ثمة خط واحد مستقيم يصل بين موت عاموس عوز والانتخابات. خط مستقيم يصل بين موت المفكر ومحو قيمة الاستقامة والعقلانية (لنسمي ذلك أخلاقية) من المجال العام. لقد انتهى عهد المفكرين الذين لم يؤثروا من خلال رؤية حزبية ضيقة فحسب، بل من زاوية أخلاقية واسعة. حتى قبل موت عوز لم تعد لهم حاجة، والجمهور لم يكن بحاجة إليهم، والدولة تتدبر أمرها أيضاً دون دعمهم الأخلاقي.
ليس هناك دولة في موقف أخلاقي تؤيده. جنرالات أخلاقيون بشكل مشكوك فيه مفضلون في نظرها على مبدعين يرون كل شيء من خلال عدسة أخلاقية. تأثير المفكرين انتهى. نتان الترمان أثر على قيادة الدولة، وعوز أثر على قيادة اليسار، ودافيد غروسمان أثر فقط على اليسار. دافيد بن غوريون جمع حوله أدباء وشعراء، وليس مهما الآن إذا ما كان ذلك أمراً حقيقياً أم وهمياً. حتى لو كان ذلك شكلياً، انظروا كيف أثر هذا وضع ما لسياسي يحب الثقافة في حينه.. على الجمهور.
اليوم الجمهور (لنسميه الشعب، هذا جيد؟) لم يعد يتأثر بذلك. هو لم يعد يبحث عن عدالة أخلاقية في أفعال دولته. هي تستطيع القتل والتمييز والاضطهاد دون أن يحاسبها أحد. هي لا تحتاج إلى مفكرين يطلبون منها تقريراً عن أعمالها. رجال الفكر المتنورون استبدلتهم بحاخامات جاهلين، الأخلاقية العالمية استبدلتها بيهودية متوحشة والترمان استبدلته ببني تسيفر.
المفكر تسيفر يهتم بسيقان الوزيرة الجميلة أكثر من اهتمامه بالمسائل الأخلاقية لزوجها، والأسئلة الأخلاقية التي يقف أمام زوجها تشبه أسئلة نوحي دانكر وآريه درعي أكثر من أسئلة أرسطو ونيتشه. هو وأصدقاؤه أصبحوا ضائعين، هم يرون في الرشوة مكوناً عضوياً للسياسة. احتجاج العقلانيين والمستقيمين لا يجب أن يوجه نحوهم، بل نحو الشعب الذي يغفر لهم.
الشعب الذي يتجاهل الرشوة ويغفر لمن يتلقوها يذهب الآن إلى الانتخابات. هو يذهب إلى الانتخابات ليس من أجل انتخاب قيادة، بل من أجل المصادقة على براءة رئيس الحكومة. الانتخابات مطهر يمكن إزالة القذارة به. بالنسبة للشعب هي تعتبر قرار حكم حاسماً، قرار حكم نتائجه معروفة مسبقاً. دون نيابة ودون دفاع ودون إجمال، والناخبون هم القضاة.
ليثبت المدعون ما يثبتونه، وليحكم القضاة ما يحكمونه، وحتى لو اعترف بنفسه، سيسأل في حينه عضو هيئة المحلفين: ماذا في ذلك؟ ماذا لو أخذ وتلقى رشوة وتحايل، ماذا في ذلك؟ هل من أجل ذلك يذهبون إلى السجن؟ هل يجب أن يكون الزعيم مستقيماً؟ ماذا عن الملك داود وموشيه ديان؟ هو ليس بريئاً فحسب، بل مضطهد ومطارد ومهاجم. يضطهده الإعلام وتطارده الشرطة ويهاجمه مباي.
عندها سيقول لقد أخذت، بعد فوزه. لنفترض، وماذا في ذلك. ألا تسافرون إلى الخارج؟ ألا تبدلون سياراتكم؟ ألا تشترون الشقق؟ هذا لا يسيء إليكم، أليس كذلك؟ لكنكم تعرفون أن لهذا ثمناً. حاسبوا أنفسكم. تكفي غرفة آمنة في كريات شمونة. اسألوا أنفسكم هل بعض المجوهرات والسيجار وحتى الغواصات لا تساوي هذه الإجازات والسيارات وشققكم؟ أنا آخذ منكم ثمناً معقولاً، سيقول. سعر تصفية.
وعندما سيسألونه: وماذا عن المساكين الذين لا توجد لهم إجازات وسيارات وشقق؟ سيجيب: المساكين؟ اتركوهم لي، اعترفوا حقاً بأن هؤلاء لا يهمونكم واعلموا أنكم ستخيفونهم. حماس تخيف أيضاً، وكذا حزب الله، لكن ما يخيفهم أكثر هو التفكير بأنكم ستحلون محلي.
المخاوف ستجلب له الفوز في الانتخابات. سيفوز رغم أننا لا نحتاج إلى توصيات من أجل التعرف على خداعه. سيفوز ولن يقدم للمحاكمة، ليس لأن هذا ما يجب أن يحدث، بل لأنه لا يستطيع. كي تفهموا أنه ببساطة غير مبني لذلك. هو لن يسمح بحدوث ذلك، هو لن يلتقط الصور مع تشيلدان قبل الذهاب إلى سجن معسياهو. ببساطة لا. ليمت العالم ولن يكون هناك مهما كلف الأمر: حرب، قتلى، تهديدات وأكاذيب، كل ذلك سيتلاشى.
وإذا قمنا بالاحتجاج؟ حينها اسأل الأمة التي تذرف الدموع والسحر: أين كنتم حتى الآن؟ إذا كنتم قد نجحتم في العيش 52 سنة مع أخلاق كريات أربع، فأنتم يمكنكم العيش أيضاً مع أخلاق شارع بلفور، ومن يمكنه العيش مع أخلاق الدولة يمكنه العيش أيضاً مع أخلاق رئيس الحكومة.
يوسي كلاين
هآرتس ـ 3/1/2019