السينما كنافذة تثقيفية في مواجهة الأزمات

حجم الخط
0

مع نهاية كل سنة عادة ما يتم حصر الأعمال السينمائية المتميزة وسردها باعتبارها من حسنات السنة المنصرمة، وأمام الرغبة في تحسين الصورة العامة للأداء لا يأتي ذكر النوعيات الرديئة من الأفلام منعاً للحرج أو محاولة لإخفاء الوجه الآخر من سوءات العام الفائت حتى لا يتعين رصد الخلل ومن ثم تحديد المسؤوليات التي يحاول كل طرف إزاحتها نحو الآخر. وتقتصر عمليات الإحصاء والتقييم على ما يتم الاتفاق بشكل ضمني على أنه الأهم والأفضل والأكثر تميزاً دون مجرد ذكر أو إشارة للركام الهابط الذي خلفته السنة ومضى من غير حساب أو عتاب، اللهم غير القليل من اللوم وقرار الجمهور برفضه والعزوف عنه.

وهنا يكون الجمهور هو الحكم العدل بين الأفلام وأصحابها، حيث لا مجال لاعتبارات المجاملة والمحسوبية في استفتاءات السوشيال ميديا ونجوم الشاشات التلفزيونية وأصحاب البرامج ذات المساحات الكبرى والسمعة الإعلامية الذائعة. ولأن الجيد بين والهابط بين في إنتاج العام الماضي، فالمسألة لا تحتاج لأكثر من عرض فقط لبعض النماذج المختلف عليها لإدراك الفروق بينها وبين المتفق عليها، والغارقة في الثناء والتأييد والمديح لتصبح هي فقط في صدارة المشهد وتخرج الصورة العامة كما ينبغي أن تكون إزاء التجاهل التام للأعمال الضعيفة والموضوعة بالخطأ في قوائم الإبداع.

في محاولة سريعة سُنلقي الضوء على بعض ما تم عرضه من النوعيات السينمائية خلال المواسم الماضية ولم يكن محظوظاً بالقدر الكافي في عمليات التقييم التي أخرجته تماما من دائرة المنافسة والحسبان كأنه لم يكن، وهذه المسألة على وجه التحديد هي التي تعنينا أكثر من المفاضلة بين الأحسن والأسوأ، لأن أي عمل فني مهما كان مستواه لابد أن يُدرج ضمن قياسات التعداد والتقييم لأنه أنتج وعُرض فعلياً على الجمهور وظل لأيام أو أسابيع في دور العرض ولا يصح نفيه وتجاهله.

من الأمثلة الدالة فيلم “دعدوش” للمخرج عبد العزيز حشاد وبطولة مجموعة من الوجوه الجديدة، هشام إسماعيل، ومدحت تيخة، وياسر الطوبجي، وبيريهان حسن، وأمير صلاح الدين، وعمرو عبد العزيز،  ومحمد فاروق، وهذا الفيلم ينتمي إلى ما أصطلح على تسميته بأفلام المقاولات أو الأفلام التجارية، وهو يقدم معالجة كوميدية لقضية الإرهاب بشكل هزلي يسطح المفهوم العام لخطورة الإرهاب وأسبابه ودواعيه ويجعل من الرؤية السينمائية مجرد “حدوتة” ركيكة لا تنطوي على قيمة، وبرغم ما توافر لهذا الفيلم من إمكانيات إنتاجية كانت من الممكن أن تصنع عملاً فنياً هادفاً، إلا أن النتيجة جاءت على غير ما أراد الجمهور فلم يمكث في دور العرض إلا أيام وانسحب بهدوء كأنه سراب!

وكذلك كان حال فيلم “القرموطي في أرض النار” بطولة أحمد آدم وعلاء مرسي وإخراج أحمد البدري، والذي يطرح رؤية كاريكاتيرية مماثلة للقضية الشائكة والمهمة، قضية الإرهاب سالفة الذكر وهو ما يعني التوظيف الأسوأ للأفكار الجادة وتحولها عن مسارها الصحيح لتصبح نكات ومساخر فتفقد قيمتها ومعناها ومضمونها ومن ثم تفقد السينما كوسيط ناقل للصورة الدرامية بحيثياتها وتفاصيلها دورها المنوط بها ووجودها كصناعة وبضاعة ونافذة تثقيفية يُعول عليها كثيراً في مواجهة الأزمات والمشكلات المعضلة التي تؤرق المجتمع والمواطن.

وليس أدل على فساد الذوق الكوميدي وضعف الحالة الترفيهية من فيلم “خير وبركة ” للمخرج سامح عبد العزيز وأبطال مسرح مصر، الذين اكتشفهم أشرف عبد الباقي وقدمهم للجمهور عبر عدة مواسم فصاروا نجوماً يشار إليهم بالبنان، وهم علي ربيع ومحمد عبد الرحمن وكريم عفيفي، وهؤلاء شكلوا الحلقة الأضعف في الفيلم كله الذي شارك فيه ممثلون قديرون تورطوا بإغراء الحالة الكوميدية المزعومة فخسروا التجربة وخصموا من رصيدهم الفني الكثير، ولعل أبرزهم النجمة دلال عبد العزيز التي لعبت دور الأم في المحاولة الكوميدية الفاشلة، وأيضاً سيد رجب وهو الفنان صاحب القدرات الهائلة في الإقناع والتقمص والتجسيد، ولم يفلت بيومي فؤاد من هذا الشرك بل انزلقت قدماه في الدائرة ذاتها ولم يكن موفقاً البتة فيما أسند إليه وهو جوكر التمثيل الاحترافي الفارق، أما المخرج سامح عبد العزيز فلم يكن هناك من الأسباب ما يبرر له التورط في هذا النوع من الكوميديا البلهاء والرهان على فكرة واهية ومتهافتة وممثلين شباب ما زالوا في طور التكوين الفني ولم ينضجوا بعد.

ولنا في ختام النماذج الفنية السينمائية الساقطة من حسابات السنة الفائتة العبرة والعظة، حيث فيلم “صيف تجريبي” وهو المحاولة الأولى للمخرج الشاب محمود لطفي، ويحتشد فيه عدد كبير من الممثلين الهواة، زينب مجدي، وعصام إسماعيل، وأحمد مجدي، وعمرو وشاحي، ومريم صالح وآخرين، ممن اجتهدوا ولم يصيبوا فاكتفوا من تجربتهم بنصيب المجتهد من الأضواء، إذ لم يكونوا من المحظوظين في تسميته “صيف تجريبي” وجاء مردوده الجماهيري متسقاً مع العنوان فلم يزد عن كونه حالة تجريبية على كل المستويات، الفكرة، والأداء والإخراج فانصرف عنه الجمهور معطياً ظهره في احتجاج واجب على جرأة الاستسهال والتعلق بحُلم النجومية السينمائية بغير استعداد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية