في خواتيم كل سنة إدارية، تنصب رغبتي في قراءة الأثر الإعلامي لكل ما أنجزَ خلال تلك السنة من أنشطة ثقافية في تونس، وعلى البحث عن مدى نجاح كل نشاط منها، وعن حجم تلقيه من قبل الجمهور المستَهدَف. وفي كل مرةٍ أقف في خطابات منابر الإعلام الثقافي على حقيقة عامة صورتها هي أن الأنشطة المنجزة في المشهد الثقافي التونسي عديدة الكَم، متنوعة المجالات، وملَبيةٌ لأفق انتظار الناس. أما الحقيقة الخاصة التي وقفت عليها في خاتمة عام 2018 وتتصل بمجريات الأنشطة الثقافية ذاتها فهي أن كثرةَ تلك الأنشطة والفعاليات التي أنجـــزتها وزارة الثقـــافة التونســـية إنما هــي كـــثرةٌ غير دالـــةٍ، بل قــــل: إن دَلالتَها لا تتجاوز فضاءَ الخبر الإعــلامي الذي وردت فيه، لأنها تخــــفي خلفَ كـــثرتها وتنوعها، أعطابا ثقافية بنيوية سأحاول في ما يلي تَبَينَ أجلى أسبابها ومظاهرها.
كل وزير ثقافة يحيط كرسيه بخدامٍ من المكرسين، وكل خادمٍ من هؤلاء المثقفين يحيط نفسَه بأتباعٍ له يزرعهم في الجهات وفي منابر الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي.
الوزارة وخدامها
لا يَصعب على متَابع الإعلام الثقافي التونسي الخروج بملاحظة أن كل سنة ثقافية إنما هي في مَنابره أكثر السنوات التي سبقتها جَنيا إبداعيا. وهذا أمرٌ قد يؤوله البعض بأنه علامةٌ على حسن تدبير وزراء الثقافة لشؤون وزاراتهم، بل قد يعده أمرا يحسب لهم في ميزان حسنات سياساتهم الإشهارية، ولكني لا أرى فيه إلا عاملا من عوامل تضليل حقيقة الفعل الإبداعي وتقويض أسباب ازدهاره وتهجينه. ذلك أن الواحدَ من هؤلاء الوزراء ما إن يجلس على كرسي وزارته حتى يبذل جهدَ طاقته ليستميلَ منابرَ الإعلام الثقافي، الحكومي منها والخاص: فإذا هو يغدق العطاءَ على أهلها مما ملكَت أَيمان وزارته كالهبات والسفرات والتكريمات والعشاءات، حتى إذا ما شبعت البطون وامتلأت الجيوب، وراقت الأمزجة، لا ترى تلك المنابرَ إلا وهي تتبارى في تجميل العادي من أنشطة وزارته، وتعميق المسطح منها، وكشف حجم الوطنية والثورة فيه، يَعضدها في ذلك نفرٌ من المثقفين الموالين للسائد والنظامي، أعني أولئك الذين يعلنون صداقتَهم للوزارة ويخدمون صاحبَ الوزارة ليضَيقوا الخناقَ، بسلطة تلك الخدمات، على كل مبدعٍ لا تستهويه صداقة الحكومة، ويعلن باستمرارٍ دفاعَه عن حقه في الانتماء إلى ثقافة وطنه غير النظامي، وحيازة بقعة ضوءٍ حرةٍ تحتَ شمسه، يفعلون ذلك لينتفعوا ـ سَهوا رَهوا- بفَيء وزارة الثقافة، وليغنموا منها غنائمَهم الشخصية. والحق أن هذا التوصيفَ لحال الشأن الثقافي التونسي ينطبق أيضا على أحوال الشؤون الثقافية العربية، فكلنا في الثقافة شَرقٌ، غير أن الأمرَ في تونس أكثرَ مكرا، وأكثر زئبقية، وأكثرَ تَسييسا حتى صار يصدق على مَنَاشط وزارة الثقافة القول: «تَسمَع جعجعة ولا ترى طحنا». يرجع هذا التلاعب الثقافي إلى الوزراء أنفسهم، فباستثناء اسمين من أسماء وزراء الثقافة ممن عرفتهم تونس منذ الاستقلال إلى الآن، يمكن الجزم بخلو سيرة أي واحد منهم مما قد يحيل على كونه يتوفر على بعض وعيٍ بوظائف الفعل الثقافي الاجتماعية والجمالية والحضارية، ولا على بعض تصورٍ ثقافي يفجر طاقات الكتاب والفنانين ويحفزهم على الخلق الإبداعي. وما يوجد في تلك السيَر إنما هو قدرة الوزراء الفائقة على تملق النظام القائم، وتكريس الفئوية الثقافية، وتأكيد مركزية الفعل الثقافي في العاصمة، والتدخل في خيارات القائمين على المهرجانات الكبرى (على غرار ما فعل الوزير الحالي مع مهرجاني قرطاج والحمامات)، وتَعيين مسؤولين على مكاتب الوزارة وعلى فعالياتها الدولية الكبرى، ممن ليست لهم كفاية التدبير الوطني للشأن الثقافي، ناهيك عن خلق عداواتٍ بين المبدعين مع إجادة فَن إدارتها في الخفاء.
تمييزٌ ثقافي جائرٌ
كل وزير يعين على رأس وزارة الثقافة التونسية يحيط كرسيه بخدامٍ من المثقفين المكرسين، وكل خادمٍ من هؤلاء المثقفين يحيط نفسَه بأتباعٍ له يزرعهم في الجهات وفي منابر الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي، ويكلفهم بمهمات استراق السمع في المقاهي، وقراءة المنشورات الفيسبوكية، ونَقل تقاريرَ حينيةٍ حول كل ما يقوله أحد الكتاب، بل وما لم يقله، بل وما يمكن أن يقوله، من نَقدٍ عن ذاك المثقف أو عن وزيره. وعلى ضوء كل تقرير، يقدم المثقف الخادم توصية إلى وزيره باستبعاد ذاك الكاتب من كل نشاط ثقافي تونسي، ويحرك ماكينةَ علاقاته ليمنعه من المشاركة في أي فعالية ثقافية عربية (أذكر هنا حالة الشعراء منور صمادح، وأولاد أحمد، ورحيم الجماعي).
ويبدو أن كثرةَ التقارير، وما ينجر عنها من استبعادٍ لكثرةٍ من الكتاب، أمرٌ قد وزعَ المثقفين التونسيين إلى شعبين: شعبٍ من المعتَرَف بهم الذين لا تعنيهم جودة نصوصهم أو رقي فَنهم، قدرَ ما يعنيهم حجم الجاه والرفاه، وهم أولئك الذين يرون في المشهد الثقافي سوقا للتحَيل والكذب والعمل للحساب الشخصي، وشعبٍ من المغضوب عليهم الذين يلقى بهم إلى الهامش، فيظلون يكابدونَ عناءَين: عناءَ الإبداع وعناءَ البقاء أحياء.
وجراءَ هذا التمييز الثقافي الجائر، ظهر في تونس نَصان: نص رسمي مَيتٌ أو هو «حي مَيتٌ»، بلا إحساسٍ وطني، وبارد العاطفة، رغم كثرة ما يثار حولَه من تهليلٍ وتطبيلٍ، ونص هامشي، حار، مفاجئ وجريء، له بالوَطَن صلة دَمٍ، وله بالناس صلة حلمٍ، وله بالإبداع علاقة حياةٍ لا موتَ بعدها.
٭ كاتب تونسي