حكومة الرفاعي بين الثقة المطلقة والإقالة.. أين الخلل؟

حجم الخط
0

د.

يوسف ربابعةيبدو المشهد السياسي الأردني أقرب إلى أفلام الإثارة أو حتى الأفلام الهندية، ففي الوقت الذي حظيت به حكومة سمير الرفاعي بثقة مطلقة من مجلس النواب، ها هي تواجه بعد أربعين يوما فقط من تلك الثقة قرار الإقالة، فإذا كان مجلس النواب يمثل إرادة الشعب فإن تلك الحكومة تكون قد حظيت بثقة الشعب، ولكن المفارقة الغريبة أن الحتجاجات بدأت في الأردن بعد أن نالت الحكومة ثقة مجلس النواب، مما يشير إلى أن هذا المجلس لا يعبر عن إرادة الشعب ولا يمثل مطالبه، رغم أنه مجلس منتخب.

عندما كلف الرفاعي بتشكيل حكومته كانت العناوين الكبرى لكتاب التكليف هي الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد وقانون الانتخاب – وهي بالمناسبة ذات العناوين التي يحملها معروف البخيت اليوم وكان الهدف من تكليف الرفاعي في ذلك الوقت أن هناك مرحلة جديدة ومختلفة حيث تم حل مجلس النواب الضعيف، وإقالة حكومة الذهبي بعد أن أقيل أخوه مدير المخابرات السابق، وتم تغيير بعض المراكز العليا في الدولة، من أجل إتاحة الفرصة لسمير الرفاعي لإجراء الإصلاحات المناسبة، ولم يمض على تشكيل الحكومة ( يوم ويومان وجمعة وشهر وشهران)، حتى بدأت الحكومة تئن تحت وطأة الأزمات في التربية والزراعة والعمل والصحافة، وتحت الضغوط الشعبية – التي لم تكن الحكومة تهتم بها اضطر سمير الرفاعي لإجراء تعديل على وزارته، ثم جرت الانتخابات النيابية في ظل مقاطعة التيار الإسلامي وبرود الاهتمام الشعبي بسبب قانون الانتخاب غير المفهوم، وجاء مجلس نيابي، وتم تكليف الرفاعي مرة أخرى لتشكيل الحكومة الجديدة التي سوف تذهب للمجلس الجديد، مما يعني أن الرفاعي بنظر صاحب الأمر كان ناجحا في إدارة شؤون الحكومة، رغم الانتقادات الكثيرة الموجهة لها من الأحزاب والصحافة والقوى العاملة في المجتمع.

دخلت حكومة الرفاعي مجلس النواب معتمدة خطاب التكليف برنامجا لها، ودخلت على أنها حكومة الملك وخياره، فما كان من النواب إلا أن انصاعوا لهذا الإجراء، فأعطوا الثقة ( والنص والطبشة) متسابقين في ذلك لأنها دلالة على حرارة الولاء عندهم، فحظيت الحكومة بثقة غير مسبوقة، وسط انتقادات الشارع وغضبه، وكان ذلك الشرارة التي أطلقت مسيرات الاحتجاج ضد الحكومة والمطالبة برحيلها، فجاءت الاستجابة لهذه المطالب من خلال إقالة الحكومة التي تحظى بثقة مجلس النواب!

، وكان التغيير مفاجئا باختيار معروف البخيت لتشكيل الحكومة الجديدة، حيث إن البخيت قد خرج يوما من رئاسة الحكومة بسبب كثير من الاحتجاجات التي أثيرت ضده، بعد الانتخابات المزورة وقضايا فيها شبهات فساد وأهمها قضية الكازينو، حتى إنه وقبل اسبوع في اجتماع ضم شخصيات مع الملك، كان البخيت يقول إن شركة موارد فيها أخطاء مالية وإدارية، فرد عليه الملك: بل هي فساد!! ، فظهر أن البخيت لم يكن جادا في فتح ملفات الفساد، ولا يرى أنها تستحق التضخيم.

إن هذه الأحداث تشير إلى ان الطريق الإصلاحي الذي يتم الحديث عنه غير واضح المعالم، فلا أحد يعرف لماذا تذهب الحكومة وتأتي حكومة أخرى؟ ولماذا يتم اختيار هذا الشخص دون غيره؟ وما البرنامج الذي يحمله هذا وذاك؟ فالعملية تتم بطريقة الإثارة من خلال تغيير الوجوه، وإشغال الناس بتبديل الحكومات وتعيين الوزراء، وعدم الالتفات للمطالب الحقيقية التي تؤدي للإصلاح، فلم يعد من المقبول تغيير الوجوه دون برنامج إصلاحي محدد المعالم والزمن، فالمطلوب إصلاحات سياسية واقتصادية يشارك فيها الناس، وإجراء التغييرات الإصلاحية في اختيار الحكومة والانتخابات الديموقراطية الحرة والنزيهة، بحيث تتيح للناس المشاركة الحقيقية في الحكم دون تحييد أو تهميش، وبغير ذلك سنبقى ندور في الحلقة المفرغة، ونشهد مزيدا من التأخر والفساد، لأن الاليات القديمة لم تعد مجدية، والشباب الأردني يرى ويسمع ويفهم ما يحدث في العالم من حولنا، فلا بديل عن الحرية الحقيقية دون منة واستجداء، حيث لم يعد الفكر الإنساني يقبل بغير الحرية، فلا الخبز ولا المساعدات والعطايا يمكن أن تكون بديلا عن الإصلاح الحقيقي.

لأن سيناريوهات الحكومات باتت معروفة، حيث تأتي الحكومة فتشهد كثيرا من التزمير والتطبيل، ثم تبدأ بالدخول في المشاكل مع النقابات والاحزاب والناس، ولا يكون بيدها حل أي مشكلة، لأن الوزراء في الغالب هم موظفون كبار ليس بيدهم اتخاذ القرارات الحاسمة في اللحظة المناسبة خاصة في المطالبات السياسية، ثم تبدأ الصحافة تنقض عليها حتى تنتهي وتقال. وتبدأ العجلة من جديد.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية