تبدو الكتابة مثل هوس عتيق، تحفر في الروح بعيداً وها نحن وحدنا أنا وهي نتبادل الأدوار، مرة هي تكتب ما تريد، ومرة أنا أكتب ما أريد، وبيننا ينزف العمر ويضيع.
البارحة تفقدت مئات المواد الصحافية التي هربتها معي خلال رحلة اللجوء، من خلال قطعة صغيرة جداً نطلق عليها «فلاشة» تفقدت ذعري معها هناك، حيث كنتُ أكتب، تفقدت العجز والخواء العام هناك.
وخلال لحظة هاربة سألت نفسي ولماذا حملتها معي؟ ربما لأنها أصبحت هنا حرة، ها هي تلبس حبراً آخر وتنهض من نعاسها وترمي ذعرها وراءها وتولد من جديد كتابة تشبه الفرح الخالص. تأخذني الكتابة إلى نصوصها تلك التي كانت تكتب روحها على شكل قصائد، شاعرة معجونة بالوله والنقاء والجمال، جمعني بها قدر الكتابة والصحافة، وحين قرأت ما كتبته تهتُ بعيداً في ذلك الجوهر الدفين، لاسيما حين كتبت عن رحيل أمها. الكتابة نفسها جعلتنا نسير بدربين مختلفين، هي ظلَت هناك ترعى وتداري حروفها، وأنا هنا أتنفس نصوصها كحياة مشتهاة. هي لا تكتب حقيقة إنما ترسم أيضاً وتغني، وحين تهدأ اللحظة ترقص، وبين جميع حالاتها هناك صوتها، صوتها الذي يشبه نصوصها أيضاً. هي تتقن إيقاع الكتابة ونغمتها، وحين تبدأ الكتابة تجدها تلهث مثل سعادة امرأة فاجأها الحب بقبلة خاطفة.
الكتابة الباردة قبر منسي في قرية مجهولة والكتابة الحقيقة عيد، والغريب أن بعض الكتاب الباردين في الحياة يكتبون نصوصاً في منتهى الروعة. ربما لا أحد يشبه كتابته. غريب هذا العمر ومرعب يهرب سريعاً، وحين نحاول التعبير عبر الكتابة نختنق فتأتي الكتابة وكأنها أغنية حزينة. نصادف الفرح في حياتنا، ولكننا نتعامل معه كاستثناء، الآن أريد الضحك طويلاً، أريد الضحك حتى آخر نفس في الروح، أريد الضحك في الشارع، في البيت، أريد الضحك من كل شيء وعلى كل شيء. لم لا، ما دام الضحك ضد الكراهية والحقد والعنصرية والقتل والرعب والاعتقال والموت تحت التعذيب. مادام الضحك هكذا تعالوا نعلن يوماً واحداً للضحك في العالم، نضحك جميعاً، رؤساء وحكومات وشعوبا، أمما متحدة وأمما متفرقة، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، نضحك من كل شيء من ترامب وهو ينسحب من سوريا، ومن الطغاة وهم يتفلسفون، نضحك من العمق ومن السطحية.
ألا تستحق حياتنا القصيرة جداً هذا الضحك، لا أتمنى لأحد أن يبكي، أريد زراعة الفرح، أريد للفرح أن يكون كنظام الضمان الصحي والاجتماعي في ألمانيا، يشمل الجميع، أغنياء وقوادين، فقراء ومجرمين، نساء ورجالا وأطفالا. لا أريد دراسة الضحك فلسفياً ونفسياً والعودة إلى أصوله ولكنه بكل تأكيد هو ما يميزنا كبشر عن باقي الكائنات الحية وليس العقل. أنا أكره الحزن، أحقد عليه كثيراً ويوماً ما انتصرت على كل شيء بالضحك.
الآن أريد الضحك على تلك الشاعرة التي قاطعتني لأنني تصرفت أمامها كأحمق، مع أنها حمقاء مثلي، وأريد الضحك من تلك الوجوه العابسة اللئيمة الحاقدة. عاجز هنا وأحمق أنا أريد الضحك! غريب أليس كذلك؟ حسناً أجيبونا أيها الجديون والسياسيون ماذا فعلت بنا خطاباتكم وأفعالكم الجدية؟ ماذا فعلت بنا وجوهكم المرسومة بالفساد والخبث؟ مقهور جداً هنا كغيمة بلا مطر، مقهور كغريب في كرة أرضية غريبة.
من كان لديه عنوان حياة في كوكب آخر فليرسله لي عبر أقرب طريق، فقد قرفت الغربة والقهر وأريد السفر لكوكب آخر ضاحك.
٭ كاتب سوري