«التخييل الذاتي» المشاحنة المعرفية

يُحتمل أن يكون الخيال أشدّ حضورا من الواقع، ذلك أنّ الحكاية لا تنقطع أواصرها بالذهن، فالذات وجدت لتشكل نماذج متعدّدة للواقع الواحد، تماشيا مع حركة الفكر النّشيطة العالقة بين برزخ الواقع والمتخيّل، ولهذا نشأت الرّواية كحاجة تلبّي رغبة الخيال المهيمن على وجود ذات لا يمكنها أن تستسلم للواقع، كنمط وحيد يستهوي فقط الذين ارتأوا هامشا واحدا لا يتعدّى بيولوجية الكينونة، وهنا تأتي تجربة سيرج دوبروفسكي في تخليق مفهوم «التخييل الذاتي»، لكن إلى أيّ مدى يمكن للذات وهي تعايش وتعتاش على الواقع أن تنجز تخييلها الذاتي المتعلق بمسارها الحياتي والوجودي، في إطار ذاتية المسار التخييلي الموازي للواقع؟ وما هي حدود اشتباك التخييلي مع الذاتي؟

علائق الذات والمتخيل/ تحرير الواقع:

تتمرّن الذات على فضاء يشكل لها مرجعية الجمع بين الحضور والغياب، بين أن تكون ذاتا بأبعاد لاحضورية في معمعان الواقع، وذات تمارس ذاتها من حيث كونها تهاجر داخل نسق الواقع، باعتباره عائقا وحافزا، فتتجاوز العائق لتتحرّر في فضاء الحافز. تبرز الذات في هذا المستوى كحالة تستمر في التجربة باعتبارها ثورة الفعل الإبداعي، والذاكرة كخزّان لوقود هذه التجربة، وإن كان الإنسان لا يستغني على كونه كائنا مخياليا بامتياز، على أساس اللحظة الفاصلة التي أنتجت الفن والأدب والموسيقى، فإنّه لا يمكن أن يقدّم تجربته منفصلة عن عالم المتخيل، أي صهر ما هو واقعي في بوتقة المتخيل لتتحوّل عناصر الواقع إلى شذرات تلتمع في جوهرها كينونة الشعر المستفزّة للقرار، في أفق البيولوجي. وصولا إلى هذا المنحى ينبغي أن نستذكر في تجربة «التخييل الذاتي» أنّ سيرج دوبروفسكي وهو ابن السابع عشرة سنة نجا وعائلته من عمليات التهجير إلى المحرقة النازية، وعملية النجاة كحدث غير منتظر تنبت بذورها مختلطة في الوعي بين التخييلي الفنّي والذاتي الواقعي كحالة فرار من هاجس الفناء الملاحق لكينونة كتبت لها الحياة من عمق تجربة تخييلية، إذ النجاة ترتبط بالسرور القاتل الذي يغرق الذات في فانتازية عارمة تكتسي التخييلي وإن كانت من مادّة الواقع.

تتمرّن الذات على فضاء يشكل لها مرجعية الجمع بين الحضور والغياب، بين أن تكون ذاتا بأبعاد لاحضورية في معمعان الواقع، وذات تمارس ذاتها من حيث كونها تهاجر داخل نسق الواقع، باعتباره عائقا وحافزا، فتتجاوز العائق لتتحرّر في فضاء الحافز.

التخييل الذاتي/ البنية المتناقضة:

يطرح مصطلح «التخييل الذاتي» عدّة إشكالات تتعلق بطبيعة الحكاية وجوهر الرّواية وعلاقة الأنا الواقعية بالتخييل، ولكن الإشكال العويص الذي يندرج ضمن مفهومات «التخييل الذاتي» يتمثل في إضفاء صبغة الرّواية على ما هو سيرذاتي، أو محاولة إدراج السيرة ضمن العمل الرّوائي الذي يتوافق فيه اسم المؤلف مع اسم الشخصية الرّوائية، وهو ما يفجّر أزمة «التخييل الذاتي» كمصطلح، إذ البنية الحقلية تتألف من التخييلي ويتعلق بالفنّي/ الجمالي، والذاتي المرتبط بالمرجعي الواقعي، وعملية الجمع بينهما لا تؤدي بالفهم سوى إلى التوفيق بين الكتابة من المتخيل ومزجها بما هو ذاتي، والقصّة تمثل الفضاء الأمثل لذلك، ومنه تتداخل السيرة الذاتية وتسللها بوعي أو بدونه في أحداث العمل المتخيّل، بالسيرة الذاتية الصرفة كبنية لتشكيل معمار روائي خالص، وهو ما جاء تأسيسا بنيويا لـ«التخييل الذاتي»، إذ يعتبر دوبروفسكي أنّ من خصائص التخييل الذاتي أن يكون اسم المؤلف مطابقا لاسم الشخصية، وهو ما يجعل سؤال التخييل في الرّواية قائما باعتبارها حكاية من نسج الخيال، يستمد الرّوائيّ أحداثها من الواقع الموازي لواقعه، وإن تسرّب إليها شيء من سيرته فإنّ ذلك لا يكون إلا من باب التبادلية السلسة التي تحقّقها الرّواية للكاتب باعتباره فاعلا لغويا يجتاز مناطق الخيال انطلاقا من الواقع، فتتشكل اللغة كعجينة حاملة لبصمات الواقع بمعطيات الخيال، وهو ما يمنحها البعد الفنّي الذي يميّزها عن لغة اليومي، وبالتالي لا تعني المطابقة بين اسمي المؤلف والشخصية في التخييل الذاتي سوى تحقّق مرجعية الواقع.

دوبرفسكي معلّقا على مأزق التخييل:

عندما أصدر سيرج دوبروفسكي كتابه «ابن» عام 1977، جاء على الغلاف وسم «رواية»، ثم في الصفحة الرابعة يؤكّد: «قصّة، أحداث ووقائع حقيقية بحتة، إذا كنّا نريد، تخييلا ذاتيا، أن نعهد لغة المغامرة لمغامرة اللغة»، والثابت في هذا الكلام أنّ «التخييل الذاتي» يحمل مقوّمات الرّواية، لكن وفق اعتبارات الذات الواقعية والأحداث الشخصية، لكن ما يجعل التضارب في المعنى قائما هو الجنوح نحو لغة الإبداع التي تختزن شحنة التخييل لكونها تنطلق من مغامرة اللعب مع اللغة وباللغة، ومن ثمّة لا يمكن للسيرة أو «المطابقة بين اسمي المؤلف والشخصية» بمفهوم دوبروفسكي أن تتأسس كاشتغال بنيوي يحيل إلى الرّواية باعتبارها متخيّلا، وهو ما يكشف مأزق «التخييل الذاتي» في تجنيسه كرواية، فالمقوّمات الأساس التي يقوم عليها، تجعل التخييل عنصرا جوهريا في العمل الإبداعي يحايث واقعية الأنا الغابرة في الواقع، هذه الأنا التي يقول عنها: «أنا لا أحد، أنا كائن خيالي أكتب تخييلي الذاتي».
فالتخييل قائم في وعي دوبروفسكي على إنّه حالة تمكّنه من العبور السلس من اللاكينونة إلى المتخيّل، حيث تصبح هذه المحطّة (التخييل) تعبيرا صالحا لتحقيق الذات في متخيّلها، وهذا الوضع التفكيري في صيرورة الذات متخيّلا لا يرسم في النهاية سوى بيانية الذات الآيلة إلى المتخيّل لا لتكتب سيرة وإنّما لتحفظ هامش المتخيل في السيرة، وهو أمر معهود في هوامش الإبداع ومعالمه القائمة في سند الكتابة الرّوائية، انطلاقا من رؤية ميشال بيتور: «ويعلم كل منّا أنّ الرّوائي يبني أشخاصه، شاء أم أبى، علم ذلك أم جهله، انطلاقا من عناصر مأخوذة من حياته الخاصّة، وأنّ أبطاله ما هم إلا أقنعة يروي من ورائها قصّته ويحلم من خلالها بنفسه»، وهو ما يجعل قارئ «التخييل الذاتي» يتحفّظ على إدراج الأنا أو اسم المؤلف في العمل الرّوائي بوقائعه وأحداثه الحقيقية البحتة ثم يسمّي ذلك رواية.

التخييل الذاتي/ المشاحنة المعرفية:

يعتبر مفهوم «التخييل الذاتي» 1977 لسيرج دوبروفسكي منجزا انثال من وعي فيليب لوجون في كتابيه «السيرة الذاتية» 1971 و«الميثاق سير ذاتي» 1975، ويذكر سيرج دوبروفسكي أنّ جيرزي كزنسكي استعمله في كتابه «الطائر المبرقش» 1965، والإشارة إلى السيرة الذاتية، تثير سؤال العلاقة بين التخييل والسيرة، أو محاولة إضفاء التخييل على جوانب مكرّسة في السيرة تستجيب لشروط الاستمرار والوجود في الكتابة، ولعل كل تخييل هو ذاتي بالضرورة، لأنّه لا يمكن أن يصدر تخييل جماعي يرتبط بدواعي التكريس الحكائي للحالة الشخصية، وكل تخييل ذاتي، بمعنى أنّ الجهاز الماورائي للذات يعتبر فريدا ومتعلقا بشخص بعينه يحوز ملكة الهجرة في اللاواقع، حيث تنصهر كل عناصر الواقع وتسجّل انبعاثها الاسترجاعي عبر جهاز اللغة الماهرة في الانتشاء، والتوزّع الحميمي على فراغات الواقع المكثفة بالمثقل اليومي، وبالتالي لا يتأسّس التصور للتخييل الذاتي إلا عبر هذه القناة التي تستقبل الأنا في مرجعها الواقعي، لتدير عملية تحويلها إلى متخيّلها الفنّي، أمّا خارج هذا المفهوم فأعتقد أنّنا بصدد السّيرة الذاتية، ومنه لا تعتبر محاولة دوبروفسكي سوى مشاحنة معرفية لفيليب لوجون، كمحاولة لاستخلاص مفهوم فرعي من نظيره الأصلي لإثبات رؤية وتسجيل اختلاف. إنّ الاتّكاء على «التخييل الذاتي» وجعله مطيّة لإدراج السيرة الذاتية في العمل الروائي وادعاء إجناسية الرّواية لذلك العمل إنّما هو ضرب من الخلط الشنيع بين جنسي الرّواية والسيرة، فقد أحكي سيرتي، لكن ذلك الحكي ليس بالضرورة رواية، وهو ما يعني أنّ «التخييل الذاتي» لا يتعدّى كونه سيرة ذاتية تزيّت بلبوس الرّواية، ذلك أنّ «كلمة أوتوبيوغرافيا تخيف الكتّاب، كما لو انّه يقال لهم بأنّهم ليسوا فنّانين»، كما يرى فيليب لوجون معارضا سيرج دوبروفسكي.

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية