الأحداث المهمة والعامة التي عَينت وجوده في الغالب وحسب، بل كذلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت هذه الأحداث. وهكذا فأغلب السير الذاتية تثيرها الرغبة في تبديد سوء الفهم وإعادة تشييد الحقيقة التي مثلتْها بكيفية غير مكتملة وشائهة، مثلما تثيرها الرغبة في تبرير بعض الوقائع والمواقف. وبالقياس إلى الرواية، تلعب السيرة الذاتية على التدليس التلفظي، على التناوب الحُر للغاية بين أزمنة القصة وأزمنة الخطاب، تبعًا للجدلية التي تختص بها: لا يكتفي السارد بمجرد سرد أحداث حياته الماضية، لكنهُ يلقي عليها نظرة نقدية، يحكم عليها ويُسوغها على ضوء معرفته الراهنة، فيما هو يحاول أن يقيم علاقات السببية والتدرج بين تجسدنات الأنا المتعاقبة لكي يظهر وحدة تفرده مع ما يرافق ذلك من ذوبان الحدث في الزمن.

بين كتابة ذاتية وأخرى

يسمح الشطر التالي من التعريف، «يركز أساسًا على حياته الفردية»، بتحديد الفارق الذي بين السيرة الذاتية والمذكرات. في الواقع، إذا كان هناك، في كلتا الحالتين، تعامل مع شكلٍ سردي مُماثلٍ يتجلى في الحكي الاسترجاعي، الذي يهم حياة المؤلف، فإننا نلاحظ أن التركيز في المذكرات يولي الأهمية للأحداث التاريخية التي عايشها المؤلف، فيما موضوع الخطاب السيرذاتي فردي بحد ذاته. بعبارة أخرى، تكون المذكرات إما إخبارًا عما شاهده الشخص وسمع به، أو إخبارًا عما حدث وقال به، بينما السيرة الذاتية هي إخبارٌ عن الأحوال التي كان عليها. وبما أنه من الصعب، أثناء ممارسة الكتابة، أن يتم الفصل الواضح بين هذين الصنفين المختلفين، فمن البداهة أن يتداخلا كنوعين أدبيين. لكن لأجل التمييز بينهما، يبدو من المهم – حسب لوجون- تحديد ما هو «المشروع الرئيس للمؤلف».
كما أننا نجد في التأريخ معيارًا شكليا يسمح لنا بالتمييز، مثلًا، بين السيرة الذاتية واليوميات. في اليوميات، يتم تقليص الانزياح بين الخطاب وما يكون مسرودًا إلى حد أدنى: فكاتب اليوميات، وهو المرسل إليه نفسه، ما يكتبه في نهار يومه هو ما يحمله على تقطيع خطابه، وكل ما يدخله يُؤسس نَوْعًا من الوحدة. وهكذا ليس بإمكان كاتب اليوميات أن يسيطر على الزمن بالطريقة نفسها التي يسيطر بها كاتب السيرة الذاتية. لكن قد تكون اليومية استرجاعيةً إذا كانت لها القدرة على التفكير في نفسها، فتأتي في الغالب لترسم نَوْعًا من البورتريه أو الرسم الذاتي. ومع ذلك، ومن أجل القارئ، فإن المعرفة بالنفس هي التي تسمح للمؤلف بأن يكتب سيرته الذاتية، مُرتبًا إياها على القصد. لكن نُقاد الأدب سارعوا إلى الاعتراض على هذا الميثاق الذي يرفض مرونة النوع السيرذاتي، ويضطر القارئ إلى أن يسجن نفسه داخل سنن القراءة وآفاق التلقي؛ فادعاء الوحدة يطرح مشكلةً للقارئ، وهو إعادة تأليف مُتصنع لـ(ذات) تخاطر باقتراح (ذات) مختلقة. في هذا السياق، يرى كورت كلوك أن تعريف فيليب لوجون يقوم على علاقات القارئ مع النصوص، على أمل أن يحسن ضبط اشتغالها وفهمها، قائلًا: «لكن الأهم أن لا أحد يجبرنا أن نقيم عقد القراءة على اتفاق صريح مثلما يقترحه لوجون. بعكس ذلك، يجب على عقد القراءة أن يشتغل ويعمل ضمنيا بالفعل، داخل النص. والأرجح أنه يمكن تحديده باعتباره وظيفة جوهرية للنص، وليس باعتباره فقط وظيفة تعمل بالنص الموازي (صفحة العنوان)، أو بالمعطيات المرجعية للنص لا غير. بعبارة أخرى، ‘الميثاق السيرذاتي’ هو ظاهرة نغمة اللغة».

تزمين الذات والكتابة عنها سيكون، إذن، محاولةً للانخراط في المحسوس، وإعادة بناء الهوية التي ليست نموذجًا قارا، بل في تطورٍ مُستمر.

وكان فيليب لوجون نفسه على وعي بأن السيرة الذاتية، والكتابة الذاتية عمومًا، لا تتمتع بوضع مُغْرٍ في النقد الفرنسي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فسارع إلى دراسة السيرة الذاتية بضمير الغائب، ومناقشة الـ(أنا) والـ(أنت) وأزمنة الكتابة عند فاليس وفيكتور هوغو وغيرهما على نحو سمح له باعتناق المنظور الأوسع للسيرة الذاتية، فأنتج نموذجًا سيرذاتي أكثر مطاطية ومرونة يتضمن التخييل نفسه، والوثائقي المعيش، واليوميات والسيرة، وشهادة الناس الذين لا يكتبون على نحو ما صنع أني منيار، الذي يشيد به لوجون، فقد رد السلطة إلى الشعب وجعل الكتابة في متناوله، في ما ينتقد سوق المنافع الثقافية التي تثير الاشمئزاز من الأدب البروليتاري.
إن تزمين الذات والكتابة عنها سيكون، إذن، محاولةً للانخراط في المحسوس، وإعادة بناء الهوية التي ليست نموذجًا قارا، بل في تطورٍ مُستمر. ويستجيب هذا الشرط لأهداف مؤلفي هذا المتن، ولرغائبهم التي تسعى لإعادة بناء الـ(أنا) الاجتماعي في تناغم مع الـ(أنا) الداخلي. ومن هذا المنظور، يعاودون النظر إلى الماضي من أجل تحديد الأسباب والآثار المترتبة عليه في حاضرهم، بقدر ما يهمهم إعادة كتابة التاريخ الرسمي في كتاباتهم الذاتية: الذات التي تفكر وتؤمن بوصف الواقعي.

أثر الواقعي

هل يمكن لكتابة الذات أن تخلق كونًا محتملًا يمنح أثرًا للواقعي؟ يؤكد جورج ماي، بهذا الخصوص، أن أي سيرة ذاتية بما أنها عملٌ أدبي هي مجرد هذه الواقعة المشبوهة التي لا تخلص للحقيقة في كل الأوقات». لكن لوجون يُوضح أن الغرض من السيرة الذاتية «ليس الاحتمال البسيط، بل المشابهة بالحقيقي. لا «أثر الواقعي»، بل صورة الواقعي». إن نصوص المتن السيرذاتي تشتغل مثل «الواقعي» مع كل ما في ذلك من تركيب والتباس، فيما هي تصف التاريخ في الإطار السيرذاتي. يكمن التاريخ، من منظور السيرة الذاتية، في استنطاق الماضي حاضرًا. فالاثنان معًا يطالبان بقول الحقيقة في ما يخص الوقائع الماضية المسرودة. لكن المؤلفين يكتبون الـ(أنا) في علاقتها بعالم الكتابة. وهُمْ عندما يكتبون، يوقفون الحاضر ويتحركون في اتجاه الماضي. من هنا، فزمن الكتابة هو – رُبما- زمنٌ عالقٌ قد يتمددُ في كل سطر، يتقلصُ أو ينحرف. هذا الانزياح بين زمن الماضي والحاضر سوف يمحي عبر الذاتية السردية، بحيث سيكون من السخف أن يتطابق الزمن الواقعي مع زمن السيرة الذاتية، وأن يُطْلب من صاحب السيرة الذاتية أن يقول كل شيء. فالتغير أو النسيان يسمح لكاتب سيرته الذاتية أن يعتبر الحياة بطريقة مختلفة، كما لو كان المؤلف اغتنى بمرور السنوات الماضية وفي طيها خلاصات التجارب، وصار يمتلك منظورًا مختلفًا عن الواقعة نفسها. إنه يُحول أطوار حياته انطلاقًا من ذاتيته الخاصة: «كتابة السيرة الذاتية تصير بمثابة العمل الذي يُحول الواقع».

السيرة الذاتية الحديثة أصبح يتخللها البياض والحذف والنقص، وهو ما يؤسس تعريفها الجديد ويجعلها أقرب إلى المقطعي والشذري.

كتب ميشيل ليريس في سنة 1955، أن السيرة الذاتية الحديثة أصبح يتخللها البياض والحذف والنقص، وهو ما يؤسس تعريفها الجديد ويجعلها أقرب إلى المقطعي والشذري. وينعت جان بول سارتر، في كتابه «الكلمات»، السيرة الذاتية بالمفارقة الساخرة، مُشبهًا المؤلف بالمشعوذ الذي يُرتب طقسًا شعائريا لكي يعيد تأليف مسار الوجود، وهو يستخدم لفظًا مهنيا لكي يشير إلى عمل الكاتب؛ أي أن المهنة بالنسبة إلى المؤلف هي حالما يشرع في حكي استرجاعي ويعيد تأليفه حتى يصنع منه نصبًا تذكاريا. وفي (وجوه)؛ الجزء الثالث من سيرته الذاتية، يعترف محمد شكري بأن «الصراحة ليست دائما أم الحقيقة. ما يشدني إلى واقعٍ ما هي الفكرة المبهجة التي أكونها عنه».
إن الكتابة السيرذاتية تخص جميع محكيات الحياة، ويمكن أن تتعلق بحياة شخص واقعي (مؤلف مثلًا)، أو بحياة شخصية خيالية، وأصبح ممكنًا في هذا المنظور أن نتحدث عن الأنا الذي يكتب ليس بصفته الأنا الذي يقدم نفسه للوجود، وبالتالي يحتجب أي اختلاف بين الذي يكتب والذات التي تتمظهر في الكتابة بحسب جهدها الإبداعي وقدرتها على الإقناع.
وإذن، تحضر الكتابة بوصفها وسيطًا تخييليا لتحقيق المفارقة بين ذات «المرجع الواقعي» وذات «الموضوع المحكي»، أي بين ذات المؤلف كما هي في الواقع وذاته المتأملة في التخييل، فتتخلى الذات عن مرجعيتها الواقعية، وعن وضعها المرجعي إلى حد أن يصبح المرجع نفسه إشكاليةً داخل النص حين تتجاوزه الذات، وكأن أنا المؤلف يريد أن يثبت أن حياته شيئًا آخر غير الذي عاشه، وذلك بِمجرد أن ينقل محكيه إلى فضاء الكتابة.

٭ شاعر مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية